على بعد 120 كيلومترا من القاهرة، في محافظة السويس، وبالقرب من ميناء العين السخنة، تحولت أرض كانت في السابق قاحلة ومالحة إلى مدينة صناعية حديثة تغطي مساحة تزيد عن عشرة كيلومترات مربعة، ألا وهي منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر "تيدا السويس".
وهنا تحديدا تقع نقطة الالتقاء الذهبية بين "ممرين": أحدهما هو "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير"، الذي تطرحه الصين ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، والذي يمتد من الشرق إلى الغرب عبر أوراسيا؛ والآخر هو "الحزام الاقتصادي لممر قناة السويس" الذي تطوره مصر بشكل رئيسي، والذي يربط الشمال بالجنوب ويمتد إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا. ولا يعد التقاء هذين الممرين في هذا الموقع مجرد مصادفة جغرافية، بل هو نتيجة طبيعية لرؤية متبادلة ومصالح مشتركة بين دولتين ناميتين في مسيرتهما للتحديث.
استصلاح الأرض.. كلمة السر وراء التوسع من 34ر1 كيلومتر مربع إلى 2ر10 كيلومترات مربعة
في عام 2008، عندما وطأت أقدام أول مجموعة من البنائين هذه الأرض القاحلة، لم يكن يحيط بهم سوى الصحراء الممتدة والرياح العاتية. آنذاك، لم تتجاوز مساحة المرحلة الأولى 34ر1 كيلومتر مربع، لكنها حملت معها أفكار التعاون الصناعي الأولية بين الصين ومصر. في ذلك الوقت، كانت مصر تمر بمرحلة مهمة من التحول الصناعي، بينما كان قطاع التصنيع الصيني يتوسع بسرعة نحو الأسواق الخارجية. ظهرت منطقة "تيدا السويس" لتكون حاملة أساسية لاحتياجات التطوير للطرفين.
بعد ثمانية أعوام من العمل المتواصل، اكتملت المرحلة الأولى بحلول عام 2016، وشهد قادة الصين ومصر معا إطلاق منطقة التوسعة على مساحة ستة كيلومترات مربعة. وبعد نحو عشرة أعوام، وفي يوليو عام 2025، شهد رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مراسم توقيع عقد تطوير مساحة إضافية تبلغ 86ر2 كيلومتر مربع، ليرتفع بذلك إجمالي مساحة تطوير منطقة "تيدا السويس" إلى أكثر من 2ر10 كيلومترات مربعة.
يمتد مسار التوسع المستمر لمنطقة "تيدا السويس" بالتوازي مع تعميق العلاقات بين الصين ومصر. فقد زار رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي المنطقة تسع مرات، وفي عام 2025 وحده شهد توقيع وتشغيل عدة مشروعات في مجال الطاقة الجديدة والمنسوجات والأجهزة المنزلية باستثمارات تزيد عن 9ر1 مليار دولار أمريكي. كما صنفت الحكومة المصرية شركة جيوشي مصر، وهي واحدة من أبرز الشركات في المنطقة، باعتبارها "مشروعا صناعيا إستراتيجيا وطنيا". وبهذا، ارتقت منطقة "تيدا السويس" في خريطة الاقتصاد المصري من كونها مجرد "منطقة صناعية واحدة" إلى "حلقة رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها".
التجذر.. عندما تلتقي "التجربة الصينية" بـ"التربة المصرية"
الميزة الفريدة لمنطقة "تيدا السويس" لا تكمن في تقليد نموذج مناطق التنمية الصينية، بل في تكييف خبرات تطوير مناطق التنمية الصينية بما يتوافق مع بيئة التنمية المحلية في مصر.
ولا يعد التوطين مجرد شعار، بل يمثل شريان الحياة للمنطقة. فبحلول نهاية عام 2025، تجاوزت نسبة توظيف المحليين في المنطقة 90%، وبلغ الحجم المتراكم للضرائب والرسوم المحلية حوالي 310 ملايين دولار أمريكي، إضافة إلى خلق أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل. خلف هذه الأرقام هناك عدد لا يحصى من المحترفين النشيطين: مهندسون مصريون شباب يجيدون تقنيات سحب الأسلاك المتقدمة في خطوط إنتاج الألياف الزجاجية في شركة جيوشي مصر؛ وفنيون محليون ماهرون في تشغيل المعدات الصينية في ورش الكهرباء العالية الجهد في شركة شيديان إجيماك؛ ومديرو سلاسل التوريد الذين رفعوا نسبة إنتاجية المكونات المحلية إلى 71% في مصنع شركة ميديا للمطابخ وسخانات المياه في مصر.
