على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

الصينيون في اليوم العالمي للمسنين

: مشاركة
2018-10-15 16:52:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

مع تحسن مستويات المعيشة والرعاية الطبية، يزداد عدد كبار السن في دول عديدة. وإذا كان ارتفاع متوسط العمر المتوقع للفرد من مؤشرات تقدم الدول، فإن زيادة عدد المسنين يفرض تحديات جمة على المجتمعات التي تشهد هذه الظاهرة، التي جعلت الأمم المتحدة تحدد في الرابع عشر من ديسمبر 1990، الأول من أكتوبر يوما عالميا للمسنين.

في الصين، التي تحتفل بعيدها الوطني في الأول من أكتوبر، وصل عدد مواطنيها الذين جاوز عمرهم ستين عاما إلى 241 مليون فرد بنهاية عام 2017، أي 3ر17% من إجمالي سكانها البالغ عددهم نحو مليار وأربعمائة مليون نسمة. في عام 2017 فقط، زاد عدد كبار السن في الصين عشرة ملايين فرد. وحسب ((البيان الإحصائي للخدمات الاجتماعية لعام 2015)) الذي أصدرته وزارة الشؤون المدنية الصينية في عام 2016، كان عدد من جاوز عمرهم ستين عاما قد وصل إلى 220 مليون فرد حتى نهاية عام 2015، أي 1ر16% من إجمالي سكان البلاد. وبلغ عدد الذين جاوز عمرهم خمسة وستين عاما 143 مليونا، أي 5ر10% من إجمالي السكان. معنى ذلك أن نحو خمسة وعشرين ألف فرد ينضمون كل يوم إلى نادي المسنين في الصين المعروفة بتقاليدها الحميدة في رعاية كبار السن، والتي تحتفل بهم في يوم مخصص لهم يعرف بـ"تشونغيانغ"، أي التسعة المزدوجة.

وفي بيان لها في السادس والعشرين من فبراير 2018، توقعت اللجنة الوطنية الصينية للشيخوخة أنه بحلول عام 2050، سيصل عدد الصينيين الذين يتجاوز عمرهم ستين عاما إلى 487 مليونا، أي نحو 35% من العدد المتوقع لسكان البلاد عندما يحين ذلك الوقت. وكانت الصين قد أصبحت بالفعل "مجتمع شيخوخة" في عام 1999، وفقا للمعيار الدولي الذي يحدد "مجتمع الشيخوخة" ببلوغ نسبة المسنين 10% من سكان الدولة.

الصين ليست فقط الدولة الأكثر سكانا في العالم، وإنما أيضا الدولة التي ترعى أكبر عدد من المسنين على وجه الأرض. التحول الديموغرافي الصيني له أسباب متعددة، في مقدمتها تحسن مستويات المعيشة والخدمات الطبية، فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع للفرد من 30 سنة تقريبا عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، إلى 68 سنة في نهاية السبعينات من القرن العشرين، ووصل إلى 5ر76 سنة في عام 2017، وفقا لتقرير للجنة الوطنية للصحة والأسرة بالصين. التقرير ذكر أيضا أنه في عام 2017، انخفض معدل وفيات الأمهات إلى 9ر19 لكل ألف؛ وانخفض معدل وفيات الرضع إلى 5ر7 لكل ألف، كما أن المؤشرات الصحية الرئيسية للصينيين كانت أعلى بشكل عام من السكان في البلدان ذات الدخل المتوسط ​​والعالي في نفس العام. ومن أسباب ارتفاع نسبة المسنين في الصين أيضا انخفاض معدل النمو السكاني، الذي لم يتجاوز 5ر0% في عام 2016، وذلك نتيجة تطبيق سياسة الطفل الواحد منذ نهاية السبعينات في القرن العشرين. 

استمرار زيادة عدد المسنين بالمعدل الحالي، حتى مع ارتفاع معدل النمو السكاني إلى 7ر0% يعني أنه بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، سيكون هناك فرد مسن بين كل ثلاثة أفراد في بر الصين الرئيسي. هذا يعني تواصل تراجع منحنى نسبة السكان في سن العمل (من 15 إلى 59 سنة) في الصين، وهو التراجع الذي بدأ بالفعل منذ عام 2012، ما يفرض تحديات بالغة على المجتمع الصيني.

