على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

التعاون الصيني- الأفريقي في العصر الجديد

: مشاركة
2018-08-29 15:13:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

تعقد في بكين هذا الشهر، سبتمبر 2018، قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي بحضور الرئيس شي جين بينغ وعدد كبير من الزعماء الأفارقة، لتضيف معْلَما آخر للعلاقات الصينية- الأفريقية بعد قمة جوهانسبرغ في ديسمبر 2015 وقمة بكين في أكتوبر 2006.

عندما تأسس منتدى التعاون الصيني- الأفريقي في عام 2000، بمبادرة من الصين، أخذت العلاقات الصينية- الأفريقية بعدا جديدا تمثل في التعاون الجماعي الأفريقي مع الصين، بعد سنوات من العلاقات الثنائية بين الصين ودول أفريقيا وتاريخ من النضال المشترك في فترة مقاومة الاستعمار والتحرر الوطني.

والحقيقة أن العلاقات الدبلوماسية الصينية- الأفريقية، التي بدأت في الثلاثين من مايو 1956، عندما أقامت مصر العلاقات الدبلوماسية مع الصين، شهدت منذ تأسيس منتدى التعاون الصيني- الأفريقي، عددا من المحطات الهامة، أبرزها وثيقة تأسيس المنتدى في عام 2000، والوثيقة التي أصدرتها الحكومة الصينية في يناير 2006، والتي حددت فيها مبادئ وأهداف ومعالم سياستها تجاه أفريقيا؛ وقمة بكين لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي في نوفمبر عام 2006 ، والتي أعلنت خلالها الصين ثماني مبادرات لأفريقيا شملت زيادة المعونات المقدمة للدول الأفريقية وإقامة صندوق لتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في أفريقيا وإلغاء الديون عن بعض الدول الأفريقية وإقامة منطقة تعاون اقتصادي وتجاري، وتعزيز التعاون في مجالات تدريب الموارد البشرية والزراعة والصحة والتعليم. هذه المبادرات تم تنفيذها جميعا برغم الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت دول العالم ومنها الصين؛ وقمة جوهانسبرغ لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي في ديسمبر 2015، والتي أعلن فيها الرئيس شي جين بينغ عن أكبر حزمة دعم مالي لأفريقيا مقدمة من الصين، شملت ستين مليار دولار أمريكي لمشروعات التنمية، وإلغاء بعض الديون ودعم الزراعة في دول أفريقية وفق خطة مدتها ثلاث سنوات.

واللافت في هذا الإطار هو الاهتمام الصيني الكبير بتنمية الموارد البشرية الأفريقية، فلا يكاد يمر يوم إلا وتستقبل المدن الصينية وفودا أفريقية معظم أعضائها من الشباب لتدريبهم في مجالات متنوعة، وقد تجاوز إجمالي عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبات في الصين خمسة آلاف دارس، مقارنة مع عشرات الطلاب فقط قبل تأسيس منتدى التعاون الصيني- الأفريقي.

وإذا كانت التجارة تعد أحد أهم مؤشرات تطور ومتانة العلاقة بين أي طرفين دوليين، فإن نمو حجم التبادل التجاري بين الجانبين الصيني والأفريقي خير شاهد على الدفعة الكبيرة التي شهدتها العلاقات الصينية- الأفريقية، فقد كان حجم التبادل التجاري بينهما عشرة مليارات دولار أمريكي في عام 2000، وصل في عام 2017، وفقا لإحصاءات الجمارك الصينية، إلى مائة وسبعين مليار دولار أمريكي، منها صادرات صينية إلى أفريقيا قيمتها حوالي 95 مليار دولار أمريكي مقابل صادرات أفريقية إلى الصين قيمتها أكثر من 75 مليار دولار أمريكي، مع تراجع الفائض التجاري للصين بنسبة 45% تقريبا مقارنة مع عام 2016.

تأتي قمة بكين 2018 لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، بعد تطورات تهيئ لتعاون أوسع بين الجانبين، وخاصة في ظل مبادرة "الحزام والطريق" التي تتبناها الصين وشاركت فيها دول أفريقية عديدة، وفي أعقاب قمة دول "بريكس" في جنوب أفريقيا التي عقدت تحت عنوان "بريكس في أفريقيا.. التعاون من أجل المشاركة في النمو الشامل وتقاسم الرخاء في الثورة الصناعية الرابعة".

