
في الثلاثين من مايو عام 1956، أقامت الصين ومصر العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي. ويعد ذلك حدثا مفصليا ذا مكانة تاريخية فريدة، إذ جسد إدراكا عميقا لدى الجانبين للقيمة الإستراتيجية التي يمثلها كل منهما للآخر، ودشن عهدا جديدا في العلاقات الصينية- العربية، وأرسى أساسا متينا لازدهار العلاقات الصينية- العربية والعلاقات الصينية- الأفريقية.
على مدى سبعين عاما من التعاون الودي بين الصين ومصر، مضت العلاقات بين البلدين بخطى ثابتة رغم ما شهده العالم من تحولات وتقلبات، وذلك بفضل ما تتمتع به هذه العلاقات من دوافع داخلية قوية.
أولا، التواصل الودي أساس تاريخي متين للعلاقات. كان طريق الحرير وطريق التوابل شاهدين على تاريخ طويل من التواصل بين الصين ومصر. في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، كانت مصر محطة مهمة على طريق الحرير البحري في اتجاه أوروبا، وازدهرت فيها تجارة إعادة التصدير. وقد عثر علماء الآثار في مدينة الفسطاط القديمة بالقاهرة على كميات كبيرة من الخزف الصيني (يطلق المصريون على الخزف اسم "صيني"). وشملت المكتشفات أنواعا متعددة من الخزف، من بينها خزف "تانغسانتساي" (الخزف الثلاثي الألوان) والخزف الأخضر والخزف الأبيض لفترة أسرة تانغ (618- 907م)، والخزف الأزرق والأبيض والخزف المتعدد الألوان لفترة أسرتي مينغ وتشينغ (1368- 1911م). كذلك تشهد هذه القطع الخزفية البديعة على تاريخ طويل من التبادل الاقتصادي والتجاري بين الشعبين الصيني والمصري.
ولم تكن طرق التجارة القديمة مجرد ممرات تصل بين الصين ومصر، بل كانت أيضا قنوات لانتقال الثقافات والأفكار والمعارف العلمية. فقد انتقلت اختراعات صينية كبرى، من بينها صناعة الورق والطباعة، عبر آسيا الوسطى وبلاد الرافدين إلى مصر، ومن مصر واصلت طريقها عبر شمالي أفريقيا إلى أوروبا. ومن ثم، شكلت مصر إحدى الحلقات المهمة التي ربطت الصين بالعالم الغربي.
ثانيا، التعامل على قدم المساواة يرسخ الثقة الإستراتيجية. طرحت الصين المبادئ الخمسة للتعايش السلمي لأول مرة في عام 1953. ثم دعت في عام 1954، بالاشتراك مع الهند وميانمار، إلى اتخاذ هذه المبادئ كقواعد أساسية للعلاقات بين الدول. خلال مؤتمر باندونغ، أجرى رئيس مجلس الدولة الصيني تشو أن لاي والرئيس المصري جمال عبد الناصر مباحثات معمقة. وعملت الصين ومصر، بالاشتراك مع الأطراف الأخرى المشاركة في المؤتمر، على صياغة مبادئ باندونغ العشرة على أساس روح المبادئ الخمسة. من هنا، أصبحت مبادئ باندونغ العشرة من القواعد الأساسية للعلاقات الدولية، كما أسهمت في إزالة العقبات التي كانت تعترض مسار التقارب بين الصين ومصر، ومهدت بقوة لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما رسميا عام 1956.
على مدى سبعين عاما، ظل التعامل على قدم المساواة من أبرز السمات في العلاقات الصينية- المصرية. فقد تجاوزت علاقات البلدين نمط "المركز والأطراف" الذي ساد العلاقات الدولية التقليدية. وفي أجواء من الاحترام والتفاهم والثقة المتبادلة، نجح الجانبان في بناء الثقة الإستراتيجية الرفيعة المستوى. لم تتأثر هذه الثقة بتقلبات البيئة الخارجية، بل اجتازت اختبارات التحولات الدولية المتعاقبة، لتشكل أساسا متينا للعلاقات الودية بين البلدين، وتدفعها باستمرار نحو الارتقاء النوعي.
