على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

أيام الصين في الجزائر

: مشاركة
2018-12-11 13:37:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

أثناء التحضيرات لمشاركة المجموعة الصينية للنشر الدولي (CIPG) في صالون الجزائر الدولي للكتاب في دورته الثالثة بعد العشرين، كان لا بد أن تتداعى إلى الذاكرة أحداث كبيرة رسمت مسار العلاقات الصينية- الجزائرية، وقد كانت القاهرة حاضرة في تلك التحضيرات، من خلال فرع الشرق الأوسط لمجلة ((الصين اليوم))، الذي أنيطت به مهمة تمثيل (CIPG) في صالون الكتاب. بكين، القاهرة، الجزائر، هكذا كان مسار رحلة تحضيراتنا، ذلك المسار الذي يعيد إلى الأذهان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أعلنت في العاصمة المصرية في التاسع عشر من سبتمبر سنة 1958، برئاسة السيد عباس فرحات، لتعترف بها الصين بعد ثلاثة أيام فقط، في الثاني والعشرين من نفس الشهر، وتكون أول دولة غير عربية تُقْدِم على هذه الخطوة، ويرسل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ورئيس مجلس الدولة الصيني شو أن لاي آنذاك ببرقيتي تهنئة لتلك الحكومة. وبعد إعلان استقلال الجزائر في الخامس من يوليو سنة 1962، بعث وزير خارجية الصين تشن يي إلى وزير خارجية الجزائر ببرقية أبلغه فيها أن الحكومة الصينية قررت الاعتراف بالجمهورية الجزائرية. وفي إبريل عام 1963، ولم يكن قد مضى على إعلان الاستقلال غير شهور معدودة، أرسلت بكين إلى الجزائر فريقا طبيا، هو أول بعثة طبية صينية إلى أفريقيا، ليتواصل الدعم الصيني للجزائر، التي شاركت مع ألبانيا وإحدى وعشرين دولة أخرى في طرح قرار استعادة الصين لمقعدها الشرعي في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتم إقراره في الخامس والعشرين من أكتوبر سنة 1971، وهو القرار الذي أدى إلى التسوية الشاملة والعادلة لتمثيل الصين في الأمم المتحدة سياسيا وقانونيا وإجرائيا، حيث أعيدت جمهورية الصين الشعبية إلى مكانها في الأمم المتحدة في الخامس عشر من نوفمبر 1971.

كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو وزير خارجية الجزائر في ذلك الوقت، ولهذا فإنه يحظى بمكانة خاصة عند الصينيين حكومة وحزبا وشعبا. في لقاء مع رئيس وزراء الجزائر السابق عبد المالك سلال، في الثامن والعشرين من إبريل 2015، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ: "قادة الصين وشعبها لم ينسوا يوما هذا الصديق العزيز (الرئيس بوتفليقة)، ولن ينسوا أبدا مساهمته الكبيرة من أجل أن تستعيد الصين مقعدها في الأمم المتحدة."

إنها مشاهد مضيئة كانت حاضرة عندما تقدم وفد ((الصين اليوم)) إلى سفارة الجزائر بالقاهرة بوثائق سفره ومعها دعوة من وزارة الثقافة الجزائرية، للحصول على تأشيرة الدخول، فقد أبدى المسؤول الإعلامي بالسفارة السيد فؤاد تعاونا وترحيبا كبيرا بهذه الزيارة. ولم يكن الأمر مختلفا في مقر وزارة الخارجية الجزائرية التي رحب العاملون بها بأعضاء الوفد ومنحوهم في دقائق قليلة تصريح مزاولة عملهم داخل الجمهورية الجزائرية الشعبية الديمقراطية. هكذا بدأت في الجزائر أيام الصين، الدولة ضيفة الشرف لصالون الجزائر الدولي للكتاب في دورة 2018.

