رؤية من الداخل الصيني < الرئيسية

الصين من نبوءة الانهيار إلى فخ ثوسيديدس

: مشاركة
2018-02-05 16:24:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

منذ بداية إصلاحها وانفتاحها، في نهاية سبعينات القرن العشرين، لم تسهم الصين في إثراء القاموس السياسي/ الاقتصادي العالمي بالكثير من المصطلحات المبتكرة فحسب، وإنما أيضا نالها الحظ الأوفر من العبارات المنحوتة خصيصا لها مدحا أو قدحا. الصين التي قدمت للعالم "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، "اقتصاد السوق الرأسمالي"، "الوضع الطبيعي الجديد"، "إصلاح جانب العرض"، "تحويل نمط النمو"، "الشوامل الأربعة"، وهلم جرا، ارتبطت بها مصطلحات صكها علماء وباحثون سياسيون كبار، ومنها "المعجزة الاقتصادية"، "مصنع العالم"، "القوة الناعمة"، "النموذج الصيني" "إجماع بكين"، و"فخ ثوسيديدس".

"فخ ثوسيديدس"، الذي أشار إليه الرئيس شي جين بينغ في كلمة له بالمؤتمر المركزي للعمل الاقتصادي في الثامن عشر من ديسمبر 2015، استخدمه مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق غراهام أليسون، عنوانا لكتابه ((Destined for War: Can America and China Escape Thucydides's Trap? ((الاتجاه نحو الحرب: هل يمكن لأمريكا والصين أن يهربا من فخ ثوسيديدس؟)) الصادر في مايو 2017، والذي يناقش فيه طبيعة الصراع بين قوة صاعدة وقوة قائمة، بطريقة لا تبتعد كثيرا عن فكرة "صدام الحضارات" التي روج لها صامويل هنتنغتون في كتابه ((صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي))، وجوهرها حتمية الصراع.

ثوسيديدس (460- 400 ق.م.) هو مؤسس المدرسة العلمية في التأريخ ومدرسة الواقعية السياسية، صاحب كتاب ((تاريخ الحرب البلوبونيزية))؛ الذي يؤرخ للصراع بين أثينا وإسبرطة الذي استمر ربع قرن تقريبا. استنادا إلى الظروف التي نشب فيها هذا الصراع بين المدينتين الإغريقيتين، وبالرجوع إلى ظروف مشابهة في ست عشرة حالة خلال الخمسمائة سنة الغابرة تطورت اثنتا عشرة حالة منها إلى حروب، يقول غراهام أليسون: "اليوم، وحيث الصين التي لا يمكن وقفها، تقترب من الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يمكن زحزحتها، ومع تعهد كل من شي جين بينغ ودونالد ترامب بجعل بلديهما عظيمتين مرة أخرى، تبدو الحالة السابعة عشرة قاتمة." يشير أليسون، أستاذ العلوم السياسية، إلى قول ثوسيديدس: "إن صعود أثينا والخوف المغروس في إسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية." ويخلص إلى أنه "ما لم ترغب الصين في تقليص طموحاتها أو أن تستطيع واشنطن القبول بأن تكون رقم 2 في المحيط الهادئ فإن صراعا تجاريا أو هجوما إلكترونيا سيبرانيا أو حادثة في البحر، يمكن أن تتصاعد إلى حرب شاملة."

المتتبع للكتابات والتحليلات الغربية حول الصين يجد تضاربا في الرؤية الغربية للصين، يصل إلى حد التناقض؛ ما بين رؤية ترى في الصين تهديدا، وإن اختلفت طبيعته من فترة لأخرى، ورؤية ترى أن الصين سوف تنهار لا محالة، وبينهما رؤية تشكك في كل مقاصد الصين بل وفي أرقام نموها الاقتصادي. في الثالث من فبراير عام 2017، كتبت إليزابيت مانيرو في "Harvard Political Review"، مقالة بعنوان "استثمارات الصين في أفريقيا: الاستعمار الجديد؟" وفي منتصف تسعينات القرن الماضي قال هاري شياوينغ وو، الأستاذ في جامعة هيتوتسوباشي اليابانية إن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصينية غير حقيقية. وفي عام 2013، نشرت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة الأمريكية والصين تقريرا حول عدم مصداقية الإحصاءات الرسمية الصينية. قبل ذلك، وبينما كانت الصين على أولى درجات سلم تنميتها الاقتصادية، ظهرت نظرية التهديد الغذائي التي رأت أن الصين بعدد سكانها الضخم ومواردها الزراعية المحدودة (خُمس سكان العالم يعيشون على 7% من المساحة المزروعة في العالم)، لابد أن تتوسع لتُطعم سكانها، ثم ظهرت نظرية "التهديد الصيني"؛ الحضاري والسياسي والعسكري، وصولا إلى نظرية "انهيار الصين"، التي ظهرت للمرة الأولى بعد عام 1989، وتنبأت بالانهيار السياسي للصين بعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، ثم تجددت بعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وكان الحديث هذه المرة عن "الانهيار الاقتصادي". في عام 2001، أصدر الكاتب الأمريكي غوردون تشانغ كتابا بعنوان "انهيار الصين القادم (The Coming Collapse of China)"، الذي توقع فيه أن النظام الاقتصادي في الصين سيستمر لمدة خمس سنوات على الأكثر، وأنه سينهار قبل أولمبياد بكين في عام 2008. وظهرت نظرية "انهيار الصين" مرة ثالثة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وكان محورها هذه المرة "الانهيار الاجتماعي".

