مال واقتصاد < الرئيسية

المشاعر محرك جديد لتنشيط الاستهلاك

: مشاركة
2026-03-20 17:15:00 الصين اليوم:Source تشاو يانغ:Author

الصناديق العمياء، ورفاق الرحلات الجبلية، وأصدقاء الدردشة بالذكاء الاصطناعي.. كلها من بين منتجات وخدمات عديدة كان يُنظر إليها قبل سنوات على أنها عديمة الفائدة أو بلا قيمة. بيد أنها صارت الآن تحظى بشعبية واسعة بين المستهلكين الشباب في الصين. ما يكمن وراء هذا الاتجاه هو زيادة الإنفاق الاستهلاكي المدفوعة بالمشاعر أكثر من الاحتياجات العملية.

الاستهلاك العاطفي.. "طلب غير مرن"

الفتاة شياو قاو، وهي من جيل "زد"، تنفق بانتظام على أشياء مثل ألعاب "بوب مارت" والأدوات المكتبية التي تسوق بالتعاون مع علامات تجارية مشهورة. قالت: "تبدو هذه الأغراض كأنها 'الأصدقاء الصغار' الذين يساعدونني على الهروب مؤقتا من المشاعر السلبية". وأضافت أنها خلال العام المنصرم، حضرت أيضا ثلاث حفلات موسيقية، وزارت معبد يونغخه (معبد لاما) في وسط بكين عدة مرات للصلاة وشراء مسابح يُعتقد أنها تجلب الحظ الجيد لمرتديها، كما التحقت بدروس في الرقص واللياقة البدنية لتنظيم حالتها الذهنية والجسدية من خلال تجارب متعددة. وقد أصبح هذا التوجه سمة مميزة في حياة الشباب، إذ لم يعد عدد متزايد من المستهلكين يقتصرون في إنفاقهم على الطعام والملابس والاحتياجات اليومية الأخرى، بل باتوا يميلون إلى دفع أموال مقابل منتجات وخدمات تمنحهم قيمة عاطفية.

في موقع تاوباو، عند البحث عن كلمة "تشينغ سونغ" التي تعني "الصنوبر الأخضر"، وتشبه في نطقها الكلمة التي تعني الاسترخاء أو الطمأنينة في اللغة الصينية، تظهر نباتات باسم فانغ تشينغ سونغ (الاسترخاء)، كما تظهر ألعاب محشوة على شكل الصنوبر باسم "تشينغ سونغ فا تساي" (اكسب المال بسهولة)، بأسعار تفوق بكثير النباتات الخضراء العادية. وقد أدى تزايد الإقبال على المنتجات الجانبية المشتقة من الرسوم المتحركة والألعاب والروايات وغيرها من العلامات التجارية المتميزة بشهرة عالية وقاعدة جماهيرية واسعة، إلى بزوغ ظاهرة استهلاكية جديدة، تُعرف بـ"اقتصاد قوتسي" (المأخوذ من الكلمة الإنجليزية 'Goods')، ومن المتوقع أن يتجاوز حجم سوقه 240 مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 9ر6 يوانات تقريبا حاليا) في عام 2025. ويستغل العديد من التجار هذا الاتجاه المربح.

في أحد شوارع مدينة جينغدتشن بمقاطعة جيانغشي، جذب كشك لبيع الأطعمة عددا كبيرا من الزبائن بفضل شعار كتبه صاحبه يقول: "شريحة الدجاج بسعر 6 يوانات، مع مشاعر بقيمة 60 يوانا، وخدمة بقيمة 600 يوان." وقد اصطف العديد من الزبائن لساعات، لا لشراء الطعام فحسب، بل للدردشة مع صاحب الكشك أيضا. ويدعم ذلك نتائج استطلاع حول نمط حياة الشباب لعام 2025، أصدرته شركة "سيشيل فاينانس" بالتعاون مع مختبر البيانات الضخمة لسوق الاستهلاك التابع لوزارة التجارة الصينية. حسب التقرير، فإن 56% من المشاركين في الاستطلاع أبدوا استعدادهم لدفع مقابل منتجات أو خدمات توفر دعما عاطفيا.

