تقع محافظة قانغتشا في ولاية هايبي الذاتية الحكم لقومية التبت على الضفة الشمالية لبحيرة تشينغهاي، على بعد نحو مائتي كيلومتر من شينينغ، حاضرة مقاطعة تشينغهاي. في أعماق المراعي ببلدة شاليوخه، تربض قرية جديدة ونظيفة اسمها قولوغ تسانقونغما، يبلغ متوسط ارتفاعها ثلاثة آلاف وثلاثمائة متر فوق سطح البحر، وتحيط بها الجبال المكللة بالثلوج والمراعي الشاسعة. وتصطف المنازل الجديدة ذات الطراز التبتي، ويرفرف فوق كل منزل العلم الأحمر ذو النجوم الخمس.
في الماضي، كانت قولوغ تسانقونغما قرية رعوية معزولة وفقيرة، حيث كان الرعاة متناثرين في المراعي، ويسكنون في أكواخ طينية، ويشربون من مياه الأنهار، ويسلكون طرقا ترابية، ويواجهون صعوبة في تعليم أطفالهم وعلاج المسنين منهم. أما الآن، فقد تخلصت القرية من الفقر بشكل كامل، وتحسنت البنية التحتية والتعليم والصحة ورعاية المسنين تدريجيا، وتطورت التربية الإيكولوجية للمواشي والحرف اليدوية القومية جنبا إلى جنب، ودخل البث المباشر للتجارة الإلكترونية إلى حياة الرعاة. وأصبحت هذه القرية الجديدة الواقعة على الهضبة صالحة للعيش والعمل ومتضامنة ومتناغمة، وتجسد نموذجا حيا للنهضة الريفية في العصر الجديد.
الحياة السعيدة تكمن في السياسات الجيدة
عندما تدخل منزل الراعي سونام تسرينغ، ترى فناء نظيفا ومرتبا، وعلى جدار غرفة الاستقبال توجد صورة مؤثرة اُلتقطت في الثامن من يونيو عام 2021، عندما زار الرئيس شي جين بينغ منزل سونام تسرينغ، وجلس بين أفراد الأسرة، وتجاذب معهم أطراف الحديث بابتسامة دافئة. وما إن يذكر سونام تسرينغ زيارة الرئيس شي للقرية، حتى ترتسم البهجة على وجهه، ويقول: "دخل الرئيس شي منزلي، وتفقد كل غرفة فيه، وسألني عن أحوال المعيشة ودخل الأسرة. فأريته صورة قديمة لمنزلنا السابق في المراعي، الذي كان يقع على بعد سبعة عشر كيلومترا من هنا. كان منزلا صغيرا مبنيا بالطين والطوب اللبن، لا يضم سوى غرفتين ضيقتين. أخذ الرئيس شي الصورة وتأملها مليا، وقال إن ظروف الحياة كانت صعبة في الماضي، لكنها تحسنت كثيرا الآن."
يقع وادي تشاما على بعد سبعة عشر كيلومترا من الموقع الحالي لقرية قولوغ تسانقونغما، حيث كانت تعيش أسرة سونام تسرينغ، المكونة من أربعة أفراد في تلك الأرض العشبية القاحلة. كانت ابنته تذهب إلى المدرسة بدراجة نارية على طريق مغطى بالحصى، ولم يكن يراها إلا مرة واحدة كل شهر. قال سونام تسرينغ: "في كل مرة تبدأ فيها الدراسة، كانت عيناها تفيضان بالدموع، وكان قلبي ينفطر ألما."
كانت سياسة إعادة التوطين في إطار جهود التخفيف من حدة الفقر بمثابة الغيث لأسرة سونام تسرينغ، الذي قال: "أخبرني أمين فرع الحزب في القرية أن الدولة تمنح إعانة قدرها سبعة وأربعون ألف يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا)، بينما يتحمل الفرد خمسة عشر ألف يوان فقط، وبذلك يمكنني الانتقال إلى منزل كبير. لذلك لم أتردد في التسجيل." في ذلك العام، انتقلت عائلة سونام تسرينغ مع 131 أسرة رعوية أخرى إلى منازل جديدة على مشارف البلدة.
