يمثل المحور المركزي لبكين الإطار المكاني الشامل للعاصمة الصينية. ويمتد الجزء الجنوبي منه (يشار إليه بـ"المحور المركزي الجنوبي") من بوابة يونغدينغ شمالا إلى الطريق الدائري الخامس جنوبا، محتلا موقعا إستراتيجيا في مسار التنمية المتكاملة لمنطقة بكين- تيانجين- خبي. فهو "محور المستقبل" الذي يجسد صورة الدولة الصينية الحديثة ويعكس ثقتها الثقافية الراسخة، كما يشكل مسارا تنمويا تنطلق منه آمال الصين العظيمة.
عند الدخول إلى أروقة المحور المركزي الجنوبي، حيث تعيد العلوم والتكنولوجيا الحياة إلى هذه الأرض، نشاهد عن كثب تجربة حية لتجديد الفضاء الحضري من خلال تحديث الأصول القائمة، وتسخير الابتكار التقني لدفع عجلة التحول الصناعي. وهنا تتجلى عبقرية العاصمة بكين، في نموذج تنموي يجمع بانسجام بين النظام الوطني وسعادة الشعب. ومع تصاعد أمواج التجديد الحضري، يخطو المحور المركزي الجنوبي بثبات ليصبح محورا تنمويا متميزا، تلتقي فيه الحيوية الصناعية مع الثقافة الراسخة والهوية الوطنية.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.. أسواق الجملة القديمة معالم ابتكارات جديدة
على امتداد المحور المركزي الجنوبي، وتحديدا عند الزاوية الجنوبية الغربية لجسر موشييوان، تفوح رائحة التكنولوجيا المتقدمة من داخل مبنى داهونغمن للصناعات الرقمية والذكاء الاصطناعي الذي يجري العمل فيه. اكتملت الواجهة الخارجية للمبنى الذي يعني اسمه "البوابة الحمراء"، بينما تجري أعمال التجديد الداخلي على قدم وساق. خلف واجهات زجاجية تخطف الأنظار وتعكس ملامح العمارة المعاصرة، يتحرك مديرو المشروعات والمصممون والعمال بخوذاتهم الواقية لأداء مهامهم بتنظيم ودقة. قال ليو شيوي، أحد العاملين الذين يقومون بتركيب الجدار الزجاجي: "كنت أظن أن البناء يعني الهدم وإعادة البناء من جديد. لكن هذه المرة، الهيكل القديم بقي على حاله، والداخل تغير بالكامل بمواد صديقة للبيئة وأنظمة ذكية. نتعلم تقنيات جديدة أمام شاشات الكمبيوتر كل يوم، تماما كما هو الحال عند ترقية الهاتف المحمول: الغلاف الخارجي لا يتغير، لكن ما في الداخل يصبح مختلفا بالكامل." وأضاف فني التركيب والتجميع سون نان: "الحرف التقليدية لم تندثر، لكن الإدارة أصبحت رقمية بالكامل. نمسح المواد بالهاتف لنعرف مصدرها، ونتابع سير العمل على شاشات كبيرة في التو واللحظة. الأمر أشبه بإكساء المدينة ثوبا جديدا. ما تلمسه الأيدي لا يزال حجرا وزجاجا، لكن هذا المبنى سيدار مستقبلا بأنظمة ذكية تجعله يتنفس. العمل صار أكثر ذكاء."
أوضح تانغ جيا، المصمم الرئيسي لمشروع تحديث وترقية مبنى داهونغمن للصناعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أن المبنى كان يعرف سابقا باسم "مبنى فوهاي الدولي" المتخصص في تجارة الملابس بالجملة. تعتمد خطة التحديث على الهوية الحضرية للمحور المركزي الجنوبي، وتتمحور حول مفهوم التصميم المتوافق مع الطبيعة، مع التمسك بـ"الاستدامة البيئية" و"الابتكار الذكي". يستخدم الإطار الأحمر الكبير على الواجهة الخارجية حوالي 14 ألف نقطة ضوئية قابلة للتعديل، لتحقيق تأثير جمالي يعكس شعار "المحور يضيء البوابة الحمراء". كما تمت تهيئة المساحات الداخلية لتكون مكاتب ومساحات تجارية ذكية وصديقة للبيئة، مع تجديد السطح العلوي ليشكل واجهة خضراء خامسة، مما يحقق تكاملا بين القيمة البيئية والمنفعة العامة. وبعد الانتهاء منه، سيصبح هذا المبنى نموذجا رائدا في تحديث المناطق الحضرية على المحور المركزي الجنوبي.
