مال واقتصاد < الرئيسية

"سندات الباندا" بوابة جديدة لتدويل الرنمينبي

: مشاركة
2026-09-29 15:10:00 الصين اليوم:Source تشانغ شي:Author

في مايو عام 2026، أصدرت كل من باكستان وكازاخستان تباعا سندات الباندا، في خطوة فتحت على نحو أوسع باب سوق السندات داخل الصين. وفي الوقت نفسه، تستعد البرازيل، وهي أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، للإصدار الأول لسندات الباندا لها بقيمة خمسة مليارات يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا) خلال عام 2026. وفي يناير من عام 2026، حصل الصندوق العربي للطاقة على موافقة جهات المراقبة والإدارة الصينية، فأصبح أول مؤسسة مالية متعددة الأطراف في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا يسمح لها بإصدار سندات الباندا، بحد أقصى للتسجيل يبلغ 10 مليارات يوان.

من آسيا الوسطى إلى جنوبي آسيا، ومن الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، يتزايد إقبال اقتصادات ومؤسسات مالية وشركات من مختلف المناطق على سوق السندات المقومة بالرنمينبي في الصين.

ويقصد بسندات الباندا السندات التي تصدرها مؤسسات أجنبية داخل الصين، وتكون مقومة بالرنمينبي. وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغ إجمالي إصدارات سندات الباندا نحو 160 مليار يوان، بزيادة بلغت نسبتها 98ر68% على أساس سنوي؛ فيما تجاوز حجم السندات القائمة حتى يوليو 2026 للمرة الأولى 500 مليار يوان. كما انضمت مؤسسات مالية كبرى، من بينها دويتشه بنك ومورغان ستانلي وبنك بي إن بي باريبا، إلى قائمة مؤسسات الإصدار.

وهكذا، يتحول الرنمينبي تدريجيا من أداة للدفع والتسوية في التجارة الدولية إلى عملة تمويل تحظى باختيار متزايد من جانب المؤسسات، فيما أصبحت سندات الباندا بوابة جديدة لانفتاح السوق المالية الصينية على العالم.

من أداة تسوية إلى عملة تمويل

بالنسبة إلى العديد من مؤسسات الإصدار الأجنبية، توفر سوق السندات الصينية قناة تمويل متوسطة وطويلة الأجل تتمتع بقدرة تنافسية. ومنذ بداية عام 2026، تراوح معدل الفائدة الاسمية لسندات الباندا بين 46ر1% و25ر3%، فيما بلغ متوسط سعر الفائدة 85ر1%.

وأوضح فانغ تشونغ روي، رئيس قسم أسواق رأس المال للديون في دويتشه بنك بالصين، أن حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم جعلت نوافذ الإصدار في بعض أسواق العملات أقصر وأكثر صعوبة في التنبؤ بها. وبالمقارنة مع تقلبات الأسواق الأولية للعملات العالمية الثلاث الرئيسية؛ الدولار الأمريكي واليورو والين الياباني، تتمتع سوق الرنمينبي بدرجة أكبر من الاستقرار، بما يتيح لمؤسسات الإصدار قناة تمويل أكثر استمرارية وموثوقية.

وأشار وانغ لي، رئيس لجنة التصنيف الائتماني في شركة ستاندرد آند بورز، إلى أن تضافر عدة عوامل أدى إلى ارتفاع الطلب على التمويل بالرنمينبي.

 وفي مايو عام 2026، أكملت كازاخستان أول إصدار سيادي لسندات الباندا في آسيا الوسطى، بقيمة 4ر3 مليارات يوان، لمدة ثلاث سنوات، وبسعر فائدة اسمي 90ر1%، فيما تجاوز حجم الاكتتاب ضعف قيمة الإصدار. ومنحت شركة ليانخه للتصنيف الائتماني كازاخستان والسندات الصادرة في هذه العملية تصنيف AAA.

وقالت وزارة المالية الكازاخستانية في بيان إن السوق المالية الصينية توفر فرصا للتمويل بأسعار فائدة منخفضة نسبيا، كما أن أداء الرنمينبي المستقر يساعد على خفض مخاطر سعر الصرف التي يواجهها المقترضون.