قالت دينغ ينغ، الأستاذة في قسم التسويق بكلية إدارة الأعمال في جامعة رنمين الصينية، إن الاستهلاك العاطفي ينقسم إلى نوعين، أحدهما يهدف إلى التدليل الذاتي، مثل الصناديق العمياء والمنتجات العلاجية المهدئة ودورات التأمل؛ والنوع الآخر يسعى إلى تعزيز الروابط الاجتماعية، مثل الرفقة العاطفية والسفر الثقافي. وأشارت إلى أن الاستهلاك التقليدي كان يركز على الخصائص الوظيفية للمنتج فقط، أما الآن، فقد أصبح تصميم التغليف، وقيمة العلامة التجارية، والمنتجات التي تسوق بالتعاون مع العلامات التجارية المشهورة، جزءا جوهريا من قرار الشراء. وأشارت إلى أن بعض نماذج الأعمال باتت تبتعد عن الوظيفة العملية للمنتج، لتقدم تجربة عاطفية خالصة. وأضافت أن انتشار التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي، أثار اهتمام المستهلكين بالمنتجات الافتراضية. في ظل الضغوط المتزايدة للحياة الحضرية، يبدو الاستهلاك العاطفي وسيلة لتخفيف التوتر والقلق.

مع ذلك، فإن هذا الشكل من الاستهلاك ليس جديدا على الإطلاق. تشمل نسخته السابقة العديد من المنتجات والخدمات مثل الألعاب، وحقائب الحظ، والبرامج الإذاعية للاستشارات العاطفية. وقالت دينغ ينغ: "الاستهلاك العاطفي موجود منذ القدم، فهو حاجة طبيعية للإنسان." في المرحلة الجديدة من التنمية الاقتصادية في الصين، تحول اهتمام المستهلكين الصينيين من تلبية الاحتياجات الأساسية إلى السعي لتحقيق الثراء الروحي. وصعود الاستهلاك العاطفي ما هو إلا انعكاس للاحتياجات النفسية الفردية، وأيضا تجسيد لتغيرات العصر. عندما تصبح الوفرة المادية أمرا عاديا، تصبح القيمة العاطفية المعيار الجديد لقياس جودة الحياة. خاصة في ظل تغير أجيال المستهلكين، يهتم الشباب اليوم، وخصوصا جيل "زد"، بالتعبير عن الذات والتجارب الداخلية أكثر. هذا التحول هو نتيجة حتمية لتقدم المجتمع إلى مرحلة معينة، كما أوضحت الأستاذة دينغ.

تعزيز تحول وترقية صناعة السياحة الثقافية

في خريف عام 2025، اكتسب مزارع قصب السكر تونغ بنغ فيّْ، شهرة واسعة وسريعة بعد إطلاقه نشاطا بعنوان "سرقة قصب السكر"، والذي هو في الواقع دعوة للناس لحصد أعواد قصب السكر بأنفسهم. وقد جذب الحدث آلاف الزوار يوميا، حيث قطع بعضهم مسافة تصل إلى ثلاثة آلاف كيلومتر للذهاب إلى محافظة تشينغشن بمقاطعة سيتشوان، حيث يقيم تونغ. وخلال عشرة أيام فقط، ارتفعت المبيعات بنحو خمسين ألف يوان. يمكن القول إن هذا المزارع الذكي استطاع بيع تجربة ممتعة أكثر من بيعه قصب السكر نفسه. وعلى خطى "سرقة قصب السكر"، أطلقت محافظة تشينغشن فعاليات ترويجية لمناطقها السياحية الأخرى، مثل المدينة الدولية لفنون الخيزران وحديقة الباندا العملاقة، مع دخول مجاني لمن يشاركون في نشاط "سرقة قصب السكر" كـ"لصوص" رمزيين. ما دفع كثيرا من الزوار إلى تمديد زيارتهم من "رحلة ليوم واحد" إلى "رحلة مطولة".

شهدت السنوات الأخيرة العديد من الأمثلة التي تبرز دور التسويق الناجح للقيمة العاطفية في ازدهار السياحة المحلية. ففي صناعة السياحة الثقافية اليوم، لم تعد تنافسية السوق تعتمد بالدرجة الأولى على وفرة الموارد السياحية بقدر ما أصبحت ترتكز على القدرة على ابتكار تجارب تتفاعل بعمق مع مشاعر المستهلكين وتلبي تطلعاتهم النفسية.

