على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

أنا والصين

: مشاركة
2018-12-28 17:40:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

العنوان أعلاه هو اسم المسابقة التي شارك في الإعداد لها وتنظيمها ورعايتها مجلة ((الصين اليوم)) والمركز الثقافي الصيني بالقاهرة ومجلة ((الإذاعة والتلفزيون)) المصرية، وقد أعلنت نتيجتها في حفل كبير أقيم بمقر المركز الثقافي الصيني في الأول من ديسمبر 2018، بحضور حشد كبير من الشخصيات السياسية والثقافية والأدبية والإعلامية المصرية والصينية، في مقدمتهم رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عصام شرف، والروائي المصري يوسف القعيد، ونائبة سفير الصين لدى مصر ليو يونغ فنغ والمستشار الثقافي بسفارة الصين لدى مصر شي يوي ون ورئيس تحرير مجلة ((الإذاعة والتلفزيون)) خالد حنفي، إضافة إلى الفائزين بالجوائز وأفراد أسرهم.

الحقيقة أن هذه الدورة من مسابقة ((أنا والصين)) لم تكن مجرد تنافس في الكتابة، وإنما أيضا مقاربة يمكن الاعتماد عليها لإدراك مدى اهتمام المصريين ومعرفتهم بالصين، وتلك مسألة ظلت لسنوات في بؤرة اهتماماتي.

العمل الذي فاز بواحدة من جائزتيّْ المركز الأول يحمل عنوان "تحت أستار السماء"، وهو العمل الوحيد الذي تحدث عن منطقة التبت الذاتية الحكم في الصين، من بين الأعمال التي شاركت في المسابقة. المدهش أن عددا ليس قليلا ممن كتبوا عن التبت أعمالا صعدت بشهرة هذه المنطقة إلى عنان السماء، لم يروا التبت رأي العين، وأن معظم ما كُتِب عنها يلفه الغموض وتكتنفه الحكايات الأقرب إلى الخيال. تحدث عنها الأديب المصري الراحل أنيس منصور في كتابه ((رحلة حول العالم في 200 يوم))، وهو لم يزر التبت، وإنما قابل الدالاي لاما سنة 1959. بل إن جيمس هيلتون مؤلف رواية ((لأفق المفقود)) المشهورة والتي صدرت عام 1933 وتدور أحداثها في التبت، لم يزر التبت على الإطلاق وإنما اعتمد على كتابات عالم النبات الأمريكي جوزيف روك الذي عاش في التبت في عشرينات القرن الماضي. "الأفق المفقود" تحولت إلى فيلم جعل التبت صورة خيالية لكثير من الناس. في "تحت أستار السماء" يأخذنا أحمد ظريف ضيف إلى واقع التبت الحقيقي ويجول بنا في هذه المنطقة الصينية التي تُعرَف بأنها سقف العالم، ويمنحنا شيئا من عبقها الروحي ونهضتها الحديثة. ولأن وطنه يسكن قلبه دائما، لا ينسى أن ينبه إلى أن التبت، التي زارها وتجول في أرجائها، يمكن أن تكون نموذجا تحتذي به مصر، وكل الدول العربية، في تطوير المدن التاريخية مع الحفاظ على هويتها الثقافية القديمة. يقول أحمد ظريف: "الحديث عن التبت يمكن أن يمتد ليصير كتابا، وأن يطول ليصبح مجلدا، أو حتى سلسلة من المجلدات، فهناك الكثير من القصص الرائعة حول سيرة الملك قصار والتي تشبه السيرة الهلالية عند العرب، وحول حيوانات التبت المميزة مثل قرود المكاك وطيور الكركي ذات العنق الأسود التي ذكرتني بعلاقة المصري القديم مع الحيوانات المقدسة، وهناك أيضا الأساطير المتعلقة بالديانة البوذية، وغيرها من الحكايات المميزة التي يمكن بسهولة أن تصبح جزءا هاما من الأدب العالمي لو جُمعت وتُرجمَت ونُشرَت بعدة لغات مختلفة لتكون نافذة يطل منها العالم على تلك البقعة الساحرة الواقعة في جنوب غربي الصين، ولتكون طريقا يصل بين الصين وبين العالم ويقدم وجها مختلفا من أوجه الصين يكشف الستار عن أسرار أرض طالما اكتنفها الغموض."

