مال واقتصاد < الرئيسية

الصين تطلق أكبر سوق لتداول الكربون وتنحو نحو دور ريادي عالمي

: مشاركة
2018-03-01 13:35:00 الصين اليوم:Source هيفاء سعيد:Author

مرة أخرى، تثبت الصين أنها تسير في مسار سريع وفعال للمساهمة في سلامة العالم، وهذه المرة عبر إطلاق أكبر سوق لتجارة الكربون في العالم بهدف إيجاد بيئة أنظف.

هذه الخطوة المشجعة تأتي في تناقض مع التحرك الأخير الذي اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية بإزالة مسألة تغير المناخ من قائمة التهديدات للبلاد ضمن إستراتيجية "الأمن القومي الأمريكي" الجديدة التي أعلنتها إدارة دونالد ترامب في الثامن عشر من ديسمبر عام 2017، و كذلك عزم الأخير على الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ التي تم الاتفاق عليها في عام 2015، حيث يعتبر  ترامب  أن فرض تقليص انبعاثات الكربون على الصناعة الأمريكية  يعيق سير النمو الصناعي والاقتصادي الأمريكي.

من شأن هذه التحركات الأمريكية الأخيرة أن تترك أثرا على الجهود العالمية والتعاون الدولي بشأن الاستجابة للتغير المناخي، وهنا يبرز الدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه الصين لتفادي هذه الفجوة في العمل المناخي الدولي، رغم الاتهامات التي شابتها سابقا بوصفها "المخرب" في مسيرة المفاوضات الدولية حول مكافحة تأثيرات الاحتباس الحراري. حيث اتهمت بكين بإفشال مفاوضات مؤتمر كوبنهاغن في ديسمبر عام 2009، والتي، من وجهة نظر الصين، عمدت إلى تغليب مصلحة الدول المتقدمة على حساب الدول النامية من خلال فرض ضوابط أكثر تتعلق بخفض انبعاثات الكربون على الدول النامية بخلاف الدول المتقدمة.

وجهة النظر السلبية هذه تجاه بكين عفا عليها الزمن، حيث شهدت الصين انخفاضا ملحوظا في استهلاك الفحم وانبعاثات الكربون خلال الأعوام الماضية، بعد أن عززت سياستها في التحول إلى مصادر بديلة للطاقة بشكل أكثر فعالية.

لقد شرعت الصين في تسريع وتيرة العمل على صياغة إستراتيجيتها الخضراء للتعامل مع التداعيات البيئية للتنمية الاقتصادية، وتجلى ذلك في الخطة الخمسية الثانية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد (2011- 2015)، انطلاقا من إيمان الصين بضرورة الاستجابة الجادة لتغير المناخ. فقد أكدت الخطة على جعل الصناعات المنخفضة الكربون المحرك الرئيسي للاقتصاد.

في السنوات التي سبقت مفاوضات باريس عام 2015، والتي توصلت إلى اتفاق المناخ الذي يهدف إلى إبقاء المتوسط العالمي لارتفاع درجات الحرارة أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، جعلت الحكومة الصينية النمو المنخفض الكربون واحدا من أهم أولوياتها.

بين كوبنهاغن وباريس، شهدت سياسة الصين تجاه تغير المناخ العالمي تغيرا كبيرا. عندما تم التفاوض في عام 1997 على بروتوكول كيوتو، الذي جعل العمل المناخي ملزما للبلدان الغنية، ولكن فقط استشاريا للاقتصادات الناشئة، بما فيها الصين، كانت الصين مسؤولة عن جزء يسير من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية. إلا أن انبعاثات الصين من الكربون أخذت بالتزايد حتى عام 2009. عندئذ بدأت الصين علنا في صياغة سياستها المناخية، وكان هدفها العام الرئيسي هو خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى النصف تقريبا بحلول عام 2020.

ومع اقتراب مؤتمر باريس لعام 2015، أعلنت الصين، وكانت آنذك أكبر باعث لثاني أكسيد الكربون في العالم، أنه سيبلغ أقصى حد لانبعاثاتها بحلول عام 2030 أو حتى قبل ذلك الوقت، حيث أنها ستعمل على إيجاد مصادر بديلة للطاقة غير الوقود الأحفوري لتغطي نسبة 20% على الأقل من موارد الطاقة لديها. وهو هدف يعتقد معظم الخبراء أنه في متناول يد الصين.