وبطبيعة الحال، لا يعني إصدار سندات الباندا بالضرورة أن جميع الدول ستحصل على تمويل بتكلفة أقل. فسعر الفائدة عند الإصدار يتأثر بعوامل متعددة، من بينها التصنيف الائتماني للجهة المصدرة وهيكل آجال الاستحقاق وظروف السوق. وحتى المؤسسات الدولية ذات التصنيف الائتماني المرتفع قد تختلف تكاليف تمويلها.

ففي يوليو عام 2025، أصدرت مؤسسة مورغان ستانلي بنجاح أداة تمويل ديون موجهة بقيمة ملياري يوان لمدة خمس سنوات في سوق السندات بين البنوك الصينية، وبسعر فائدة اسمي بلغ 98ر1%، أي أعلى بنحو 5 نقاط أساس من متوسط معدل الفائدة على السندات المماثلة.

وفي عام 2024، أصبحت شركة سوزانو البرازيلية لإنتاج لب الورق أول شركة غير مالية في الأمريكتين تصدر سندات بالرنمينبي في الصين، وحتى الآن، جمعت الشركة من خلال إصدارين 6ر2 مليار يوان.

وأوضح ألكسندر لوفنكرون، الرئيس التنفيذي لبنك BOCOM BBM التابع لبنك الاتصالات الصيني في البرازيل، أن معدل فائدة التمويل الحكومي الصيني بالرنمينبي يقترب من 5ر1% سنويا، في حين تكون تكلفة التمويل بالنسبة إلى سوزانو ومؤسسات الإصدار ذات التصنيفات الائتمانية المماثلة أعلى عادة بنحو مائة نقطة أساس، لتتراوح معدلات الفائدة للإصدار بين 5ر2% و3% سنويا.

ومع ذلك، فإن سندات الباندا تمثل بالفعل بالنسبة إلى بعض مؤسسات الإصدار الدولية السيادية وشبه السيادية ومؤسسات الإصدار ذات التصنيف الائتماني المرتفع قناة تمويل متوسطة وطويلة الأجل تتمتع بقدرة تنافسية.

غير أن أهمية سندات الباندا لا تقتصر على خفض تكاليف التمويل، بل تكمن أيضا في تنويع قنوات التمويل. فقد أعلنت وزارة المالية البرازيلية أنها تستعد للإصدار الأول لسندات الباندا لها بقيمة خمسة مليارات يوان خلال عام 2026. وقال فرانسيسكو سيغوندو، وكيل الوزارة لشؤون الدين العام في الخزانة الوطنية بوزارة المالية البرازيلية، إنه في حال نجاح الإصدار الأول، تأمل البرازيل في إنشاء آلية إصدار منتظمة مستقبلا ووضع معيار لتسعير السندات السيادية، بما يهيئ للشركات البرازيلية دخول سوق السندات الصينية وتوسيع قنوات تمويلها بالرنمينبي. وقال داريو دوريجان، وزير المالية البرازيلي: "نحن بحاجة إلى خوض هذه التجربة وفتح مسار أمام الدين السيادي البرازيلي لدخول السوق الصينية."  وأوضح دوريجان أن أحد الأسباب المهمة وراء الدفع نحو إصدار سندات الباندا هو تلبية احتياجات الشركات البرازيلية من التمويل في السوق الصينية. فكثير من المشروعات الاستثمارية البرازيلية تتمتع بعوائد جيدة، إلا أن التقلبات الكبيرة في سعر صرف الريال البرازيلي قد تؤثر في العائد النهائي على الاستثمار. ويمكن للتمويل بالرنمينبي أن يوفر لهذه المشروعات أداة للتحوط من مخاطر سعر الصرف، بما يعزز استقرارها.

واليوم، تتجه المؤسسات الاستثمارية الصينية، بما فيها البنوك التجارية وشركات صناديق الاستثمار وشركات التأمين وشركات إدارة الثروات، بصورة متزايدة، إلى إدراج سندات الباندا ضمن محافظها الاستثمارية.

وعندما تصدر المؤسسات الأجنبية سندات داخل الصين، فإنها تنفتح مباشرة على قاعدة ضخمة من المستثمرين الصينيين المحليين. ومع استكمال عملية التسعير والتخصيص والتداول في السوق الصينية، لم تعد سندات الباندا مجرد أداة للتمويل خارج الصين، بل أصبحت جزءا فعليا من السوق المالية الصينية.