الجزائر البيضاء، وهو اللقب الذي تحمله العاصمة لكثافة اللون الأبيض لبناياتها، استقبلتنا بأمطار خفيفية صافحت وجوهنا بعد الخروج من مطار هواري بومدين الدولي. في الطريق إلى الفندق العائلي الصيني الذي أقمنا فيه أثار انتباهنا وإعجابنا اتساع رقعة الغطاء الأخضر في المدينة التي تشبه مدن جنوبي الصين. في المسكن الذي نزلنا فيه ويديره شاب من مقاطعة فوجيانغ اسمه لين، وجدنا أنفسنا في بيت صيني تماما. السيد لين أخبرنا أن الجزائر بها نحو عشرين ألف صيني منهم عشرة آلاف في العاصمة، يعملون في مجالات مختلفة، وبخاصة في المشروعات التي تنفذها العديد من الشركات الصينية في قطاعات مختلفة بالجزائر، وبخاصة في مجال الإنشاءات. عندما مررنا بمسجد الجزائر الأعظم في العاصمة، الذي ترتفع فيه أعلى مئذنة في العالم ويعد ثالث أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة وأكبر مسجد في قارة أفريقيا، أشار مرافقنا إلى أن هذا المسجد تنفذه شركة صينية. نذكر هنا أيضا أنه في عام 2016، فازت شركتان صينيتان بعقد تنفيذ مشروع الميناء التجاري في الحمدانية شرق مدينة شرشال بولاية تيبازة، ولهذا الغرض وقع المجمع العمومي الوطني لمصالح الموانئ بالجزائر مذكرة تفاهم لإنشاء شركة تخضع للقانون الجزائري تتكون من المجمع الوطني لمصالح الموانئ والشركتين الصينيتين، لإنجاز المشروع الذي تتجاوز كلفته ثلاثة مليارات دولار أمريكي، بتمويل صيني كامل.

في التاسع والعشرين من أكتوبر، كان موعد الافتتاح الرسمي لصالون الجزائر للكتاب في قصر المعارض بمنطقة الصنوبر البحري، التي أخذت اسمها من أشجار الصنوبر البحري (الصنوبر الصلب) التي تنتشر بها. كانت الرياح باردة والمطر يتساقط، وقد اكتشفنا على البوابة الرئيسية للمعرض أن أسماءنا غير مسجلة، ومن ثم لا توجد بطاقة دخول لنا إلى القاعة التي ستشهد حفل الافتتاح بحضور الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى وجم غفير من المسؤولين والمثقفين والكتاب المحليين والأجانب. كنا في حيرة من أمرنا، فقصدنا إلى تلك القاعة وهناك وجدنا مسؤولا أمنيا شابا. شرحنا له الأمر وأبرزنا التصريح الذي حصلنا عليه من وزارة الخارجية. أمهلنا الشاب قليلا وتقدم من رئيسه ثم عاد معتذرا، وقال إنه من أمن الرئاسة وإن هذا يقع في اختصاص الجهة المنظمة. ساد بيننا صمت قصير، وقلت له: "بالنسبة لهؤلاء الأصدقاء الصينيين، أنت الجزائر، سواء كنت من الأمن أو من الجهة المنظمة." تقدم الشاب مرة أخرى من رئيسه ثم عاد وقال: "تفضلوا بالدخول!" وبينما نحن داخل جناح الصين نرتب المكان المخصص لمطبوعات (CIPG)، رأينا أمامنا فجأة ذلك الضابط الشاب، الذي صافحنا وقال: "أعتذر عما حدث. أنا آخر فرد من فريق أمن الرئاسة يغادر المكان لأنني حرصت على الحضور إليكم للاعتذار." كم أنت رائع يا عمّار، فقد كان لا بد أن نعرف اسمه، كما عرفنا أسماء آخرين من الأصدقاء الجزائريين الذين وجدنا فيهم طيبة قلب وصدقا وشغفا بالصين، من بينهم شاب أتى إلينا لنكتب له بعض العبارات بالصينية، مثل "أحب الصين"، "الصينيون رائعون"، "بلدكم عظيم" "مرحبا بكم في الجزائر"، لا لشئ إلا ليريها للأصدقاء القادمين من الصين!