قالت تشو جينغ، المسؤولة عن المشروع والمديرة العامة لشركة بكين داهونغمن للصناعات الرقمية والذكية لإدارة الأعمال المستقبلية: "خلال عملية البناء، اعتمدنا على تقنية نمذجة معلومات المباني لتحقيق إدارة رقمية دقيقة في جميع المراحل، ودمجنا بشكل منهجي تقنيات خضراء مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية والمضخات الحرارية من مصادر المياه، مما رفع معدل توفير الطاقة الإجمالي إلى 38ر21%. كما أنشأنا منصة رقمية ذكية، مما يجعل خدمات المبنى أكثر سهولة. وقد استقطبنا حتى الآن نحو مائتي شركة، وهناك العديد من الوحدات المهتمة في مراحل متقدمة من المفاوضات. من المقرر أن يكتمل المبنى في النصف الأول من عام 2026، ونأمل أن يصبح، من خلال جهودنا، معلما جديدا لتحديث المناطق الحضرية على المحور المركزي الجنوبي، يعكس أسلوبا ابتكاريا في العلوم والتكنولوجيا."
ووفقا للمعلومات المتوفرة، تبلغ المساحة الإجمالية للمبنى حوالي 97 ألف متر مربع، وسيركز بشكل رئيسي على تطوير الصناعات الرقمية والذكية، مع دعم خدمات التكنولوجيا واقتصاد التجربة. وقد بلغت نسبة الإنجاز الإجمالية للمشروع 79%، حيث اكتملت أعمال التجديد الرئيسية والواجهات الخارجية، وتجري حاليا أعمال الكهرباء الميكانيكية والديكور الداخلي.
دمج الابتكار وتوحيد الجهود.. سوق الملابس يصبح مجمع صناعات متكاملا
يقع "مجمع المحور المركزي الجنوبي الدولي للثقافة والتكنولوجيا" (يشار إليه بـ"مجمع المحور المركزي الجنوبي") في رقم 15 شارع نانيوان بحي فنغتاي، في غربي المحور المركزي الجنوبي. كان المبنى في السابق "سوق تجارة الملابس بالجملة في داهونغمن"، وبعد عمليات التحديث والتجديد الحضري، تحول إلى مجمع دولي للعلوم والتكنولوجيا والثقافة يجمع بين الطابع العصري والابتكار، ودخل حيز التشغيل. ما إن تطأ قدماك الطابق الرئيسي حتى تلفت انتباهك شاشة جدارية كاملة منحنية ضخمة مبهرة. ووفقا للمسؤول عن المجمع، فإن المجمع يرتكز على تكنولوجيا المعلومات من الجيل الجديد كقطاع رئيسي، مع تركيز خاص على الصناعات المميزة مثل الميتافيرس وصناعة الفضاء التجارية. وقد استقطب المجمع حتى الآن أكثر من خمسمائة شركة، حيث تشهد القطاعات الفرعية مثل الدوائر المتكاملة والذكاء الاصطناعي تطورا مزدهرا، مما يشكل بداية لتجمع صناعي متكامل.
تتفق الشركات المستثمرة في مجمع المحور المركزي الجنوبي على محرك داخلي مشترك، ألا وهو الابتكار العلمي والتكنولوجي. قال ما لي دونغ، الرئيس التنفيذي لشركة يونشي للثقافة والتكنولوجيا (بكين)، إن اختيار هذا الموقع جاء نتيجة لموقع المجمع المتميز في قلب "المنطقة التجارية للعاصمة"، بالإضافة إلى الأجواء القوية للابتكار العلمي والتكنولوجي والدعم الشامل للخدمات والسياسات. وأضاف أن تأثير التكتل الصناعي يوفر أرضية صلبة لنمو وتطور الشركات.
شركة يونشي للثقافة والتكنولوجيا (بكين) هي الجهة المشغلة لمشروع "تطوير وتطبيق منصة الخدمات العامة لفنون العرض السحابية"، وهو أحد المشروعات الرئيسية ضمن برنامج "الثقافة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة" التابع للخطة الخمسية الرابعة عشرة للبحث والتطوير. كما تعد الشركة الجهة المسؤولة عن دمج التقنيات في منصة خدمات صناعة الميتافيرس في المحور المركزي الجنوبي. وتعتمد الشركة على تقنيات الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي التوليدي والصوت الحيوي كركائز أساسية لإنشاء "مركز الواقع الممتد لفنون العرض السحابية"، وهو قاعدة للإنتاج الرقمي لفنون العرض الافتراضية.
التكنولوجيا في متناول الجميع.. إعادة إحياء المباني غير المستغلة
لا يكاد يخلو هاتف في الصين من تطبيق التسوق الإلكتروني "جينغدونغ (JD.com)". يقع المتجر الرئيسي الفعلي لجينغدونغ، الذي يحمل اسم "مجمع جينغدونغ التجاري"، على المحور المركزي الجنوبي، وهو أكبر وأحدث معرض رئيسي لشركة جينغدونغ في شمالي الصين، حيث يقدم تجربة تقنية غامرة تجعله نموذجا بارزا في مجال التحديث الحضري.
