مال واقتصاد < الرئيسية

كوكا كولا في الصين.. قصة نجاح

: مشاركة
2019-02-26 13:46:00 الصين اليوم:Source ليو شين:Author

في النصف الأول من عام 2019، ستتم شركة المشروبات الشهيرة "كوكا كولا" صفقة الاستحواذ على سلسلة "كوستا كوفي" المملوكة لشركة "ويتبريد" البريطانية مقابل 1ر5 مليارات دولار أمريكي. هذا مؤشر واضح على أن أكبر شركة منتجة للمشروبات الغازية في العالم، والتي تأسست في عام 1886، تتطور بسرعة إلى "شركة مشروبات كاملة النطاق" لمواكبة تغير أذواق المستهلكين.

تجدر الإشارة إلى أن شركة كوكا كولا أقامت علاقات مع الصين في عام 1979، أي بعد ثلاثين عاما من تأسيس الصين الجديدة. وفي أكبر سوق في العالم، تغلبت كوكا كولا على جملة من التحديات، واحتفظت بسمعتها الشهيرة على مستوى العالم مع تطور العلاقات الصينية- الأمريكية وتطبيق الإصلاح والانفتاح في الصين.

العودة إلى بر الصين الرئيسي

دخلت كوكا كولا السوق الصينية في وقت مبكر، وكان ذلك في عشرينات القرن الماضي، وكانت شانغهاي من أهم أسواق هذه العلامة التجارية الشهيرة. وفي عام 1927، أنشأت شركة كوكا كولا مصنعا لها في شانغهاي. في ذلك الوقت، كانت شركة واتسونز ووتر مسؤولة عن تعبئة المشروبات. في عام 1933، وبعد ست سنوات فقط من إنشائه، أصبح مصنع شانغهاي أكبر مصنع تعبئة خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1948، أصبحت شانغهاي أول سوق خارج الولايات المتحدة الأمريكية تجاوزت فيها المبيعات السنوية مليون صندوق (24 مليون قنينة). كان ملصق كوكا كولا موجودا في قاعات الرقص وأماكن الترفيه، مثل بارامونت و سيروس بلازا في شانغهاي في ذلك الوقت.

ومع ذلك، وعلى مدى السنوات الثلاثين التالية، ولأسباب تاريخية اختفى هذا المشروب، الذي يشابه مذاقه قليلا مذاق الدواء الصيني التقليدي، في بر الصين الرئيسي .

لقد أعطت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني التي عقدت في 18 ديسمبر 1978، الأولوية للبناء الاقتصادي وشرعت في الإصلاح والانفتاح. في ذلك الشهر، كانت هناك بعض الأحداث الهامة الأخرى أيضا.

عندما انتهت الصين والولايات المتحدة الأمريكية من مفاوضات إقامة العلاقات الدبلوماسية، والتي عقدت في فندق بكين في الثالث عشر من ديسمبر 1978، كانت شركة كوكا كولا أيضا تجري محادثات تعاون مع أكبر مجموعة صينية لمعالجة وتصنيع وتجارة المواد الغذائية (COFCO) في نفس الفندق. بعد ثلاثة أيام، أصدرت جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية البيان المشترك حول إقامة علاقاتهما الدبلوماسية، وتم الإعلان عن الاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميا في الأول من يناير سنة 1979. وفي التاسع عشر من ديسمبر من نفس العام، أصبحت شركة كوكا كولا أول مؤسسة أجنبية تدخل سوق بر الصين الرئيسي بعد تطبيق الإصلاح والانفتاح.

ووفقا للاتفاق المبرم بين شركة كوكا كولا وشركة COFCO، تبنت الولايات المتحدة الأمريكية نموذجا للتعويض التجاري أو طرقا أخرى للدفع لتوفير معدات تعليب وتعبئة قناني الكوكا كولا في المدن والمناطق الرئيسية في الصين، وإقامة محطات تعبئة في الصين من أجل بدء المبيعات. قبل إنشاء مصنع التعبئة في فرع كوكا كولا في الصين، أتمت COFCO ترتيبات شحن المنتجات. تم نقل أول شحنة والمكونة من ثلاثة آلاف صندوق كوكا كولا من هونغ كونغ إلى بكين في نهاية عام 1979، بمساعدة شركة NG Fung Hong.