في ذلك اليوم، كرمت الجزائر الكاتب الصيني الكبير موه يان، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012، بمنحه وسام الاستحقاق الوطني برتبة "أثير"، تكريما له وللثقافة الصينية. في حفل التكريم، قال أحمد أويحيى الذي سلم السيد موه الوسام نيابة عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة: "إن تكريم موه يان لحظة لامعة تضاف لكل ما تقرر تنظيمه هذه السنة ما بين الصين والجزائر إحياء لستين سنة لمسار مشترك، مسار بدأ بدعم ثمين من الصين للجزائر المكافحة واستمر بكل الإنجازات الدبلوماسية والسياسية وفي مجالات التعاون." وأضاف أن "رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة قام برفقة نظرائه الصينيين المتتاليين بإعطاء أرضية قوية للتعاون ما بين الجزائر والصين، وها هو اليوم يضيف لبنة ثقافية وشعبية بتكريم السيد موه يان."

 عبر موه يان عن سعادته الغامرة بتكريمه، خصوصا وأن هذا الاحتفاء يأتي في الذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات بين الجزائر والصين، مضيفا أنه بمثابة تشجيع ودفع كبير لأعماله التي أنجزها على مر عشرات السنين.

وحول هذا التكريم، قال وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي إن تكريم موه يان نموذج حي للتعاون المتكامل في شتى المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية، مضيفا أن الجزائر تؤكد هذا التعاون في شقه الثقافي من خلال تكريم هذا الأديب. وقد عبر نائب رئيس دائرة الدعاية بالحزب الشيوعي الصيني ليانغ يان شون، عن شكره الكبير للجزائر على تكريم موه يان، داعيا إلى تفعيل أكبر لجسر التعاون الأدبي والفني بين البلدين.

في اليوم الأول للجمهور بصالون الكتاب الجزائري، كان الحضور الصيني طاغيا، سواء في الندوات التي شارك فيها ستة أدباء صينيين أو في جناح عرض الكتب الذي قدم نحو ثلاثة آلاف عنوان لثلاثمائة ألف كتاب باللغات الصينية والعربية والفرنسية، وفرتها أربعون دار نشر صينية. كان الإقبال على الندوات والمعروضات مثيرا للإعجاب، وبخاصة من الشباب والأطفال. في الندوة التي أقيمت له، قال موه يان بتواضع أثار دهشة الحضور: "الفوز بجائزة نوبل لا يعني أنني الأفضل في العالم. أنا واثق من أن هناك العديد من الكتاب الصينيين الذين قد يستحقون هذه الجائزة أكثر مني." ولكنه أضاف أن توزيع روايته "الذرة الرفيعة الحمراء" كان حوالي مائتي ألف نسخة سنويا، ولكن بعد فوزه بنوبل تجاوزت المبيعات مليوني نسخة سنويا.

في الندوة التي أقيمت للروائي الصيني تساو ون شيوان، كان لافتا أن غالبية الحضور من الأطفال صغار السن. تساو، الحائز على جائزة هانز كرستيان أندرسون للكتابة للأطفال في عام 2016، وصاحب "الماعز لا تأكل عشب السماء" و"الجدران العتيقة" و"القراميد الحمراء والقراميد السوداء" و"دار العشب" و"عيون اليعسوب" وغيرها من الأعمال التي تُرجِمت إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والكورية واليابانية ومؤخرا إلى العربية، بدا متجاوبا مع الصغار وكأنه واحد منهم. في ندوة الشاعر تشاو لي هونغ، تضوع عبق زهرة جزائرية في أرجاء القاعة. كان تساو جالسا يتناول غداءه في ركن من القاعة عندما توقفت إلى جواره فتاة على مقعد متحرك. قالت له إنها تحب الكتابة وتقرأ الشعر. أنصت لها وعرض عليها حضور ندوته، ثم فاجأ الحضور بدعوتها لإلقاء قصيدة من أعماله، باللغة الفرنسية، على أنغام آلة تشنغ الموسيقية التقليدية، وسط تصفيق حاد من الحشود الواقفة خلف المقاعد الممتلئة. 