وعلى الساحة الدولية، يحافظ البلدان على تنسيق وثيق ومشاورات مستمرة، ويتبادلان الدعم والتنسيق بشأن قضايا مهمة، من بينها حقوق الإنسان وإصلاح الأمم المتحدة. كما يدعوان معا إلى الاحترام المتبادل والحوار على قدم المساواة بين الحضارات والأديان المختلفة، ويؤكدان ضرورة احترام حق كل دولة في اختيار طريق التنمية الذي يتناسب مع ظروفها الوطنية، ويرفضان أي محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
ثالثا، النهضة الوطنية تطلع مشترك. الصين ومصر حضارتان عريقتان ذواتا تاريخ مشرق، غير أنهما تعرضتا في العصر الحديث للعدوان والاضطهاد من جانب القوى الغربية. وقد أسهمت هذه الذاكرة التاريخية المشتركة في ترسيخ وعي عميق لدى البلدين بضرورة تحقيق النهضة الوطنية، وجعلت منهما شريكين مهمين في مسيرتهما نحو التحديث والنهضة الوطنية.
حاليا، تمر الصين ومصر، بوصفهما دولتين ناميتين لهما تأثير واسع، بمرحلة حاسمة في مسيرة التحديث. في إطار التآزر العميق بين "رؤية مصر 2030" والبناء العالي الجودة لمبادرة "الحزام والطريق"، يعمل البلدان جنبا إلى جنب على تنفيذ مبادرة "التنمية العالمية" ومبادرة "الأمن العالمي" ومبادرة "الحضارة العالمية" ومبادرة "الحوكمة العالمية". وتواصل الصين دعم مصر في توطيد أسسها الصناعية وتعزيز مرونة سلاسل التوريد فيها. فيما تستفيد مصر من موقعها الجغرافي المتميز لتصبح مركزا محوريا لنقل المنتجات الصينية إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. هكذا يحول البلدان رؤيتيهما التنمويتين إلى فرص مشتركة للنمو، ويجعلان من تطلعهما إلى تحقيق النهضة الوطنية قوة دافعة للتنمية المشتركة.
رابعا، التبادل الحضاري يعزز بلورة رؤية مشتركة. ظل التعاون الودي بين الصين ومصر متينا ومتواصلا على مدى سبعين عاما، رغم ما شهده العالم من تحولات وتقلبات، ويرجع ذلك إلى ما بين الحضارتين من تناغم عميق في القيم والرؤى. على الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصل بين البلدين، حيث تقع الصين في شرقي آسيا ومصر في شمالي أفريقيا، فإن الحضارتين تلتقيان في كثير من القيم والرؤى التي تعكس جوهر "حكمة الشرق"، مثل الحرص على المصلحة الجماعية والنأي عن النزعة الفردية المفرطة، والاهتمام بالأسرة والانسجام الاجتماعي، والحرص منذ القدم على الحكم الموحد والمنظم للدولة، والإيمان بأهمية وجود نظام حكم مركزي قوي وفعال، والالتزام في العلاقات الخارجية بالانفتاح والتسامح بعيدا عن منطق المحصلة الصفرية.
في الوقت الراهن، تقف الحضارة الإنسانية عند مفترق طرق. وترى الصين ومصر ضرورة تجاوز أنماط الحوكمة التقليدية التي ظل الغرب مهيمنا عليها، وتميلان إلى تسوية الخلافات بالحوار والتشاور، ومواجهة الأزمات بالتضامن والتعاون، وحشد الطاقات والجهود من خلال التواصل والتبادل بين الحضارات. وتمتلك الصين ومصر رؤى وحكما مغايرة للنموذج الفكري الغربي، مما يتيح لهما، من خلال تعزيز الحوار والتعاون بينهما، الإسهام في دفع عملية تحول الحضارة الإنسانية.
من خلال استعراض الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر، يمكن استخلاص ثلاث سمات رئيسية:
أولا، الطابع الإستراتيجي وروح الشراكة. إن العلاقات الإستراتيجية بين الصين ومصر ليست تدبيرا ظرفيا ولا مناورة تكتيكية، بل تقوم على المصالح الجوهرية والبعيدة المدى للبلدين، كذلك ينظر كل منهما إلى الآخر كشريك مهم وموثوق به. ولم يأت هذا الطابع الإستراتيجي للعلاقات بين البلدين من فراغ، بل يستند إلى مكانتيهما في الساحة الدولية، وإلى رصيد طويل من الصداقة التاريخية، فضلا عن تطلعهما إلى آفاق أرحب للتعاون الودي بين الجانبين في المستقبل. تعد مصر قوة إقليمية مهمة ذات تأثير بارز في الشرق الأوسط وأفريقيا. ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر في عام 1956، حرصت قيادات البلدين المتعاقبة على مواكبة التحولات الدولية، وربط التعاون الثنائي باحتياجات التحديث والتنمية في كل منهما، وتعميق التنسيق بينهما باستمرار. وقد اتفق الجانبان دائما على أن الصداقة الصينية- المصرية تتمتع بآفاق واسعة، وتتوافق تماما مع المصالح الأساسية للشعبين الصيني والمصري. واليوم، يمضي البلدان بخطى ثابتة نحو بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين ومصر في العصر الجديد.