اختيار موقع المصنع

بعد عودة شركة كوكا كولا إلى سوق بر الصين الرئيسي، كانت المهمة الرئيسية هي اختيار موقع المصنع. وقد وقع اختيار الجانب الأمريكي على شانغهاي، كونها مدينة لها ارتباط تاريخي بهذا المشروب الأمريكي، ولكن في ذلك الحين، كانت الأيديولوجية "اليسارية" مازالت موجودة في الصين رغم البدء في الإصلاح والانفتاح، ولم يكن لدى شانغهاي أي استعداد لاستضافة مصنع أمريكي.

في أبريل من عام 1981، وبدعم من لين هو جيا، أمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في بكين آنذاك، تم أخيرا إنشاء مصنع التعبئة في بناية تابعة لشركة COFCO كانت تستخدم معملا للبط المشوي في بكين. ولضمان جودة المياه، قدمت شركة كوكا كولا أجهزة تنقية المياه بنظام "التناضح العكسي" لمصنع بكين، والذي كان أكثر أنظمة معالجة المياه تقدما في العالم ولم يكن مستخدما إلا في عدد قليل من البلدان في ذلك الوقت.

وبموجب اتفاق التعاون بين الطرفين، قامت شركة كوكا كولا بتركيب خط تعبئة آلي بالكامل بسعة إجمالية 1200 قنينة في الدقيقة، وهو ما يعادل المستوى المتقدم للدول الغربية في ذلك الوقت، وأنفقت الصين ثلاثمائة ألف دولار في السنة لشراء شراب كوكا كولا المركز. أثناء تركيب المعدات واختبارها، وصل إلى بكين أكثر من 180 خبيرا وفنيا من شركة كوكا كولا، للمساعدة في تركيب المعدات وتدريب الفنيين الصينيين. ومع الأخذ في الاعتبار كفاءة الموظفين المحليين، ومطالب السوق الصينية واحتياجات صيانة وإصلاح المعدات، كانت سرعة الإنتاج الفعلية ثلاثمائة قنينة في الدقيقة في المرحلة الأولى من العملية. كان من المتوقع أن تستثمر شركة كوكا كولا 600 ألف دولار أمريكي، ولكن في النهاية أنفقت  حوالي مليون دولار أمريكي على بناء المصنع. لعب مصنع كوكا كولا في بكين دورا مثاليا لصناعة المشروبات الغازية المنعشة في الصين، وقد صار مقصدا لقادة مؤسسات المشروبات والأدوية المحلية، الذين أعجبوا بشدة بإدارة الجودة الصارمة فيه. اليوم، لا تزال معدات معالجة المياه بالتناضح العكسي وسرعة الإنتاج التي تصل لأكثر من ألف قنينة في الدقيقة هي المعيار في صناعة المشروبات في الصين.

بعد أسبوع من التشغيل التجريبي، بدأ تشغيل خط الإنتاج رسميا وإنتاج الدفعة الأولى من قنينات كوكا كولا المعبأة بالصين. في ذلك الوقت، قالت صحيفة ((نيويورك تايمز)) إن افتتاح مصنع كوكا كولا في الصين صاحبته مراسم احتفالية تخللتها الأغاني والموسيقى والألعاب النارية المدوية في السماء، وهي احتفالية أكثر أهمية وضجيجا من مراسم تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية التي جرت قبل عامين من ذلك التاريخ. قال رئيس مجموعة كوكا كولا آنذاك، إن الصين كنز كبير، وفيها العديد من الفرص. في وقت لاحق، افتتحت شركة كوكا كولا مصانع تعبئة في قوانغتشو ومدن أخرى في الصين، إلى جانب مصنع المحلول المركز في شانغهاي في عام 1988. ومنذ ذلك الحين، تأتي جميع المشروبات المركزة التي تحتاجها مصانع تعبئة الكوكا كولا في السوق الصينية من شانغهاي.