في الندوة المشتركة للأدباء الصينيين، تحدث الكاتب الصيني الشاب شيو تسه تشن عن تجربته، وبمعنى أدق معاناته الشخصية ومعاناة أصدقائه القادمين من أرجاء الصين إلى بكين. حكى قصة صديق له أُبعِد من العاصمة في عام 2007، قبل أولمبياد 2008، لا لشئ إلا لأنه "واي دي رن" أي القادم من خارج المكان ولا يحمل سجل إقامة "هوكو" في المدينة. إنها حكاية الغرباء في مدن عديدة. وعندما سُئِل صاحب "الركض في بكين" و"القدس" و"باب منتصف الليل" و"قطار الليل" و"السماء على الأرض"، لماذا لا يكتب إلا عن هذه الفئة من الناس، أجاب: "ببساطة لأنني لا أعرف غيرهم. لم أدخل إلى عالم الأثرياء وشخصيات الأعمال وأصحاب النفوذ." في ذات الندوة، تحدث الكاتب الصيني المولود لأم من قومية التبت وأب من قومية هوي آلاي، عن نشأته في بيئة منعزلة لم يعرف فيها حتى معنى كلمة "كاتب". قال إنه لا يكتب فقط من أجل التبتيين وإنما لكل العالم، وأضاف: "نحن "نميل إلى الاعتقاد بأن الأشخاص المختلفين لديهم وجهات نظر مختلفة. لكننا بشر فوق كل شيء. نحن أفراد من أعراق مختلفة، لذا لا ينبغي لنا تحليل الحياة من منظور عرقي. سيكون التواصل أسهل إذا أمكننا تبني وجهة نظر بشرية."

لم تكن "أيام الصين" وجبة ثقافية متنوعة فحسب، وإنما أيضا فيض من المشاعر الإنسانية المؤثرة، تلك المشاعر التي جعلت رئيس نادي قراء مجلة ((الصين اليوم)) في الجزائر السيد بن شهرة علي يتجشم مشقة السفر ثلاثمائة كيلومتر من موطنه في تيارت إلى قصر المعارض في العاصمة ليلتقي بوفد المجلة. ولا يفوتنا هنا أن ننوه بجهود الناشر والمترجم المصري د. أحمد السعيد، مدير مؤسسة "بيت الحكمة للثقافة والإعلام" الذي كان شعلة نشاط ومحورا رئيسيا في كافة فعاليات المشاركة الصينية في صالون الجزائر الدولي للكتاب.

ومثلما استقبلتنا المدينة البيضاء برذاذ مطرها الرقيق، ودعتنا وقد أضافت إلى نقوش محبتها في قلبوبنا لوحة جديدة زينتها أيام الصين في الجزائر. 

أثناء التحضيرات لمشاركة المجموعة الصينية للنشر الدولي (CIPG) في صالون الجزائر الدولي للكتاب في دورته الثالثة بعد العشرين، كان لا بد أن تتداعى إلى الذاكرة أحداث كبيرة رسمت مسار العلاقات الصينية- الجزائرية، وقد كانت القاهرة حاضرة في تلك التحضيرات، من خلال فرع الشرق الأوسط لمجلة ((الصين اليوم))، الذي أنيطت به مهمة تمثيل (CIPG) في صالون الكتاب. بكين، القاهرة، الجزائر، هكذا كان مسار رحلة تحضيراتنا، ذلك المسار الذي يعيد إلى الأذهان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أعلنت في العاصمة المصرية في التاسع عشر من سبتمبر سنة 1958، برئاسة السيد عباس فرحات، لتعترف بها الصين بعد ثلاثة أيام فقط، في الثاني والعشرين من نفس الشهر، وتكون أول دولة غير عربية تُقْدِم على هذه الخطوة، ويرسل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ورئيس مجلس الدولة الصيني شو أن لاي آنذاك ببرقيتي تهنئة لتلك الحكومة. وبعد إعلان استقلال الجزائر في الخامس من يوليو سنة 1962، بعث وزير خارجية الصين تشن يي إلى وزير خارجية الجزائر ببرقية أبلغه فيها أن الحكومة الصينية قررت الاعتراف بالجمهورية الجزائرية. وفي إبريل عام 1963، ولم يكن قد مضى على إعلان الاستقلال غير شهور معدودة، أرسلت بكين إلى الجزائر فريقا طبيا، هو أول بعثة طبية صينية إلى أفريقيا، ليتواصل الدعم الصيني للجزائر، التي شاركت مع ألبانيا وإحدى وعشرين دولة أخرى في طرح قرار استعادة الصين لمقعدها الشرعي في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتم إقراره في الخامس والعشرين من أكتوبر سنة 1971، وهو القرار الذي أدى إلى التسوية الشاملة والعادلة لتمثيل الصين في الأمم المتحدة سياسيا وقانونيا وإجرائيا، حيث أعيدت جمهورية الصين الشعبية إلى مكانها في الأمم المتحدة في الخامس عشر من نوفمبر 1971.

كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو وزير خارجية الجزائر في ذلك الوقت، ولهذا فإنه يحظى بمكانة خاصة عند الصينيين حكومة وحزبا وشعبا. في لقاء مع رئيس وزراء الجزائر السابق عبد المالك سلال، في الثامن والعشرين من إبريل 2015، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ: "قادة الصين وشعبها لم ينسوا يوما هذا الصديق العزيز (الرئيس بوتفليقة)، ولن ينسوا أبدا مساهمته الكبيرة من أجل أن تستعيد الصين مقعدها في الأمم المتحدة."

إنها مشاهد مضيئة كانت حاضرة عندما تقدم وفد ((الصين اليوم)) إلى سفارة الجزائر بالقاهرة بوثائق سفره ومعها دعوة من وزارة الثقافة الجزائرية، للحصول على تأشيرة الدخول، فقد أبدى المسؤول الإعلامي بالسفارة السيد فؤاد تعاونا وترحيبا كبيرا بهذه الزيارة. ولم يكن الأمر مختلفا في مقر وزارة الخارجية الجزائرية التي رحب العاملون بها بأعضاء الوفد ومنحوهم في دقائق قليلة تصريح مزاولة عملهم داخل الجمهورية الجزائرية الشعبية الديمقراطية. هكذا بدأت في الجزائر أيام الصين، الدولة ضيفة الشرف لصالون الجزائر الدولي للكتاب في دورة 2018.

الجزائر البيضاء، وهو اللقب الذي تحمله العاصمة لكثافة اللون الأبيض لبناياتها، استقبلتنا بأمطار خفيفية صافحت وجوهنا بعد الخروج من مطار هواري بومدين الدولي. في الطريق إلى الفندق العائلي الصيني الذي أقمنا فيه أثار انتباهنا وإعجابنا اتساع رقعة الغطاء الأخضر في المدينة التي تشبه مدن جنوبي الصين. في المسكن الذي نزلنا فيه ويديره شاب من مقاطعة فوجيانغ اسمه لين، وجدنا أنفسنا في بيت صيني تماما. السيد لين أخبرنا أن الجزائر بها نحو عشرين ألف صيني منهم عشرة آلاف في العاصمة، يعملون في مجالات مختلفة، وبخاصة في المشروعات التي تنفذها العديد من الشركات الصينية في قطاعات مختلفة بالجزائر، وبخاصة في مجال الإنشاءات. عندما مررنا بمسجد الجزائر الأعظم في العاصمة، الذي ترتفع فيه أعلى مئذنة في العالم ويعد ثالث أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة وأكبر مسجد في قارة أفريقيا، أشار مرافقنا إلى أن هذا المسجد تنفذه شركة صينية. نذكر هنا أيضا أنه في عام 2016، فازت شركتان صينيتان بعقد تنفيذ مشروع الميناء التجاري في الحمدانية شرق مدينة شرشال بولاية تيبازة، ولهذا الغرض وقع المجمع العمومي الوطني لمصالح الموانئ بالجزائر مذكرة تفاهم لإنشاء شركة تخضع للقانون الجزائري تتكون من المجمع الوطني لمصالح الموانئ والشركتين الصينيتين، لإنجاز المشروع الذي تتجاوز كلفته ثلاثة مليارات دولار أمريكي، بتمويل صيني كامل.