ثانيا، الشراكة الشاملة والمتعددة الأبعاد. من ناحية، تجاوز التعاون الإستراتيجي بين الصين ومصر الإطارين السياسي والاقتصادي التقليديين، وتطور تدريجيا ليشمل مختلف المجالات. فقد حدد البيان المشترك بشأن إقامة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر، الصادر عام 2014، ستة مجالات رئيسية للتعاون، وهي مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والتبادل الثقافي والشؤون الدولية، فضلا عن العلوم والتكنولوجيا. على هذا الأساس، حدد ((البرنامج التنفيذي لخمس سنوات بشأن تعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة)) الصادر عام 2016، نطاق التعاون الموسع ومجالاته بصورة أكثر تفصيلا ليشمل عشرة مجالات رئيسية، هي: السياسة، والتجارة والاقتصاد والاستثمار والتعاون المصرفي، والشؤون العسكرية والأمنية، والعلوم والتكنولوجيا والفضاء والطاقة النووية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والثقافة والإعلام والسياحة والتعليم والتبادل الثقافي، والبيئة والزراعة والغابات، والطاقة وصناعة النفط والغاز، والصحة، والقضاء والشؤون القانونية، إلى جانب الشؤون الدولية والإقليمية.
ومن ناحية أخرى، لا تقتصر العلاقات الصينية- المصرية على المستوى الثنائي، بل ترتبط أيضا بقضايا السلام والاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط وأفريقيا. فإلى جانب التعاون في إطار اللجان المشتركة بين البلدين في مختلف المجالات، تتعاون الصين ومصر أيضا ضمن منتدى التعاون الصيني- العربي، ومنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، والأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والآليات الدولية. ولا يسهم هذا التنسيق في الأطر المتعددة الأطراف في الارتقاء المستمر بالعلاقات الثنائية فحسب، وإنما أيضا يقدم نموذجا يحتذى به لتعميق التعاون الودي بين الصين والدول العربية والأفريقية النامية.
ثالثا، الطابع البعيد المدى والرؤية الاستشرافية. يقوم التعاون الإستراتيجي بين الصين ومصر على رؤية بعيدة المدى، تجمع بين البناء على التراكم التاريخي واستكشاف الإمكانات المستقبلية. وقد وضع ((البرنامج التنفيذي لخمس سنوات بشأن تعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة)) تخطيطا شاملا وعمليا للتعاون بين البلدين، يراعي متطلبات الحاضر ويستشرف آفاق التعاون على المدى البعيد.
سبعون عاما مرت، وتزداد حيوية العلاقات الصينية- المصرية مع مرور الزمن، وتبرز قيمتها الإستراتيجية بصورة أوضح في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، بما يعكس الدوافع الداخلية القوية التي تتمتع بها. لا تضخ هذه العلاقات مزيدا من الاستقرار واليقين في منطقة الشرق الأوسط التي تتكرر فيها الاضطرابات وتتوالى النزاعات فحسب، وإنما أيضا تسهم في تعزيز تضامن دول "الجنوب العالمي" في مساعيها الرامية إلى الاعتماد على الذات. ولا تمثل العلاقات الجيدة بين الصين ومصر أساسا للتطور المطرد للعلاقات الصينية- العربية والصينية- الأفريقية فحسب، وإنما أيضا تعد قوة دافعة لبناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين والدول العربية وبين الصين والدول الأفريقية في العصر الجديد. بالنظر إلى المستقبل، ستظل الجذور التاريخية الراسخة والثقة الإستراتيجية المتبادلة والتطلع المشترك إلى النهضة والتقارب الحضاري محركات مهمة لضخ حيوية قوية للعلاقات الصينية- المصرية في مرحلة جديدة من مسيرتها التاريخية.
--
وانغ لين تسونغ، رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، وباحث في معهد دراسات غربي آسيا وأفريقيا بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ونائب رئيس معهد الصين- أفريقيا من عام 2019 إلى عام 2025.