في عام 2015، بدأ التطبيق الشامل لسياسة الطفلين، التي كانت تطبق في مناطق وقطاعات معينة مثل المناطق النائية وبالنسبة لأبناء الأقليات القومية القليلة السكان وذات الظروف الخاصة والعاملين في قطاعات خطيرة، وفي بعض المناطق الريفية عندما يكون المولود الأول أنثى. غير أن سياسة "الطفلين" الجديدة لم تحقق حتى الآن الهدف المنشود، ففي عام 2017 بلغ عدد المواليد الجدد 23ر17 مليونا، وهو أقل من عدد المواليد الجدد في عام 2016، الذي بلغ 86ر17 مليونا، وفقا لبيان أصدرته المصلحة الصينية للإحصاء في الثامن عشر من فبراير 2018. في الوقت نفسه، تقلصت قوة العمل بأكثر من 5 ملايين فرد في عام 2017.

وكما ذكرنا سابقا، فإن مشكلة شيخوخة السكان مشكلة ديموغرافية شائعة في الدول المتقدمة، حيث تنخفض معدلات المواليد نتيجة لارتفاع مستويات الدخل والرعاية الصحية والتعليم. ولكن مقارنة مع الدول الأخرى التي شهدت ظهور مجتمع الشيخوخة، يكشف تحليل التركيبة السكانية المتغيرة في الصين أن مجتمع الشيخوخة في الصين بدأ في مرحلة مبكرة من التطور، وبوتيرة أسرع من معظم البلدان.

وفي دولة مثل الصين، يعد الشباب وقوة العمل المتنقلة العمود الفقري لاقتصادها، فإن الاتجاهات الديموغرافية الحالية يمكن أن تعرقل نمو الصين الاقتصادي وتخلق مشكلات اجتماعية صعبة. لقد انخفض معدل الخصوبة في الصين إلى ما دون مستويات استبدال السكان (عدد المواليد الجدد المطلوب للحفاظ على حجم السكان)، وهو 7ر1 طفل لكل امرأة. بينما من أجل الحفاظ على حجم السكان كما هو تقريبا، ينبغي أن يكون معدل الخصوبة الكلي حوالي 1ر2 طفل لكل امرأة.

 إن العدد المتزايد للمتقاعدين المسنين وتقلص عدد دافعي الضرائب سيشكل ضغوطا مالية كبيرة على الحكومة. ومن المتوقع أن تصل نسبة الصينيين فوق سن التقاعد إلى 39% من السكان بحلول عام 2050. وفي ذلك الوقت، من المتوقع أن ترتفع نسبة الإعالة في الصين إلى 6ر69%، مقارنة مع 6ر36% في عام 2015. وهذا يعني أن الصين سيكون لديها عدد سكان أقل نسبيا في سن العمل مع مسؤولية توفير الرعاية للشباب وكبار السن على حد سواء.

الصينيون، مثل كل شعوب الشرق تقريبا، تمثل رعاية الوالدين في كبرهما مكونا جوهريا في ثقافتهم. إن مقولة "يانغ أر فانغ لاو، جي قو فانغ جي" الصينية، التي تعني أن تربية الابن من أجل الشيخوخة تشبه تخزين الحبوب لوقت المجاعة، تعد أبلغ تعبير عن هذه الثقافة. وتقليديا، تعد رعاية الوالدين وطاعتهما الفضيلة الأسمى للفرد. غير أن واقع الحال في الصين يجعل تحقيق هذه الغاية مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة. لقد غادر ملايين الصينيين قراهم وبلداتهم للعمل في الحواضر الكبيرة تاركين من خلفهم آباء كبارا وأمهات مسنات من دون أحد يقوم على رعايتهم. بل إن المسنين الذين يعيشون مع أبنائهم في المدن الكبيرة، قد لا يكون متاحا لأبنائهم توفير الرعاية اللازمة لهم في ظل ضغوط الحياة المتزايدة. وهكذا، يتآكل تدريجيا مفهوم "الرعاية اعتمادا على الأبناء"، لصالح "الرعاية في مؤسسات رعاية المسنين"، في عام 2016، أجرى مركز الاستطلاعات التابع لجريدة "شباب الصين" مسحا، تبين من نتيجته أن 4ر64% من الذين شملهم المسح يعتقدون أن مفهوم "رعاية المسنين اعتمادا على الأبناء" أصبح أقل مما كان في السابق؛ واختار 44% منهم رعاية المسنين في دور الرعاية. لقد أدى هذا الواقع إلى ظهور ما يسمى بالأعشاش الخاوية، والتي يقصد بها البيوت التي يسكنها الآباء والأمهات فقط من دون الأبناء. ويفاقم هذه المشكلة عدم توفر بنية أساسية كافية لرعاية المسنين في الصين، وتحديدا دور الرعاية. وفقا لأرقام مصلحة الإحصاء الصينية لعام 2015، يوجد في المتوسط ​​27 سريرا في دور رعاية المسنين لكل ألف مسن، علما بأن نحو 23% من كبار السن في الصين لا يقدرون على رعاية أنفسهم.