في التاسع والعشرين من أكتوبر، كان موعد الافتتاح الرسمي لصالون الجزائر للكتاب في قصر المعارض بمنطقة الصنوبر البحري، التي أخذت اسمها من أشجار الصنوبر البحري (الصنوبر الصلب) التي تنتشر بها. كانت الرياح باردة والمطر يتساقط، وقد اكتشفنا على البوابة الرئيسية للمعرض أن أسماءنا غير مسجلة، ومن ثم لا توجد بطاقة دخول لنا إلى القاعة التي ستشهد حفل الافتتاح بحضور الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى وجم غفير من المسؤولين والمثقفين والكتاب المحليين والأجانب. كنا في حيرة من أمرنا، فقصدنا إلى تلك القاعة وهناك وجدنا مسؤولا أمنيا شابا. شرحنا له الأمر وأبرزنا التصريح الذي حصلنا عليه من وزارة الخارجية. أمهلنا الشاب قليلا وتقدم من رئيسه ثم عاد معتذرا، وقال إنه من أمن الرئاسة وإن هذا يقع في اختصاص الجهة المنظمة. ساد بيننا صمت قصير، وقلت له: "بالنسبة لهؤلاء الأصدقاء الصينيين، أنت الجزائر، سواء كنت من الأمن أو من الجهة المنظمة." تقدم الشاب مرة أخرى من رئيسه ثم عاد وقال: "تفضلوا بالدخول!" وبينما نحن داخل جناح الصين نرتب المكان المخصص لمطبوعات (CIPG)، رأينا أمامنا فجأة ذلك الضابط الشاب، الذي صافحنا وقال: "أعتذر عما حدث. أنا آخر فرد من فريق أمن الرئاسة يغادر المكان لأنني حرصت على الحضور إليكم للاعتذار." كم أنت رائع يا عمّار، فقد كان لا بد أن نعرف اسمه، كما عرفنا أسماء آخرين من الأصدقاء الجزائريين الذين وجدنا فيهم طيبة قلب وصدقا وشغفا بالصين، من بينهم شاب أتى إلينا لنكتب له بعض العبارات بالصينية، مثل "أحب الصين"، "الصينيون رائعون"، "بلدكم عظيم" "مرحبا بكم في الجزائر"، لا لشئ إلا ليريها للأصدقاء القادمين من الصين!

في ذلك اليوم، كرمت الجزائر الكاتب الصيني الكبير موه يان، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012، بمنحه وسام الاستحقاق الوطني برتبة "أثير"، تكريما له وللثقافة الصينية. في حفل التكريم، قال أحمد أويحيى الذي سلم السيد موه الوسام نيابة عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة: "إن تكريم موه يان لحظة لامعة تضاف لكل ما تقرر تنظيمه هذه السنة ما بين الصين والجزائر إحياء لستين سنة لمسار مشترك، مسار بدأ بدعم ثمين من الصين للجزائر المكافحة واستمر بكل الإنجازات الدبلوماسية والسياسية وفي مجالات التعاون." وأضاف أن "رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة قام برفقة نظرائه الصينيين المتتاليين بإعطاء أرضية قوية للتعاون ما بين الجزائر والصين، وها هو اليوم يضيف لبنة ثقافية وشعبية بتكريم السيد موه يان."

 عبر موه يان عن سعادته الغامرة بتكريمه، خصوصا وأن هذا الاحتفاء يأتي في الذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات بين الجزائر والصين، مضيفا أنه بمثابة تشجيع ودفع كبير لأعماله التي أنجزها على مر عشرات السنين.

وحول هذا التكريم، قال وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي إن تكريم موه يان نموذج حي للتعاون المتكامل في شتى المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية، مضيفا أن الجزائر تؤكد هذا التعاون في شقه الثقافي من خلال تكريم هذا الأديب. وقد عبر نائب رئيس دائرة الدعاية بالحزب الشيوعي الصيني ليانغ يان شون، عن شكره الكبير للجزائر على تكريم موه يان، داعيا إلى تفعيل أكبر لجسر التعاون الأدبي والفني بين البلدين.

في اليوم الأول للجمهور بصالون الكتاب الجزائري، كان الحضور الصيني طاغيا، سواء في الندوات التي شارك فيها ستة أدباء صينيين أو في جناح عرض الكتب الذي قدم نحو ثلاثة آلاف عنوان لثلاثمائة ألف كتاب باللغات الصينية والعربية والفرنسية، وفرتها أربعون دار نشر صينية. كان الإقبال على الندوات والمعروضات مثيرا للإعجاب، وبخاصة من الشباب والأطفال. في الندوة التي أقيمت له، قال موه يان بتواضع أثار دهشة الحضور: "الفوز بجائزة نوبل لا يعني أنني الأفضل في العالم. أنا واثق من أن هناك العديد من الكتاب الصينيين الذين قد يستحقون هذه الجائزة أكثر مني." ولكنه أضاف أن توزيع روايته "الذرة الرفيعة الحمراء" كان حوالي مائتي ألف نسخة سنويا، ولكن بعد فوزه بنوبل تجاوزت المبيعات مليوني نسخة سنويا.