التعاون الصناعي ليس عملية نقل من طرف واحد، بل هو عملية تكامل وتبادل متبادلة المنفعة. شكلت منطقة "تيدا السويس" النظام الصناعي "8+1": بدعم من صناعة التجارة التي تعتمد على اللوجستيات المعفاة من الرسوم الجمركية باعتبارها "1"، مع تنسيق التنمية بين ثمانية تجمعات صناعية كبيرة تشمل مواد البناء الجديدة والمعدات النفطية ومعدات الكهرباء العالية الضغط والمنخفضة الضغط وتصنيع الماكينات والنسيج والكيماويات والطاقة الجديدة والأجهزة المنزلية. من استيراد المواد الخام والإنتاج المحلي، وصولا إلى التوزيع العالمي، تتشكل حلقة صناعية كاملة داخل منطقة "تيدا السويس". واستقرت في المنطقة شركات رائدة، من بينها، شركة جيوشي ومجموعة شيديان الدولية الصينية وشركة ميديا وشركة هايسنس وشركة شينشينغ لأنابيب الحديد المطاوع وشركة بودا لتقنيات الطاقة الجديدة المحدودة، مما أسهم في استقطاب الشركات العاملة في مختلف حلقات سلاسل التوريد، سواء في الصناعات التكميلية السابقة أو اللاحقة، للتوسع والاستثمار في المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن مفهوم التنمية في منطقة "تيدا السويس" قد تحول من "جذب الاستثمار" إلى "اختيار الأعمال". خاصة في العامين الماضيين، شهدت المنطقة نموا هائلا، حيث استقطبت أكثر من 70 شركة جديدة. تعطي منطقة "تيدا السويس" الأولوية للشركات التي تتوافق مع توجهات التنمية الصناعية وتمتلك تقنيات متقدمة، لدفع ترقية الصناعة بشكل عام. هذا التحول من "الكمية" إلى "الجودة"، يشير إلى أن منطقة "تيدا السويس" تتحول من "مجمع شركات" إلى "نظام إيكولوجي صناعي".
التمكين.. "بنية تحتية جديدة" على طريق الحرير الرقمي
إذا كانت المصانع والطرق هي "الهيكل المادي" لمنطقة "تيدا السويس"، فإن البنية التحتية الرقمية هي "جهازها العصبي". تتجاوز رقمنة منطقة "تيدا السويس" مجرد التغطية الأساسية لشبكة الإنترنت.
في عام 2024، تعاونت منطقة "تيدا السويس" مع قاعدة تصدير الخدمات الرقمية الوطنية لمنطقة تيانجين للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية لبناء "منطقة التعاون الدولي للتجارة الرقمية بين الصين ومصر". كما شارفت المرحلة الأولى من مشروع ترقية "منصة الشبكة السحابية" في المنطقة على الاكتمال، حيث ستوفر خدمات الحوسبة السحابية ودعم البنية التحتية للاتصالات لأكثر من مائتي مؤسسة عاملة في المنطقة.
في مجال الخدمات المالية، تواصل منطقة "تيدا السويس" ريادتها. في يوليو عام 2025، وقعت منطقة "تيدا السويس" وشركة نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود وبنك قناة السويس المصري مذكرة تفاهم للتعاون في مجال المدفوعات العابرة الحدود، بهدف دعم الشركات داخل المنطقة في تسوية معاملاتها باليوان (الرنمينبي) عبر نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر تقلبات أسعار الصرف وتكاليف المعاملات عبر الحدود. وفي نفس العام، نجحت منطقة "تيدا السويس" في الحصول على أول قرض خارجي بقيمة 220 مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا)، لتسجل بذلك أول تطبيق في مصر للقروض المباشرة باليوان والاستثمار المباشر العابر للحدود.
قال الدكتور أحمد محمود درويش، وزير الدولة للتنمية الإدارية ورئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس سابقا: "يمثل الاقتصاد الرقمي 'طريق الحرير' في العصر الجديد، فهو يربط بين الناس عبر تدفق البيانات، وليس كما في السابق، حيث كان يتم التواصل عبر عبور الوديان والصحارى." وتشكل ممارسات التحول الرقمي في منطقة "تيدا السويس" تجسيدا عمليا لهذا التصور.