الطريق إلى الشهرة

على الرغم من أن شركة كوكا كولا كانت تتمتع بسمعة ممتازة في الخارج في ذلك الوقت، لم تكن مبيعاتها في الأيام الأولى بعد عودتها إلى الصين مبشرة كما كان متوقعا لها. كان متوسط الراتب الشهري لسكان بكين آنذاك يتراوح بين أربعين وخمسين يوانا، وكان غالبية الناس يقبلون على مشروب محلي اسمه قازوزة "بيبينغيانغ" (المحيط المتجمد الشمالي)، والذي كان سعر القنينة منه 15ر0 يوان فقط، في حين كان سعر قنينة الكوكا كولا  45ر0 يوان.

من أجل فتح السوق وزيادة التوزيع بأسرع وقت ممكن، بدأ فرع شركة كوكا كولا في بكين حملات ترويجية في جميع مراكز التسوق، وتقديم عروض لتشجيع الزبائن على شراء كوكا كولا، ومن ذلك حصول الزبون على منطاد أو زوج من عيدان تناول الطعام عند شراء قنينة الكوكا كولا. وقد جذبت الحملة حينها اهتماما واسعا من الصينيين، فقد كانت الأولى من نوعها لمؤسسة أجنبية بعد انتهاج الصين الإصلاح والانفتاح.

ومع ذلك، لم يتم اعتماد تشغيل كوكا كولا رسميا في الصين إلا في عام 1986. في الثاني عشر من أبريل ذلك العام، أصدرت الصين ونفذت قانون جمهورية الصين الشعبية حول الشركات ذات التمويل الأجنبي، والذي يحمي بوضوح حقوق ومصالح الشركات الأجنبية. في أكتوبر من ذلك العام، بثت ثماني عشرة محطة تلفزيونية في أنحاء البلاد إعلانات كوكا كولا في يوم واحد. بعد ذلك، أبهرت إعلانات شركة كوكا كولا الصين كلها، بينما أصبح عدد متزايد من الناس مهتما بالثقافة الترفيهية الغربية البسيطة والهادئة التي تمثلها شركة كوكا كولا. تدريجيا، صارت علامة كوكا كولا التجارية مقبولة لدى المستهلكين الصينيين.

في عام 2019، يكون قد مضى أربعون عاما على عودة كوكا كولا إلى الصين التي أصبحت ثالث أكبر سوق في العالم لهذه العلامة التجارية المشهورة. الأهم من ذلك أن سلسلتي مطاعم كنتاكي "KFC" وماكدونالدز تبعتا كوكا كولا ودخلتا السوق الصينية.

شاهدة على تنمية الصين

يوما بعد يوم، بات بالإمكان رؤية صور ولوحات كوكا كولا الإعلانية في العديد من معالم مسيرة الانفتاح في الصين، بما في ذلك دورة الألعاب الآسيوية في عام 1990 والألعاب الأولمبية في عام 2008. اليوم، وفي مسيرة تحولها إلى شركة مشروبات متكاملة، من الضروري لكوكا كولا، بناء مزيج ضخم من المشروبات تغطي حياة المستهلكين.

كوكا كولا شركة بارعة في إدارة العلامات التجارية الرائدة، يمكنها دائما اختيار مكان تسليم البضائع بشكل صحيح. فإذا كان ما تهتم به العلامات التجارية الرائدة هو الوضع العام، فإن ما تحتاجه العلامة التجارية الصغيرة من أجل الاختراق هو نقاط محددة. على سبيل المثال، كان وراء إطلاق أول قنينة بعنوان "Share a Coke" هي فكرة ومنظور كوكا كولا عن حالة "الطفل الواحد" في الصين، وكانت تشير بذلك إلى أنه رغم "كونه وحيدا، لم يعد وحيدا مع هذا المشروب".