وبينما يرى البعض في تغيب الولايات المتحدة الأمريكية عن الملعب الدولي لقضية التغير المناخي تحت إدارة ترامب ذريعة للآخرين لركود جهودهم في هذا المجال، أوضح المسؤولون الصينيون أن تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية لن يمنع الصين من استمرارها بالالتزام بدعم المفاوضات المناخية وتنفيذ اتفاق باريس، لأن ذلك يصب أيضا في مصلحتها الخاصة في رؤية مستقبل منخفض الكربون.

فبحلول الوقت الذي أعلنت فيه الخطة الخمسية الثالثة عشرة للتنمية في الصين في عام 2015، كان من الواضح أن القيادة الصينية قد حددت أولوياتها بأن الاقتصاد الصيني يحتاج إلى أن يكون أكثر كفاءة في استخدامه للطاقة والموارد، وأنه يحتاج إلى رفع مستوى قدراته على إنتاج تقنيات متقدمة منخفضة الكربون ذات قيمة أعلى، كمنطلق للمرحلة المقبلة من الازدهار للتخلص من الآثار البيئية الناجمة عن ثلاثة عقود من النمو المرتفع للكربون- الضباب الدخاني والاختناق الذي يضرب المدن الرئيسية في الصين، وأزمة المياه وتلوث التربة، والآثار الصحية والاجتماعية المتصاعدة، وتفاقم خطر الأحداث المناخية المتطرفة، وتهديد انحسار المدن الأكثر ازدهارا تحت مستوى البحر.

في عام 2014، أصدرت الصين إستراتيجية للطاقة دعت إلى الحد من استهلاك الفحم بحلول عام 2020، وعملت على إيقاف العمل في مناجم الفحم. كما أصبحت الصين رائدة في مجال الطاقة المتجددة، حيث تستثمر الحكومة بكثافة في تطوير طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

أولت كذلك الحكومة الصينية اهتماما متزايدا ببناء مفاعلات نووية، باعتبار أن الطاقة النووية واحدة من أشكال الكهرباء المنخفضة الكربون.

الجهود المناخية الصينية اليوم توجت بإطلاق خطة برنامج لتجارة وتداول الكربون على مستوى البلاد في التاسع عشر من ديسمبر 2017، وهو الأكبر على مستوى العالم- أكبر من سوق الاتحاد الأوروبي وسوق کالیفورنیا- مما يعزز دور الصين كدولة رائدة بازغة في مكافحة تغير المناخ.

بعد اختبار تجربة تجارة الكربون منذ عام 2013 في سبع مدن رائدة، من بينها بكين، والتي شهدت قيمة تداولات وصلت إلى 6ر4 مليارات يوان (الدولار الأمريكي يساوي 4ر6 يوانات) في نوفمبر، مع حصص انبعاثات تجاوزت 200 مليون طن، الآن سيتم توسيع هذه الممارسة على الصعيد الوطني، لتغطي السوق الجديدة الصناعات الرئيسية بما في ذلك الكهرباء والصلب والبتروكيماويات والهندسة الكيميائية ومواد البناء وصناعة الورق والمعادن غير الحديدية والطيران، وما إلى ذلك.

وبحسب اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، من المتوقع أن تشمل السوق الجديدة حوالي 1700 شركة من شركات توليد الطاقة في البلاد مع انبعاثات سنوية تقدر بثلاثة مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون. واعتبر خبراء المناخ أن هذه الخطة خطوة نحو الاتجاه الصحيح من خلال استهداف صناعة توليد الطاقة، وهي أكبر مصدر للانبعاثات في الصين، وكذلك أكبر صناعة مستهلكة للفحم حيث أن أكثر من 50% من استهلاك الفحم في الصين يأتي من هذه الصناعة.

وبموجب مخطط السوق، فإن كل نوع من مصادر توليد الطاقة، مثل الفحم أو الغاز الطبيعي، سيكون له سقف انبعاثات خاص به، وتخصص الشركات حصصا للانبعاثات، ويسمح لتلك التي تنتج أكثر من حصتها من الانبعاثات بشراء حصص غير مستخدمة في السوق من تلك التي تسبب تلوثا أقل.

وبحلول موعد تنفيذ البرنامج بالكامل اعتبارا من عام 2020، من المتوقع أن يغطي حوالي 5 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يمثل جزءا كبيرا- نحو 15%- من إجمالي الانبعاثات العالمية.

إن عزم الصين على تمسكها بالتزاماتها المناخية، والإنجازات التي تحققها في هذا المجال يضعها في موقع ريادي وقيادي للجهود الدولية الرامية للحد من الاحتباس الحراري.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037