ستركز قمة بكين هذا الشهر على خمسة أهداف، وفقا لمدير عام إدارة الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الصينية، داي بينغ، الذي قال إن القمة ستسعى للارتقاء بالعلاقات الودية بين الصين وأفريقيا إلى مستوى أعلى، وستعزز التوافقات الإستراتيجية بين الجانبين من أجل الحفاظ على علاقاتهما الودية، وتعزيز الأساس السياسي لوحدتهما، والتعاون وضخ زخم قوي في تنمية العلاقات الثنائية في الحقبة الجديدة، وسترسم مسار تنمية العلاقات المستقبلية. ومن أجل بناء مجتمع أقوى ذي مستقبل مشترك بين الصين والدول الأفريقية وتحقيق التعاون المتبادل النفع والتنمية المشتركة، سيعمل الجانبان على التنسيق بين مبادرة "الحزام والطريق" وأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، وإستراتيجيات التنمية الخاصة بالدول الأفريقية. ومن المتوقع، وفقا للسيد داي، أن تساهم المزيد من التدابير الهادفة والفعالة في تنظيم الموارد الطبيعية الأفريقية وحصص السكان وإمكانات السوق مع الاستثمارات والمعدات والتكنولوجيا الصينية في جعل تعاونهما موجها للسوق بدلا من أن تقوده الحكومات، إلى جانب التوسع في قدرة الإنتاج من تجارة السلع والقيام بالمزيد من الاستثمارات بدلا من مشروعات يتم التعاقد عليها. كما ستعزز القمة تعاون الجنوب- الجنوب، وستسعى لتعاون جديد بين الدول النامية والحصول على دعم دولي قوي لجهودها.

لا غرو أن تزايد الوجود الاقتصادي الصيني في أفريقيا أثار اهتماما دوليا خلال السنوات الماضية، خاصة أن هذا الوجود لم يصحبه نفوذ سياسي ملموس، فالصين تتعاون مع مختلف الأنظمة السياسية والاجتماعية في القارة السمراء، وتقدم معونات غير مشروطة لكافة دول القارة، وتركز مشروعاتها في أفريقيا على البنية الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية ومحطات الطاقة والمياه، وغيرها من المشروعات التي يستفيد منها عامة الشعب.

ولكن هذه الجهود الصينية لا تسلم من التشكيك في النوايا، وخاصة من جانب دوائر السياسة والإعلام الغربية. في الثالث من فبراير 2017، كتبت إليزابيت مانيرو في "Harvard Political Review" مقالة بعنوان "استثمارات الصين في أفريقيا: الاستعمار الجديد؟" ومن قبلها نشرت مجلة ((السياسة الخارجية)) التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية مقالة بعنوان ((الاستعمار الجديد الصيني))، وغير ذلك من الكتابات التي تشكك في نوايا الصين. غير أن ما حققته الصين على أرض الواقع في أفريقيا فرض نفسه وصار حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها. في الحادي والثلاثين من يوليو 2018، كتب نيك فان ميد في صحيفة ((الغارديان)) البريطانية مقالة تحت عنوان "الصين في أفريقيا: تنمية الكسب المشترك أم استعمار جديد؟"، عدّد فيها المشروعات الصينية في أفريقيا، ومنها ميناء باغامويو في تنزانيا الذي سيصبح أكبر ميناء في أفريقيا عند اكتماله، وخط نيروبي- مومباسا الحديدي في كينيا، وخط أديس أبابا- جيبوتي الحديدي، إضافة إلى خط السكك الحديدية بين تنزانيا وزامبيا الذي أنشأته الصين في ستينات القرن العشرين. واختتم نيك فان ميد مقالته التي كتبها من مدينة باغامويو قائلا: "بينما تستعد باغامويو لتحول مزلزل من مدينة هادئة إلى ميناء ضخم ، يبدو أن السكان يشعرون إجمالا بالإيجابية. من سائقي سيارات الأجرة في البلدة القديمة بأثوابهم المصنوعة من القطن الأبيض إلى مدير المطعم الشاب، الكل واثقون من أنهم سيستفيدون من المزيد من الشركات، والمزيد من المكاتب، والمزيد من الوظائف، والمزيد من المال. كل ذلك بفضل الاستثمارات الصينية في هذه المدينة التي تعد امتدادا لـ"الحزام والطريق".

في قمة جوهانسبرغ لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي 2015، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن بلاده وأفريقيا رفعتا العلاقات الثنائية بينهما إلى شراكة تعاون إستراتيجية شاملة، وفتح مرحلة جديدة في التعاون المربح للطرفين والتنمية المشتركة. وأعلن شي أيضا عن عشر خطط كبرى لتعزيز التعاون المربح للطرفين، وتخصيص ستين مليار دولار أمريكي للتنمية في أفريقيا، مؤكدا أن بلاده تسعى لإقامة علاقات مع دول أفريقيا تقوم على المساواة. وكان شي قد أعلن في سبتمبر 2015، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن تأسيس صندوق لدعم تعاون الجنوب- الجنوب وتوفير ملياري دولار أمريكي للمرحلة الأولى لدعم الدول النامية في تنفيذ أجندة التنمية لما بعد 2015. ومواصلة الاستثمار في الدول الأقل نموا لتبلغ قيمة استثمارات الصين اثني عشر مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.