العمل الفائز بالجائزة الثانية للمركز الأول، يحمل عنوان "حكايات صاحب الصورة"، لا يذكر لنا صبري أحمد نصرة، من اسم صاحب الصورة إلا لقبه، "ما"، ولكنه يقدم لنا ومضات من الصين الحاضرة في ذاكرة المصريين، ويغوص في ثقافة الطعام عند الصينيين فيشوقنا إلى واحد من أشهر المطاعم في العالم، بعد رحلة بديعة في أروقة أزهر مصر الشريف، الذي احتضن منذ عشرات السنين طلاب العلم الصينيين. العمل الفائز بواحدة من جوائز المركز الثاني يروي حكاية عادية لشاب مصري سافر إلى الصين بحثا عن فرصة جديدة، ولكنها تكشف في طياتها انفتاح المجتمع الصيني وقبوله الآخر، وتعكس جانبا من حياة الصينيين الجدد. وفي "حكايتي مع الصين"، يقدم لنا الدكتور الصاوي الصاوي أحمد رؤية للأحكام المسبقة التي تشكل الصورة الذهنية للبعض، والتي تساهم في تشكيلها أدوات صناعة، أو بمعنى أدق، تزييف الوعي. وتكون الحقيقة والواقع أبلغ رد، فتتغير الرؤية وتتبدل الأحكام، ما يجعلنا في حاجة ماسة إلى مزيد من التواصل المباشر. العمل الذي يحمل عنوان "هاني يان، صيني مصري أم مصري صيني؟" يؤكد أن التواصل الشعبي بين الصين ومصر يظل ملمحا بارزا للعلاقات الصينية- المصرية عبر العصور، ففي بداية القرن العشرين تحتضن مصر شابا صينيا يعيش بين أهلها ويتزوج فيها وينجب وتتحول أسرته إلى رباط دم بين الشعبين، يمثله هاني يان، رجل الأعمال المصري من أصل صيني، والذي صار أحد أعمدة جسر الصداقة بين مصر والصين. وفي عمل بعنوان "صيني أو مصري"، ندرك أننا قد نصادف في حياتنا أشخاصا يغيرون مسار حياتنا، تماما كما فعل العم صبحي المصري والعم لي الصيني مع سارة عثمان شوقي التي كانت اللغة الصينية الباب الذي ولجت منه إلى مجتمع آخر وجدته انعكاسا لمجتمعها. وفي "قصة صلاة في أحد شوارع بكين"، يكتشف هاني عسل، عندما وطأت قدماه أرض الصين، صورة تناقض الكثير مما تردده وسائل إعلام غربية حول حرية العقيدة في الصين، فيعيد ترتيب أفكاره ومراجعة ما كان مستقرا في ذهنه، ويسعى إلى معرفة الحقيقة من مصدرها. وفي "ماعت وكونفوشيوس على طريق الحرير"، يدير حسام الدين محمد أحمد حوارا خياليا بين إلهة العدالة والحق عند قدماء المصريين "ماعت" وفيلسوف الصين وحكيمها "كونفوشيوس"، يطوف بنا من خلاله في أروقة الثقافة والأدب والحياة عند الصينيين والمصريين. وفي "أنا والصين.. رسالة إلى صديق"، تنظم مي عاشور أنشودة في عشق الصين، التي أخذ أدبها بلبها، فكرست نفسها لترجمته ونقله إلى العرب. تقول مي عاشور: "مرت السنون سريعا، وكل يوم مر، تأثرت فيه أكثر بالثقافة الصينية؛ تبهرني الألوان والموسيقى، تبدو لي كتداخل خيوط حريرية متناسقة الألوان، أنها تعكس حضارة عميقة وأصيلة. كلانا أبناء حضارتين عريقتين، ولذلك بيننا أمور مشتركة كثيرة جدا؛ ففي مصر نهر النيل وفي الصين النهر الأصفر، وفي الصين السور العظيم وفي مصر الأهرامات، وسحر الخط العربي منقوش في المساجد هنا وروعة الكتابة الصينية مرسومة بفن على المباني العتيقة في الصين، وكذلك احترام الروابط الأسرية في كلا البلدين. ربما انجذبت إلى حضارة الصين بشكل سريع لأنني رأيت فيها شيئا يشبهني رغم الاختلاف."