وفي الوقت نفسه، يسهم توسع سوق السندات الصينية وتطور إطارها التنظيمي في إعادة رسم موقع سندات الباندا ودورها. قال تشانغ شينغ، عضو لجنة الاستثمار المصرفي ورئيس مجموعة الدخل الثابت في شركة الصين الدولية المحدودة لرأس المال، إن سوق سندات الباندا تنتقل من سوق ذات طابع نموذجي في مرحلتها الأولى إلى سوق أكثر انتظاما واتساعا وانفتاحا على المستوى الدولي. وبالنسبة إلى سوق رأس المال الصينية، تمثل سندات الباندا أداة مهمة لتعميق انفتاح سوق السندات الصينية على العالم؛ أما بالنسبة إلى تدويل الرنمينبي، فهي تمثل وسيلة مهمة لتعزيز وظائف الرنمينبي في مجالي التمويل والاستثمار.

أداة مالية تربط التمويل بالتنمية

 عندما يبدأ استخدام الرنمينبي في التجارة والاستثمار والتمويل، لا يكون استخدامه الدولي مقتصرا على حالات متفرقة، بل يبدأ في تشكيل شبكة مترابطة. ومن الأمثلة على ذلك شركة سيسبان (Seaspan)، أكبر شركة مالكة مستقلة لسفن الحاويات في العالم، التي أتمت في يوليو عام 2026 إصدار سندات الباندا بقيمة 5ر1 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات، وبسعر فائدة اسمي بلغ 5ر2%، فيما وصل معدل الاكتتاب إلى 3ر2 مرة. وبذلك أصبحت أول شركة دولية لتشغيل السفن تدخل سوق سندات الباندا داخل الصين.

وقال أندرياس براوتش، المدير المالي لشركة سيسبان: "يعكس هذا الإصدار بوضوح ثقة المستثمرين في القوة الائتمانية لشركة سيسبان ونموذج أعمالها ومتانة مركزها المالي وإستراتيجيتها لتحقيق نمو مستدام. كما أن توسيع قنوات التمويل في الأسواق المالية داخل الصين يساعدنا على تنويع مصادر التمويل والحصول على التمويل بكفاءة أكبر من حيث التكلفة، بما يدعم تحقيق أهدافنا للنمو على المدى الطويل، ويمكننا من الاعتماد على واحد من أكبر أساطيل السفن وأكثرها حداثة في العالم لخدمة عملائنا بصورة أفضل."

ومع تعمق التعاون بين الصين ومختلف الدول في مجالات التجارة والاستثمار والهندسة والطاقة والبنية التحتية، يتجه عدد متزايد من مؤسسات الإصدار الأجنبية إلى استخدام سندات الباندا لتلبية احتياجاتها التمويلية المرتبطة بالتنمية المحلية.

في أكتوبر عام 2023، أصدرت مصر بنجاح سندات الباندا للتنمية المستدامة بقيمة 5ر3 مليارات يوان في سوق السندات بين البنوك الصينية لمدة ثلاث سنوات، وبسعر فائدة اسمي بلغ 51ر3%، لتسجل بذلك اختراقا في إصدارات سندات الباندا في أفريقيا. وقال محمد معيط، وزير المالية المصري السابق: "مصر هي أول دولة أفريقية ذات سيادة تصدر سندات الباندا للتنمية المستدامة في السوق المالية الصينية. ولا يمثل ذلك خطوة تاريخية لمصر فحسب، وإنما أيضا لقارة أفريقيا بأكملها."

تهدف مصر من إصدار سندات الباندا إلى دعم تحول اقتصادها نحو الاقتصاد الأخضر، من خلال توسيع مشروعات النقل الأخضر والطاقة المتجددة والإدارة المستدامة للمياه والمرافق الصحية وغيرها من المشروعات. ووصف محمد العزيزي، المدير العام لشمالي أفريقيا بمجموعة البنك الأفريقي للتنمية، الإصدار بأنه خطوة رائدة، وقال: "إنها المرة الأولى التي تصدر فيها دولة أفريقية ذات سيادة سندات الباندا، وهو ما يوضح بجلاء كيف يمكن للدول الأعضاء الإقليمية في بنك التنمية الأفريقي الاستفادة من تصنيف AAA الائتماني لهذا البنك لفتح أسواق جديدة، والحصول على تمويل مستدام من المستثمرين الدوليين بشروط تنافسية." ويأتي اختيار سندات الباندا امتدادا طبيعيا لإستراتيجية مصر الرامية إلى تنويع مصادر التمويل، كما يعكس اعترافا فعليا بعمق السوق المالية الصينية والثقة في الرنمينبي.