في الندوة التي أقيمت للروائي الصيني تساو ون شيوان، كان لافتا أن غالبية الحضور من الأطفال صغار السن. تساو، الحائز على جائزة هانز كرستيان أندرسون للكتابة للأطفال في عام 2016، وصاحب "الماعز لا تأكل عشب السماء" و"الجدران العتيقة" و"القراميد الحمراء والقراميد السوداء" و"دار العشب" و"عيون اليعسوب" وغيرها من الأعمال التي تُرجِمت إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والكورية واليابانية ومؤخرا إلى العربية، بدا متجاوبا مع الصغار وكأنه واحد منهم. في ندوة الشاعر تشاو لي هونغ، تضوع عبق زهرة جزائرية في أرجاء القاعة. كان تساو جالسا يتناول غداءه في ركن من القاعة عندما توقفت إلى جواره فتاة على مقعد متحرك. قالت له إنها تحب الكتابة وتقرأ الشعر. أنصت لها وعرض عليها حضور ندوته، ثم فاجأ الحضور بدعوتها لإلقاء قصيدة من أعماله، باللغة الفرنسية، على أنغام آلة تشنغ الموسيقية التقليدية، وسط تصفيق حاد من الحشود الواقفة خلف المقاعد الممتلئة. 

في الندوة المشتركة للأدباء الصينيين، تحدث الكاتب الصيني الشاب شيو تسه تشن عن تجربته، وبمعنى أدق معاناته الشخصية ومعاناة أصدقائه القادمين من أرجاء الصين إلى بكين. حكى قصة صديق له أُبعِد من العاصمة في عام 2007، قبل أولمبياد 2008، لا لشئ إلا لأنه "واي دي رن" أي القادم من خارج المكان ولا يحمل سجل إقامة "هوكو" في المدينة. إنها حكاية الغرباء في مدن عديدة. وعندما سُئِل صاحب "الركض في بكين" و"القدس" و"باب منتصف الليل" و"قطار الليل" و"السماء على الأرض"، لماذا لا يكتب إلا عن هذه الفئة من الناس، أجاب: "ببساطة لأنني لا أعرف غيرهم. لم أدخل إلى عالم الأثرياء وشخصيات الأعمال وأصحاب النفوذ." في ذات الندوة، تحدث الكاتب الصيني المولود لأم من قومية التبت وأب من قومية هوي آلاي، عن نشأته في بيئة منعزلة لم يعرف فيها حتى معنى كلمة "كاتب". قال إنه لا يكتب فقط من أجل التبتيين وإنما لكل العالم، وأضاف: "نحن "نميل إلى الاعتقاد بأن الأشخاص المختلفين لديهم وجهات نظر مختلفة. لكننا بشر فوق كل شيء. نحن أفراد من أعراق مختلفة، لذا لا ينبغي لنا تحليل الحياة من منظور عرقي. سيكون التواصل أسهل إذا أمكننا تبني وجهة نظر بشرية."

لم تكن "أيام الصين" وجبة ثقافية متنوعة فحسب، وإنما أيضا فيض من المشاعر الإنسانية المؤثرة، تلك المشاعر التي جعلت رئيس نادي قراء مجلة ((الصين اليوم)) في الجزائر السيد بن شهرة علي يتجشم مشقة السفر ثلاثمائة كيلومتر من موطنه في تيارت إلى قصر المعارض في العاصمة ليلتقي بوفد المجلة. ولا يفوتنا هنا أن ننوه بجهود الناشر والمترجم المصري د. أحمد السعيد، مدير مؤسسة "بيت الحكمة للثقافة والإعلام" الذي كان شعلة نشاط ومحورا رئيسيا في كافة فعاليات المشاركة الصينية في صالون الجزائر الدولي للكتاب.

ومثلما استقبلتنا المدينة البيضاء برذاذ مطرها الرقيق، ودعتنا وقد أضافت إلى نقوش محبتها في قلبوبنا لوحة جديدة زينتها أيام الصين في الجزائر. 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037