الكتابة عن الصين، أو بشكل أكثر دقة قراءة الصين، تعتمد إلى حد كبير على الجانب الذي تراه من الصورة، وكما قلت في كتابي ((سِفْرُ الصين))، فإن الكتابة عن الصين، وخاصة في السنوات العشرين الأخيرة باتت غواية يقع في شراكها المفتونون بجمال الصورة والمنزعجون منها، كما تصوره لهم أوهامهم أو هواجسهم. البعض يكتب عن الصين مبشرا ومرحبا بصعودها أو نهوضها أو تقدمها، أيا كان الوصف الذي يُلصق بها، والبعض يكتب مُحذرا متوجسا من هذا الصعود أو النهوض أو التقدم. ولكن الكتابة عن الصين تظل مغامرة، ذلك أن هذا البلد الكبير بحجمه وتنوعه الهائل؛ المكاني والسكاني والعرقي والثقافي والتاريخي، يعطيك الصورة ونقيضها، فالصين لا تعرف الأحكام المطلقة. أنت تستطيع أن تكتب عن الثراء والرخاء في الصين، ويمكن أيضا أن تناقض هذا فتكتب عن الفقر والعوز، وبوسعك أن تتحدث عن التصاق الصينيين وتمسكهم بتقاليدهم وتراثهم وإرثهم الثقافي، ولديك مساحة واسعة للحديث عن تآكل تلك التقاليد والتراث والإرث، تكتب عن لادينية الصينيين، وعن أديانهم وعقائدهم الكثيرة، عن سرعة بديهتهم وقدراتهم الإبداعية وعن بطء تفكيرهم واستجابتهم، كما يصوره لك فهمك. تكتب عن التقدم التكنولوجي المدهش وعن الفقر التقني، عن انفتاح الصينيين على العالم وعن انغلاقهم على أنفسهم، عن سياسة الصين الخارجية النشيطة ودورها العالمي الفاعل وانخراطها في الشؤون الدولية، وعن السياسة الخارجية المنكفئة على مصالحها، عن الأثر الإيجابي لنمو الاقتصاد الصيني على اقتصاد العالم وعن الأثر السلبي له. الكتابة عن الصين مثل النظر في لوحة حبر صينية، يمكنك أن ترى فيها صورا شتى متناغمة أو متناقضة، حسب النظارة الفكرية والمعرفية التي تقرأ بها. لا أحد يملك الحقيقة الكاملة عندما يكون الحديث عن الصين.

يبدو من قراءة كتابات السيد أليسون حول الصين أنه مسكون بمشاعر الخوف، الذي يبدو جليا في ما يعرضه من أرقام وبيانات حول الصين، كما يتجلى في مقالته "أمريكا رقم 2؟ وتقدم الصين يتزايد"، المنشورة في صحيفة "The Boston Globe" في 21 مايو 2017، فهو يشير إلى أنه من بين أفضل عشر جامعات للهندسة في العالم، توجد أربعة في الصين وأربعة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة، والرياضيات يتخرج في الجامعات الصينية أكثر من أربعة أضعاف عدد الخريجين في الولايات المتحدة الأمريكية (مليون وثلاثمائة ألف مقابل ثلاثمائة ألف). ويقول: "وفقا لبيانات البنك الدولي، في عام 2016، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 21 تريليون دولار أمريكي، بينما كان الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 5ر18 تريليون دولار أمريكي، وفقا لتعادل القوة الشرائية. ويضيف: "على الرغم من "تباطؤ اقتصادها تنمو الصين حاليا بوتيرة أسرع من الولايات المتحدة الأمريكية بثلاث مرات. لم يحدث من قبل أن صعدت أمة بسرعة هكذا في العديد من الأبعاد. عندما أصبح رونالد ريغان رئيسا في عام 1981، كان الاقتصاد الصيني يعادل 10٪ فقط من حجم الاقتصاد الأمريكي، وبحلول عام 2014، قفز إلى 100%، وحاليا وصل إلى 115% من حجم الاقتصاد الأمريكي. إذا واصل الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني النمو بنفس الوتيرة الحالية، فإن اقتصاد الصين سيكون أكبر بنسبة 50% من الاقتصاد الأمريكي في 2023، وبحلول عام 2040، سيكون أكبر ثلاث مرات."