استثمرت كوكا كولا في الصين حتى الآن ثلاثة عشر مليار دولار أمريكي، وأنشأت خمسة وأربعين مصنعا وتوظف بشكل مباشر نحو خمسة وأربعين ألف شخص. في النصف الأول من عام 2018 تجاوزت عائدات كوكا كولا في الصين عشرين مليار يوان (4ر292 مليون دولار أمريكي). في عام 2016، تمت إعادة هيكلة شركتي  COFCO وTaikoo، وهما شريكتا كوكا كولا في التعبئة.

ومع التطور السريع للأعمال، انتقلت شركة يوننان المحدودة للمشروبات Yunnan Taikoo Coca-Cola Beverage Co.، Ltd إلى موقع جديد في يونيو 2018، وزادت قدرتها الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، فاز المصنع الجديد بشهادة LEED (الريادة في الطاقة والتصميم البيئي) لدوره في الحفاظ على الطاقة وحماية البيئة. حيث يتم تركيب ألواح ومعدات توليد الطاقة الكهربائية الضوئية على سطح بناية المصنع الرئيسي ويتم استخدام زجاج خاص مع وظيفة العزل الحراري في اتجاهين على جدار بناية المكاتب. خمسة وسبعون في المائة من أسطح المباني في المصنع مصنوعة من مواد عاكسة للغاية، ويتم إضاءة مناطق الإنتاج والتخزين بالضوء الطبيعي ويتم تنشيط نظام الإضاءة الذكي تلقائيا عندما يكون سطوع الإضاءة غير كاف.

يحتوي المصنع الجديد على نظام لتجميع مياه الأمطار بسعة 600 متر مكعب من أجل ري منطقة التشجير وتنظيف الطرق. ويمكن لنظام تنقية مياه الصرف الصحي في المصنع أن ينقي حوالي 3120 مترا مكعبا من المياه كل يوم، وتستخدم جزئيا في ري المزروعات، وفي الحمامات والمرافق الصحية في منطقة المصنع. أشار جيمس كوينسي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة كوكا كولا، إلى أنه منذ تطبيق الإصلاح والانفتاح في عام 1979، شهدت الصين تغيرات سريعة، ومن حسن حظ شركة كوكا كولا أنها مشاركة في هذه العملية. وباعتبارها ثالث أكبر سوق لشركة كوكا كولا في العالم، فإن الصين تمثل الفرص الأكثر أهمية وإثارة للشركة، التي تشعر بثقة كبيرة بمستقبل السوق الصينية.

قال تشانغ جيان تاو، نائب رئيس شركة كوكا كولا لمنطقة الصين وكوريا الجنوبية ومنغوليا: "مرت كوكا كولا بأربعين عاما استثنائية في الصين وهي أكبر المستفيدين والمشاركين والشهود على الإصلاح والانفتاح في الصين." على مدى السنوات الأربعين الماضية، تطورت كوكا كولا من علامة تجارية واحدة إلى أكثر من عشرين علامة تجارية في الصين، وتطورت من ابتكار المنتجات إلى الابتكار في نموذج الأعمال. مع تقدم الإنترنت والتقنيات الرقمية بالصين في السنوات العشر الماضية، تستخدم كوكا كولا حاليا أنظمة الذكاء الاصطناعي لفهم أذواق ومتطلبات المستهلكين المحليين وتحليل سلوكيات الشراء. قال تشانغ: "الصين حاليا ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وحجمه الهائل يمنح الشعب الصيني ثقة كاملة في المستقبل. ومن المتوقع أن تطلق الصين العنان لإمكانيات نموها الضخمة من خلال تعميق وتوسيع الأنشطة الاقتصادية." وأضاف: "أطلقنا العشرات من المنتجات الجديدة هذا العام، وعملنا في الصين جيد جدا." وأوضح تشانغ أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2018 كان مستقرا نسبيا، مشيرا إلى أن الطلب الصيني على السلع الاستهلاكية لا يزال في ازدياد. واختتم قائلا: "لدينا دعم قاطع لسياسات الحكومة لخفض الضرائب والرسوم، ولدينا المزيد من الثقة."

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037