يقع "مجمع جينغدونغ التجاري" على الطريق الدائري الثالث الجنوبي في حي فنغتاي، وكان المبنى في السابق مشروعا متعثرا صنف في عام 2016 كمنشأة لتجارة الجملة. وبعد أن قامت مجموعة جينغدونغ بتحويله وتطويره صار متجرا رئيسيا فعليا للخدمة الذاتية، يجمع بين التسوق والترفيه والاسترخاء، محققا اندماجا عميقا بين السلع المنزلية والإلكترونية وسيناريوهات الحياة الأسرية.
قبيل عيد الربيع لعام 2026، شهد المتجر حركة نشيطة وعروضا ترويجية واسعة، وتدفق أعداد كبيرة من الزبائن في أجواء مفعمة بالحيوية والبهجة. قالت السيدة وانغ، وهي إحدى المتسوقات: "إلى جانب التسوق، يعد مجمع جينغدونغ التجاري مقصدا رائعا لقضاء الوقت مع الأطفال. فهو يدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في جميع أرجائه، حيث يمكن للأطفال الاقتراب عن كثب من المنتجات التقنية المتطورة مثل الروبوتات الشبيهة بالبشر والكلاب الآلية، مما يدهشهم ويبهجهم، ويضفي مزيدا من المتعة على تجربة التسوق." وأضافت أن المتجر الفعلي يوفر خيارات واسعة، ويتيح إمكانية المقارنة المباشرة بين فعالية المنتج وسعره، إلى جانب مناطق تجريبية متنوعة تمنح الزبائن تجربة غامرة. كما أن سياسة ضمان الأسعار بين المتجر الفعلي والمنصة الإلكترونية تظل متطابقة، مما يقلل بشكل كبير من تكاليف البحث والاختيار ويوفر تجربة استهلاكية مثالية.
قال تونغ ناي تشينغ، مدير عام العمليات في فرع بكين التابع لمجموعة جينغدونغ ووشينغ للأجهزة الكهربائية: "تقع منطقة المحور المركزي الجنوبي في موقع إستراتيجي يحمل أهمية كبيرة لتوارث الثقافة الوطنية العريقة. ويتمتع مجمع جينغدونغ التجاري بموقعه المتميز هنا، من حيث سهولة المواصلات واكتمال المرافق الداعمة، مما يفتح آفاقا واسعة للتنمية. يحول مجمع جينغدونغ التجاري تجربة العرض الغامر للأجهزة المنزلية والمنتجات المنزلية إلى ميزة تنافسية أساسية، ليخلق فضاء استهلاكيا يجمع بين التصميم الإيكولوجي والتقنيات، مما يسهم في تعزيز تدفق الزوار وزيادة المبيعات. في عام 2025، احتل مجمع جينغدونغ التجاري المرتبة الأولى على مستوى متاجر جينغدونغ الفردية في الصين من حيث حجم المبيعات السنوية، وتجاوز عدد الزوار خلال فترات العروض الترويجية الكبرى مائة ألف فرد/ مرة. كما تصدرت المؤشرات التشغيلية المتعددة له قائمة المتاجر المتخصصة في الأجهزة المنزلية والمنتجات المنزلية، كما جعلت تجارب استهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي من المنتجات التقنية شيئا يمكن إدراكه وتجربته وشراؤه.
المدينة أشبه بالكائن الحي، وتجديدها أشبه بعملية التمثيل الغذائي. أشار مؤتمر العمل الحضري المركزي الذي عقد في يوليو 2025 بوضوح، إلى ضرورة دفع الارتقاء بالمدن كأداة رئيسية لتعزيز تحسين الهيكل الحضري وتحويل محركات النمو ورفع مستوى الجودة والتحول الأخضر والمحافظة على الإرث الثقافي وزيادة كفاءة الحوكمة، وفي نفس الوقت، عدم تجاوز الخط الأحمر للسلامة الحضرية، والعمل على رسم مسار جديد للتجديد الحضري ذي الخصائص الصينية. وقال وانغ شاو فنغ، أمين لجنة الحزب الشيوعي لحي فنغتاي، خلال حديثه عن مخطط التنمية الإقليمية: "سيعمل حي فنغتاي بنشاط على الاندماج في إستراتيجية الدائرة الحضرية للعاصمة الحديثة والتنمية المنسقة لمنطقة بكين- تيانجين- خبي، ورفع مستوى التنمية من خلال التنسيق في مجالات النقل والأكفاء والصناعة. كما سنعمق تطبيق مبدأ 'المدن يبنيها الشعب من أجل الشعب'، ونستكشف نماذج متميزة لتجديد المدن ونحسن نظام الخدمات الصديقة لجميع الفئات العمرية ونعمل بإخلاص وعاطفة على حل المشكلات الملحة التي تهم الجماهير، لتحويل نتائج التنمية إلى حياة سعيدة يشعر بها الشعب بشكل ملموس."