قالت شيوي هونغ، عميدة كلية السياحة وإدارة الخدمات في جامعة نانكاي بمدينة تيانجين، إن أفراد المجتمع المعاصر، في ظل إيقاع الحياة السريعة وضغوطه المتزايدة، يتوقون إلى الاستهلاك العاطفي بوصفه وسيلة لاستكشاف الذات وتعزيز الهوية. وأوضحت أن تطور شبكة الإنترنت يلبي حاجة الناس إلى استهلاك مريح ومتنوع، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهم في الوقت نفسه في تضخيم الإشباع العاطفي. وأضافت: "إن تصرفات مثل التوجه إلى المقاصد السياحية الرائجة ونشر صور السفر على منصات التواصل الاجتماعي والتفاعل والمشاركة بين الأصدقاء ومستخدمي الإنترنت تمثل أشكال التعبير عن المكانة الاجتماعية للفرد. وقد جعلت الحياة الرقمية الناس ينغمسون بصورة مفرطة في العالم الافتراضي وأنماط التواصل الاجتماعي السطحية. لذلك أصبحت التجارب الواقعية الغامرة بمثابة علاج عاطفي يعوض فتور العلاقات الإنسانية ويحول دون تحولها إلى علاقات افتراضية."

إن مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، ما إن تحقق انتشارا واسعا، حتى تواجه تحدي الحفاظ على شعبيتها لفترة طويلة. ففي عام 2023، أصبحت تسيبوه، وهي مدينة صناعية لم تكن معروفة على نطاق واسع في مقاطعة شاندونغ، حديث الناس في البلاد بسبب الشواء الشهي فيها، مما جذب السياح من جميع أنحاء الصين. وقد تحركت الحكومة المحلية بسرعة لتحسين تجربة الزوار، عن طريق تحسين خدمات النقل، وتعزيز تنظيم الأسواق، وزيادة دوريات الأمن العام. وفي الوقت نفسه، عملت الشركات في المدينة على إثراء عروضها من خلال دمج العناصر الثقافية، مما ساعد على استمرار ضجة "الشواء" حتى يومنا هذا.

قالت شيوي هونغ، إن العواطف ليست سوى الشرارة الأولى، ولكن مفتاح تحقيق التنمية المستدامة يكمن في تحسين جودة المنتجات والخدمات. وأكدت أن تحويل "الزيارات العابرة" إلى "إخلاص دائم" لا يتحقق إلا عبر إحداث صدى عميق لدى المستهلكين، وبناء تجربة كاملة ترسخ الرضا والثقة على المدى الطويل.

هذا بالضبط ما تحاول جميع المواقع السياحية في أنحاء الصين القيام به. في فعالية بعنوان "تجربة يوم كامل في تشانغآن" بمدينة شيآن، حاضرة مقاطعة شنشي، تُستعاد مشاهد من أسرة تانغ (618- 907م) قبل أكثر من ألف عام إلى الحياة: ترفرف أكمام الراقصين الطويلة في نسيم الليل، ويُلقي الشعراء أفضل قصائدهم، بينما يبيع الباعة المتجولون الخبز المفرود القادم من الغرب. ومع تنشيط جميع الحواس بالكامل، يسافر الزوار عبر الزمن إلى عصر إمبراطوري في زمن بعيد. في منتجع فنون الدفاع عن النفس بجبل وانسوي في مدينة كايفنغ بمقاطعة خنان المجاورة، يمكن للزوار أداء أدوار في مسرحيات مستندة إلى رواية ((أبطال على شاطئ البحيرة))، وهي واحدة من الروايات الكلاسيكية الأربع الكبرى في الصين. وهناك أيضا مشاهد تحاكي حياة السكان خلال فترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، وهم يتسوقون بالنقود القديمة ويستمتعون بالمأكولات المحلية مثل الدجاج المطهو في براميل وشاي اللوز.

قالت شيوي هونغ إن هذه الأمثلة الناجحة يكمن وراءها إثارة التفاعل العاطفي لدى السياح من خلال بناء سياقات سردية تعتمد على القصص. وأشارت إلى أنه ينبغي على الشركات إعطاء الأولوية لاحتياجات المستهلكين، والانتباه إلى التفاصيل الدقيقة في تصميم المشاهد وتنفيذ الخدمات، والاعتماد على إستراتيجيات تسويق وترويج موجهة وفعالة. وعلى سبيل المثال، يمكن استغلال وسائل الإعلام الجديدة لتوسيع نطاق الوصول، وتطوير آليات تفاعل إيجابية ومستدامة.