وهكذا، تتحول سندات الباندا إلى أداة مالية وثيقة الصلة بتمويل التنمية. فهي لا تصل بين رأس المال والمشروعات فحسب، وإنما أيضا تربط بين الرنمينبي وبرامج التنمية في دول الجنوب العالمي.

استكمال "حلقة التمويل" في منظومة تدويل الرنمينبي

بطبيعة الحال، لا تمثل سندات الباندا وحدها منظومة تدويل الرنمينبي. فتدويل الرنمينبي يشمل أبعادا متعددة، من بينها تسوية التجارة والمدفوعات العابرة للحدود والاستثمار والتمويل واستخدام الرنمينبي كعملة احتياطية وانفتاح الأسواق المالية والتسعير الدولي.

وكان محافظ بنك الشعب (المركزي) الصيني، بان قونغ شنغ، قد أشار إلى ضرورة "الارتقاء الشامل بالوظائف الدولية للرنمينبي في مجالات التسعير والدفع والاستثمار والتمويل والاحتياطيات". إنها عملية متكاملة لا يمكن اختزالها في نوع واحد من السندات، غير أن سندات الباندا تستكمل تحديدا حلقة أساسية في هذه المنظومة، وهي التمويل الدولي. وقالت لو جينغ، رئيسة فرع بنك ستاندرد تشارترد في الصين ونائبة رئيس مجلس إدارته، إن تدويل الرنمينبي يدخل حاليا مرحلة "النافذة 2.0"، وينتقل خلالها من كونه عملة للتسويات إلى عملة للتمويل والاستثمار والاحتياطي، بما يوسع نطاق استخدامه الدولي على نحو متعدد الأبعاد.

وتعد سندات الباندا الأداة المحورية لهذا التحول. ويرى خبراء في القطاع أن مجموعة من العوامل، من بينها ميزة تكلفة التمويل وتسارع عملية تدويل الرنمينبي، تدفع سندات الباندا إلى أن تصبح قناة مهمة لتمويل المؤسسات الأجنبية بالرنمينبي، بما يسهم في انتقال الرنمينبي من كونه عملة لتسوية التجارة إلى عملة تمويل على المستوى العالمي.

 ويرى تشانغ مينغ، نائب مدير معهد الاقتصاد والسياسة العالميين التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أن إصدار سندات الباندا يمثل عملية تمويل استباقية، ويعكس بدء عدد متزايد من الشركات المتعددة الجنسيات في إدراج الرنمينبي ضمن العملات المستخدمة في إدارة أموالها على المستوى العالمي، واستخدام الأموال التي تحصل عليها في تسوية التجارة العابرة للحدود والاستثمار في المشروعات وتلبية احتياجات التمويل في سلاسل الصناعة وغيرها من مراحل النشاط، بما يساعد على بناء دورة مستدامة لتدفقات الرنمينبي عبر الحدود. وهنا تكمن القيمة الفريدة لسندات الباندا. فهي لم تعد مجرد نوع مستقل من السندات، بل أصبحت جسرا يصل بين سوق رأس المال الصينية واحتياجات التمويل العالمية. فحجم التجارة الخارجية الهائل للصين ولد طلبا على تسوية المعاملات بالرنمينبي، فيما أدى تراكم استخدام الرنمينبي في التسويات إلى زيادة حاجة المؤسسات الأجنبية إلى تخصيص أصول مقومة بالرنمينبي. وقد وفرت سندات الباندا لهذه المؤسسات قناة مباشرة للحصول على التمويل بالرنمينبي من داخل الصين، لتنتقل بالرنمينبي خطوة أخرى من عملة للتسوية إلى عملة للتمويل.

ومع إدراج الحكومات والشركات والمؤسسات المالية الأجنبية للرنمينبي ضمن هياكلها التمويلية من خلال سندات الباندا، ينتقل الاستخدام الدولي للرنمينبي من مدفوعات تجارية متفرقة إلى شبكة مترابطة تشمل التجارة والاستثمار والتمويل. وبهذا الدور، تؤكد سندات الباندا مكانتها كأداة للتمويل الدولي بالرنمينبي وبوابة جديدة لانفتاح السوق المالية الصينية على العالم.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4