مساهمات الصين في أفريقيا لا تقتصر على الدعم والمعونات والاستثمارات، وإنما الأهم هو تجربة الصين في مكافحة الفقر التي يمكن لدول أفريقيا أن تستفيد منها. وكما قال بيتر غاري، المحاضر في دراسات التنمية بجامعة ويتووترساند في جنوب أفريقيا، فإن الصين تعد مثالا يحتذى به في مجال الزراعة بالنسبة للدول النامية. فقد استثمرت الصين في الزراعة للحد من الفقر وأقامت مشروعات زراعية ناجحة على المستويات القاعدية. الصين لا تقدم السمكة للأفارقة، وإنما تعلمهم الصيد. وعلى سبيل المثال، فإن شركات الاتصالات الصينية العاملة في أفريقيا أحدثت تحولا هاما في حياة الأفارقة. ومرة أخرى، يبدو أن الجهود التي تبذلها الصين للقضاء على الفقر والعوز في العالم لا تروق للدول الغربية، التي نهبت ثروات أفريقيا واتخذت أهلها عبيدا، فطفق نفر من تلك الدول يحاولون تشويه ما تقوم به الصين في أفريقيا. وقد لا يكون هناك أسوأ من الكتاب الذي أصدره في عام 2014 الصحفي الأمريكي هوارد وارينغ فرنش، بعنوان "قارة الصين الثانية"، والذي حاول فيه، بطريقة خبيثة، تشويه التعاون الصيني- الأفريقي، مدعيا أن الصينيين يستغلون ثروات أفريقيا.

إن التعاون بين الصين وأفريقيا يستند إلى جملة حقائق، منها: الأولى، أن الصين تنتهج سياسة براغماتية ولكنها ليست نفعية، ومن ثم فإن الصين عندما تكثف تعاونها وعلاقاتها مع أفريقيا، تريد تحقيق مصالح جوهرية ومكاسب حقيقية لها، ولكن في ذات الوقت تحقيق مصالح ومكاسب للطرف الآخر بتعظيم الاستفادة من إمكانيات  كل طرف. وفي الحالة الصينية- الأفريقية، تتمتع الصين بمزايا نسبية في مجال التقنيات ورأس المال والخبرات الفنية، وتتمتع أفريقيا بتفوق في الموارد الطبيعية وإمكانات التنمية والتطوير والأسواق. ثانيا، أن الصين لا تنظر إلى أفريقيا من منطلق المصلحة الاقتصادية فحسب، وإنما أيضا من منظور شامل في إطار إستراتيجي أوسع كثيرا، يشمل مجالات التعاون السياسي على الصعيد الدولي وتأمين إمدادات الطاقة ومكافحة الإرهاب والأعمال الهدامة. إن تعاظم قوة الصين يعني توسع إطارها الإستراتيجي ليشمل نطاقات أبعد من محيطها الآسيوي وتعتبر أفريقيا، لأسباب عديدة، مجالا حيويا للصين أكثر لينا وأقل مشكلات من مناطق أخرى قد تكون أقرب جغرافيا منها. ثالثا، أن تاريخ العلاقات الصينية- الأفريقية، قديما وحديثا، لم يعرف أي خلافات جوهرية وليس للصين تاريخ استعماري في أفريقيا، ومن ثم فإن علاقات الطرفين تخلو من الحساسية والمخاوف والشكوك. رابعا، أن هناك تكاملا مثاليا لاقتصادات الطرفين، حيث تتوفر تقريبا لدى كل منهما احتياجات الآخر، فالصين لديها رأس المال والتقنيات وتمر بمرحلة نمو اقتصادي في حاجة إلى موارد عديدة، وأفريقيا أرض بكر للاستثمارات ومتعطشة لتقنيات تناسب ظروفها وتحتاج إلى شريك دولي يستثمر وينمي ويطور مواردها دون أن تكون له مطامع أبعد من الاستفادة الاقتصادية المشتركة.

الصين تريد من أفريقيا شريكا دوليا يعتمد عليه، وتحتاج الموارد الأولية المتوفرة في أفريقيا وفي مقدمتها النفط، وتريد مجالا أرحب لاستثمار فوائضها المالية الضخمة وأسواقا لكثير من منتجاتها. ولكن الصين لا تريد، كما فعلت القوى الاستعمارية الغابرة، أن يكون لها وجود يحمل أي صفة استعمارية ولا تسعى إلى فرض نفوذها وتوجهاتها ومبادئها ونظمها الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية في أفريقيا. الصين تريد علاقة تحقق الربح المشترك، ولهذا فإن  المحاولات الغربية والادعاءات بأن الصين تمارس استعمارا جديدا في أفريقيا لم تفلح في أن تجد من يسمع لها في أفريقيا. إن الشعوب الأفريقية التي ذاقت مرارة الاستعباد والاستعمار واستنزاف مواردها، صارت من الوعي والفطنة بحيث يمكنها أن تميز بين من يأتيها رافعا شعارات براقة ويضمر أهدافا خفية، ومن يأتيها طالبا المشاركة في ثمار التنمية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037