التطلعات.. السردية الجديدة لعصر الإعفاء من الرسوم الجمركية
ومع حلول الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، ومع تطبيق الصين الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على 100% من السلع القادمة من 53 دولة أفريقية، من بينها مصر، ستصبح الصناعات العالية القيمة مثل الأجهزة المنزلية وقطع غيار السيارات والطاقة الجديدة أكثر رغبة في الاستقرار في منطقة "تيدا السويس". تتمتع هذه الصناعات بتأثير واضح على حجم الصادرات، ويمكن أن تزيد الإعفاءات الجمركية من تنافسية منتجاتها في السوق الصينية بشكل مباشر. والأهم من ذلك، أن الشركات ستعمل على زيادة نسبة المكون المحلي والارتقاء بالمحتوى التكنولوجي لمنتجاتها، مما يدفع سلسلة الصناعة المحلية في مصر نحو التصنيع المتقدم. من "التصنيع والمعالجة" إلى "التصنيع الذكي المصري"، أصبحت منطقة "تيدا السويس" نموذجا للتحول الصناعي في مصر. لقد تم إنشاء منطقة اللوجستيات ومركز تجاري ومرافق متكاملة أخرى في منطقة "تيدا السويس"، كما تحتوي على أول مشروع مستودع جمركي صيني في مصر، ويمكن للشركات داخل المنطقة الاعتماد على هذه المرافق لإتمام عمليات التجميع والتوزيع والتخليص الجمركي للصادرات بكفاءة.
وقد وصف وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، منطقة "تيدا السويس" بأنها "إحدى أهم التجمعات الصناعية" في المنطقة الاقتصادية للقناة. وأشار السفير الصيني لدى مصر، لياو لي تشيانغ، خلال اجتماعه مع مسؤولي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في إبريل عام 2026 إلى ضرورة اغتنام الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، لتعميق التعاون بين البلدين في بناء المناطق الاقتصادية واستثمارات الشركات وغيرها من المجالات.
بالنظر إلى مسيرة العلاقات الصينية- المصرية على مدى السبعين عاما الماضية، يتضح أن التعاون بين البلدين واصل تعمقه واتساعه، بدءا من الثقة السياسية المتبادلة، مرورا بالتعاون الاقتصادي والتجاري، ووصولا إلى التبادل الثقافي والتنسيق في مجالات القدرات الإنتاجية. وتمثل قصة منطقة "تيدا السويس" إحدى أكثر الصفحات وضوحا وإشراقا في مسيرة هذا التعاون.
وتجسد منطقة "تيدا السويس" انتقال مفهوم التنمية عبر الحدود، فقد وجدت خبرات تطوير المناطق الصناعية التي تراكمت في الصين على مدى أكثر من أربعين سنة من الإصلاح والانفتاح، مجالا جديدا للتطبيق في مصر؛ كما تشهد أيضا على ترقية نموذج التعاون، من النقل البسيط للطاقة الإنتاجية إلى التكامل العميق لسلسلة الصناعة ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر؛ والأهم من ذلك، أنها تقدم نموذجا حيا للتفاعل بين الحضارات، فعندما يقرأ الشباب المصريون الشعر بالصينية للاحتفال برأس السنة الصينية، وعندما يتعلم المهندسون الصينيون التحدث بالعربية للتواصل مع الفرق المحلية، تلتقي حضارتان عريقتان في سياق صناعي حديث، لتولد منهما آفاق جديدة للتعاون والإبداع.
من مساحة لم تتجاوز 34ر1 كيلومتر مربع إلى أكثر من 2ر10 كيلومترات مربعة، ومن أرض قاحلة إلى مدينة صناعية حديثة، ومن مرحلة استقطاب الاستثمارات إلى مرحلة التكامل والتواصل المتبادل، اختزلت ثمانية عشر عاما من بناء المنطقة الصناعية، وسبعون عاما من العلاقات الصينية- المصرية، قصة عنوانها الثقة والصبر والمنفعة المتبادلة. وعلى ضفاف البحر الأحمر وبجوار قناة السويس، تواصل منطقة "تيدا السويس" نموها بثبات. ومع انطلاق سبعين عاما جديدة من العلاقات الصينية- المصرية، تبدو هذه المنطقة مهيأة لأن تكتب فصلا جديدا من التعاون والتنمية المشتركة بين البلدين.
--
تساو شيويه، مديرة تسويق في شركة تيدا الصين- أفريقيا المحدودة للاستثمار.