الحكومة الصينية من جانبها أدركت هذه المشكلة مبكرا، وتسعى لإيجاد حلول لها، ففي عام 2013، أصدر مجلس الدولة الصيني وثيقة تعهد فيها بإقامة نظام شامل للرعاية الاجتماعية للمسنين. وأعلنت الحكومة عدة تدابير، من بينها برنامج تجريبي للمنزل مقابل الحصول على معاش للتقاعد. وفقا لهذا البرنامج، يمكن للشخص المسن الذي يمتلك منزلا أن يرهنه لشركة تأمين أو بنك للحصول على مبلغ معين من المال كل شهر حتى وفاته، على أن يؤول المنزل إلى شركة التأمين أو البنك بعد وفاته. أثار هذا المقترح جدلا في ذلك الوقت، فمن الأمور المسلم بها في الصين أن الأبناء يرثون ممتلكات والديهم، وخاصة منازلهم.

"مجتمع الشيخوخة" الصيني، فتح مجالا واسعا لما يسمى بـ"اقتصاد الشخوخة"، والذي يعني القطاع الذي يوفر كافة الخدمات اللازمة للمسنين. وحسب  اللجنة الوطنية الصينية لأعمال الشيخوخة، يتجاوز حجم الاستهلاك في سوق خدمات رعاية المسنين في الصين تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 9ر6 يوانات) حاليا، وسيصل إلى خمسة تريليونات يوان في عام 2050. وحسب بيان لوزارة الشؤون المدنية الصينية في الثاني والعشرين من فبراير 2018، تضاعف عدد دور رعاية المسنين في الصين أكثر من ثلاث مرات في السنوات الخمس الماضية، فبحلول سبتمبر 2017، وصل عدد مؤسسات رعاية المسنين في الصين إلى أكثر من 144600، بزيادة بلغت نسبتها 226% مقارنة مع نهاية عام 2012. وحسب تقرير نشرته وكالة أنباء ((شينخوا)) في الثالث من يناير 2018، يوجد فى الصين 28 ألف مؤسسة مسجلة لرعاية المسنين وأكثر من سبعة ملايين سرير لرعاية المسنين. وبنهاية شهر سبتمبر عام 2017 ، كان هناك أكثر من 12500 دار مسنين خاصة، بزيادة بلغت نسبتها 8ر7% مقارنة مع عام 2016، بينما بلغ عدد مرافق خدمات المسنين في التجمعات السكنية ثمانية وثلاثين ألف مرفق.

وقد نشأت شركات متخصصة لتقديم الرعاية الشاملة للمسنين في منازلهم، وتوفير مرافق ترفيه وتسلية للمسنين في التجمعات السكنية. وفي عصر "الإنترنت+"، تشهد الرعایة المنزلیة للمسنين تطورا كبیرا حیث يعمل الكثیر من الشركات على استخدام الإنترنت والتكنولوجیا الحدیثة والبیانات الضخمة في الرعایة المنزلیة لكبار السن. وقد أنتجت إحدى الشركات جهاز يشبه الهاتف النقال يتيح للمسن إذا خرج من منزله وتعرض لحادث طارئ يمكنه الضغط عليه فتصله سيارة إسعاف فورا. ويمكن لذوي المسن تحميل تطبيق على هواتفهم النقالة لتحديد موقع الشخص المسن. وحسب  برنامج "تطویر قطاع الشیخوخة وخطة بناء نظام رعایة المسنین خلال فترة "الخطة الخمسیة الثالثة عشرة" الذي أصدره مجلس الدولة الصيني، فإنه بحلول عام 2020، ستصبح منظومة الضمان الاجتماعي أكثر عدلا واستدامة، وتستكمل تدریجیا منظومة رعایة المسنین التي تعتمد رئیسیا على الرعایة المنزلیة، بمساعدة خدمات الأحياء السكنية ودور الرعاية والمؤسسات الطبية. 

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037