لقد أسهم الاستهلاك العاطفي في نشوء مجموعة متنوعة من نماذج الأعمال الجديدة. فإلى جانب البرامج الجديدة في المواقع السياحية التقليدية، ظهر المزيد من الأنشطة الترفيهية، مثل ألعاب جرائم القتل القائمة على السيناريو (هي ألعاب غموض تعتمد على تمثيل الأدوار)، وغرف الهروب، والحفلات الموسيقية، وعروض الفن الحواري التقليدي والكوميديا الارتجالية. تتنافس الشركات بشدة لاستكشاف السبل الكفيلة بإطلاق مشاعر المستهلكين، وتحفيز تفاعلهم العاطفي.

قالت شيوي هونغ: "من اقتصاد الخدمة إلى اقتصاد التجربة، ثم إلى الاقتصاد العاطفي، يتطور شكل الاقتصاد باستمرار. وفي المستقبل، ستتأثر أحكام المستهلكين على القيمة بدرجة أكبر بمشاعرهم الشخصية. وفي ظل المنافسة بين المنتجات المتشابهة، ستتفوق المنتجات القادرة على تحديد القيمة العاطفية بدقة وتقديمها للعملاء بصورة متميزة. فقط المنتجات التي تتمتع بجاذبية عاطفية عالية هي وحدها القادرة على بناء ولاء المستهلكين وكسب مشترين متكررين."

العودة إلى العقلانية وتوجيه التنمية الصحية

أدرجت "مقترحات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن وضع الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية"، ومؤتمر العمل الاقتصادي المركزي لعام 2025، "تعزيز الاستهلاك" كأولوية في السنوات القادمة. ومع تحول سوق الاستهلاك بسرعة أكبر مدفوعا بارتفاع وتيرة الاستهلاك العاطفي، تبرز ضرورة حماية حقوق المستهلكين، وضمان تنمية مستقرة وصحية لهذا القطاع.

أشارت دينغ ينغ إلى أن الاستهلاك العاطفي لا ينطوي غالبا على أشياء ملموسة، مما يجعل تسعيره أمرا صعبا. ومع تراجع حساسية المستهلكين تجاه أسعار، تزداد احتمالات الإنفاق الاندفاعي. ولذلك، ينبغي للجهات المعنية إجراء أبحاث حول معايير الجودة، وآليات التسعير، وشروط الدخول إلى سوق الاستهلاك العاطفي، وعلى هذا الأساس يتم وضع أطر تنظيمية مناسبة، خصوصا فيما يتعلق بالمنتجات والخدمات الافتراضية. ومن شأن ذلك الإسهام في الحد من إثارة القلق الاستهلاكي، وتعزيز التنمية الصحية لهذا النمط من الاستهلاك.

كما أكدت دينغ ينغ على أهمية توجيه المستهلكين نحو الإنفاق الرشيد. وقالت: "فقط من خلال بناء شبكات علاقات مستقرة في الحياة الواقعية، واستبدال محفزات الدوبامين العابرة بالسعي إلى إفراز الإندورفين بشكل دائم، يمكن للناس تحقيق تنظيم عاطفي إيجابي طويل الأمد. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأطفال والمراهقين. وبينما يجب تشجيعهم على احتضان العصر الجديد للذكاء الاصطناعي، يجب توضيح أن البشر ينتمون إلى العالم الواقعي. ولا ينبغي أن تصبح المقبلات في الحياة هي الطبق الرئيسي."

تتفق شيوي هونغ مع هذا الرأي، مضيفة أن على الإدارات الحكومية المعنية تكثيف جهودها للمحافظة على نظام السوق، وإجراء مراجعات دقيقة، وضمان السلامة العامة، والوقاية من المخاطر المحتملة. وأشارت أيضا إلى مشكلة تواجه صناعة السياحة الثقافية، وهي أن تدفق الزوار لا يتحول إلى تدفق في إيرادات، مما يكشف عن عيوب السعي وراء الشعبية العابرة فقط. وقالت: "من الجيد أن تعمل الحكومات المحلية على خلق أجواء إيجابية، لكن لا ينبغي الانسياق للمشاعر بشكل أعمى، ويجب ضمان تطور النظام الاجتماعي بشكل إيجابي."

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4