الأعمال التي شاركت في المسابقة، وقد بلغ عددها نحو مائتين وثمانين عملا وفاز منها ثلاثون عملا، تكشف عن عدد من المؤشرات الهامة التي ينبغي التوقف عندها؛ أولها: أن هناك شغفا مصريا بالصين حضارة وتاريخا، أرضا وشعبا، طبيعة وإنجازات، وأن صورة الصين في أذهان المصريين إيجابية بشكل عام؛ ثانيها: أن ثمة توسعا في دائرة المهتمين بالصين، إذ لم يعد ذلك مقتصرا على دارسي اللغة الصينية والمتخصصين في الشأن الصيني، بل امتد إلى فئات متنوعة من المصريين؛ ثالثها: أنه في أحيان غير قليلة تكون الصورة الذهنية المسبقة عن الصين مناقضة للواقع، وعندما يتم الالتقاء أو بالأحرى الاصطدام بين ما كان متصورا وما هو كائن، يحدث نوع من الدهشة التي تؤدي بدورها إلى صورة ذهنية قد لا تكون دقيقة تماما؛ رابعها: أن الانطباعات عن الصين، كما يعكسها عدد غير قليل من الأعمال المشاركة في المسابقة، متأثرة بزمان ومكان اللقاء مع الصين، ومن ثم تأتي في الغالب انطباعات جزئية لا تقدم صورة شاملة لبلد متعدد الثقافات ومتنوع مثل الصين؛ خامسها: أن الخلاصة التي يمكن أن نصل إليها من خلال الأعمال المشاركة هي أن "الترابط بين قلوب الشعوب" باعتبار ذلك من ركائز مبادرة "الحزام والطريق" (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين) التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013، تمثل أحد العناصر الأساسية التي ينبغي العمل عليها من أجل بناء المصير المشترك للبشرية.

موضوعات "أنا والصين"، أعادت إلى ذاكرتي نتيجة استطلاع للرأي أجراه مركز غالوب وأعلن نتيجته في شهر مايو 2009، حول شعبية الدول الكبرى في العالم فقد جاء في تقرير الاستطلاع الذي استمر من سنة 2006 حتى سنة 2008، إلى أن "النتيجة المهمة للاستطلاع هي تسليط الضوء بصورة أكبر على تنامي شعبية الصين على وجه الخصوص في العالم". وإن "الصين تتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية بصورة حاسمة في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، حيث حصلت الصين على 41%‏ مقابل 14% فقط أيدوا الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا أكبر فرق بين شعبية الدولتين في أي منطقة أخرى بالعالم". وبالطبع، قد جرت في نهر الحياة مياه كثيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، منذ ذلك الاستطلاع، ولكن تظل الصين في الذاكرة العربية مثالا للخير والمحبة والفكر. ومقولة "اطلبوا العلم ولو في الصين"، تعبر عن حضور الصين في الذاكرة العربية، وهو حضور مقرون بصورة لبلد فيه علم وصناعة وثقافة. هذا الحضور مستمر عبر العصور مدعوما بما كان يربط الجانبين الصيني والعربي من طرق تجارية برية وبحرية قديما، أحيتها مبادرة "الحزام والطريق"، وما ربط بين الجانبين من دعم ومساندة متبادلة في فترة التحرر الوطني في العصر الحديث. وعلى الرغم من الاختلاف بين الثقافتين الصينية والعربية، هناك قواسم مشتركة بين منظومة الأخلاق والقيم في الثقافتين، فقيم أخلاقية مثل بر الوالدين واحترام وتوقير الكبير، والتكافل الاجتماعي وحسن الجوار وغيرها، قيم أصيلة في الثقافتين.

الشيء الذي لا مراء فيه هو أن الصين تحظى بشعبية عربية لا تنافسها فيها أي دولة أخرى، وأن معرفة العرب بالصين الآن أكثر اتساعا، وأن الصين، بفضل منتجاتها وتوسع تعلم لغتها وتنامي دورها الدولي صارت موجودة في الحياة اليومية للمواطن العربي. ولا شك أن تطورات جديدة حدثت وسوف تحدث في المستقبل مع زيادة حركة التبادل بين الجانبين، وسوف يكون هناك سوء فهم، وسوف تسعى أطراف أخرى لتشويه صورة العرب عند الصينيين وتشويه صورة الصينيين لدى العرب، وهذا يتطلب جهدا دائما للتواصل بين الجانبين، ومن هنا تأتي أهمية النشاطات الثقافية والشعبية والفنية، مثل "أنا والصين".

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037