غراهام أليسون لم يذكر أن الصين، وإن حققت قفزة هائلة في حجم اقتصادها، مازال متوسط نصيب الفرد فيها من ناتجها المحلي الإجمالي يتجاوز قليلا ثمانية آلاف دولار أمريكي سنويا، أي يأتي في المرتبة التسعين تقريبا في العالم. ولم يذكر أن الإنفاق العسكري للصين أقل من 140 مليار دولار أمريكي مقابل أكثر من ستمائة مليار للولايات المتحدة الأمريكية. ويقينا لا هو يضع في اعتباره أن عدد سكان الصين أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة، مقابل ثلاثمائة وخمسة وعشرين مليون نسمة للولايات المتحدة الأمريكية، وأن نسبة الحضر في بلاده 80% مقابل 57% في الصين، إلخ.

اللافت، وكما تشير خه ون بينغ، الباحثة في معهد دراسات غربي آسيا وأفريقيا بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، هو أنه برغم اعتراف العالم بالإنجازات التي حققتها الصين في التنمية الاقتصادية، فإن عددا قليلا من الناس يدركون أن إصلاحات الصين الاقتصادية ترافقها إصلاحات سياسية واجتماعية، وأن الإصلاحات السياسية والاجتماعية تساعد على تحقيق الإنجازات في التنمية الاقتصادية.

لا شك أن نمو الاقتصاد الصيني جعل المصالح الإستراتيجية الصينية والأمريكية أكثر تشابكا، وسيظل حسم التنافس بين القوتين مرهونا بقدرة كل منهما على إدارته بحكمة دون الانزلاق إلى هاوية قد تكلفهما معا ثمنا باهظا. وستكون فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة الأمريكية اختبارا صعبا آخر لحكمة بكين في إدارة علاقاتها مع واشنطن. وربما تكشف زيارة ترامب للصين خلال هذا الشهر، نوفمبر 2017، عن ملامح وجهة العلاقات الصينية- الأمريكية في الفترة المقبلة.

وفي تقديري، فإن الصين لا تسعى للقفز على هيكل النظام الدولي الحالي، فبكين معنية بتعديل قواعد النظام الاقتصادي الدولي أكثر من اهتمامها بتعديل الهيكل السياسي الدولي. وإذا كان الخطاب السياسي الصيني يدعو إلى إقامة نظام دولي أكثر عدالة وإنصافا ومتعدد الأقطاب، فإن الصين ترى نفسها "مُصلِحة" لهيكل النظام الدولي، وتعتقد أن النظام الدولي الحالي لا يمكن تبديله ولا يمكن أن يبقى على حاله أيضا، وأن إصلاح النظام الدولي لا ينبغي أن يكون عزفا منفردا أو عزفا جماعيا، بل يجب أن يكون سيمفونية يعزفها مختلف الشعوب.

يقول الكاتب البريطاني مارتن جاك في كتابه "عندما تحكم الصين العالم.. نهاية العالم الغربي وميلاد نظام كوني جديد"، الصادر في عام 2009: "إن الوعي بمصاعب المستقبل في الصين مدهش للغاية.. أعتقد أن الصين منضبطة ومنظمة ذاتيا بشكل استثنائي وحذرة فيما يتعلق بالطريقة التي تنتهجها، وخاصة منذ نهاية سبعينات القرن الماضي." ويخلص مارتن، الذي يتوقع أن تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول سنة 2050، إلى أن صعود الصين يعني إحياء الثقافة الصينية واستعادة الصين لموقعها كواحدة من الحضارات الكبرى. والسؤال هو: هل يمكن لدولة منضبطة لديها كل هذه الحكمة أن تقع في فخ ثوسيديدس؟

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037