بدأت الحياة السعيدة بعد الانتقال إلى قولوغ تسانقونغما. فقد زودت القرية بالكهرباء والمياه، وبنيت المنازل في صفوف متناسقة، واكتست الساحات بالنظافة، وعم النقاء كل بيت. آنذاك، كانت عائلة سونام تسرينغ تمتلك ثمانية رؤوس من الأبقار فقط، وبعد عام واحد، أدرجت ضمن الأسر الفقيرة المسجلة. قال سونام تسرينغ: "أخبرني مسؤولو القرية أن الدولة تقدم دعما ماليا لشراء الأغنام من أموال مكافحة الفقر." شعر سونام تسرينغ بالثقة في هذه السياسات، ولم يتردد في التقدم بطلب للحصول على قرض صغير بقيمة خمسين ألف يوان لتربية المزيد من المواشي والأغنام. بعد سنوات من العمل الجاد، أصبحت أسرة سونام تسرينغ تمتلك سبعين رأسا من الياك ومائتي رأس من الأغنام. حصلت ابنته الكبرى على وظيفة في القطاع العام، بينما يعمل زوجها في أحد المراكز الإعلامية بمحافظة قانغتشا، بينما تربي الابنة الثانية وزوجها الماشية والأغنام. في عام 2025، تجاوز إجمالي دخل أسرة سونام تسرينغ مائتي ألف يوان.
تحدث سونام تسرينغ عن التغيرات التي شهدتها حياته بابتسامة، قائلا: "قبل مغادرة الرئيس شي، قال لنا: 'عليكم أن تؤمنوا بأن الغد سيكون أفضل!' وما زالت هذه الكلمات محفورة في قلبي حتى اليوم. وبصراحة، فإن حياتنا الحالية ما كنا نتخيلها، فنحن نتمتع بمسكن مريح وخدمات الرعاية الصحية والتعليم وأرباح من المنظمة الاقتصادية الجماعية للقرية. وكل ما ننعم به اليوم يعود إلى هذه السياسات المباركة."
قال تنزين تسرينغ، نائب رئيس بلدة شاليوخه، إن المنظمة الاقتصادية الجماعية في قرية قولوغ تسانقونغما كانت قبل عام 2021 تعتمد بشكل أساسي على تربية إناث المواشي التي يحصلون عليها من التعاونيات مجانا أو بتكلفة قليلة، على أن تسترد التعاونيات نسبة متفق عليها من إنتاجها ثم تعيد توزيعها مرة أخرى، وتأجير المرافق الإنتاجية التابعة للقرية. كانت تنمية القرية تفتقر إلى التوجهات الإستراتيجية الواضحة، مما أدى إلى وقوع الرعاة في حالة من الجمود فيما يتعلق بزيادة دخولهم. ومنذ زيارة الرئيس شي جين بينغ للقرية في الثامن من يونيو عام 2021، تحولت قرية قولوغ تسانقونغما من نمط الرعي التقليدي إلى أنماط جديدة من السياحة الريفية وتربية المواشي المميزة، فتشكل لديها تدريجيا نموذج تنموي يشمل الرحلات الدراسية الحمراء والسياحة المميزة وتربية المواشي العالية الكفاءة والزراعة من دون تربة وقطفها وتصنيع المنتجات الثانوية الحيوانية وتصميم وتطوير المنتجات الثقافية الإبداعية، حيث تتقدم جميع هذه المجالات جنبا إلى جنب.
قال تنزين تسرينغ بثقة: "سيسهم إنجاز وتشغيل هذه المشروعات إسهاما كبيرا في دفع اقتصاد البلدة بأكملها نحو الاستدامة والتوسع المنظم، وسيحقق زيادة ملموسة في دخل القرية والرعاة."
من "قطع الأشجار" إلى "حماية الخضرة"
لم تحقق قرية قولوغ تسانقونغما تحسين ظروف السكن فحسب، وإنما أيضا شهدت تحولا عميقا في وعي السكان.
يعمل سونام تسرينغ في وظيفة حارس بيئي في قرية قولوغ تسانقونغما، وهو من بين 49 حارسا و59 عاملا للنظافة يشكلون فريق المراقبة اليومية، ويتجولون يوميا في الجبال وحول البحيرات لجمع النفايات، ويراقبون أوضاع المراعي ويرصدون أي تدهور قد يطرأ عليها. قال سونام تسرينغ: "في الماضي، كنا نقطع الشجيرات للتدفئة في الشتاء، أما اليوم فلا يمكننا المساس ولو بنبتة واحدة. إن حماية البيئة تمثل خطا أحمرا بالنسبة لنا."
هذا يعكس تحولا عميقا في المفهوم الإيكولوجي للقرية على مدى عقد من الزمن. ففي الماضي، كان بعض الرعاة يقطعون الشجيرات لتلبية احتياجات تدفئة المنازل وبنائها. أما اليوم، فقد أصبحت المحافظة على كل نبتة وشجرة وعيا مشتركا لدى كل سكان القرية.
أطلقت القرية نظام رؤساء الغابات ورؤساء الأنهار والبحيرات، مما أسهم في المحافظة على جودة المياه في المقاطع الحدودية للأنهار الرئيسية وجعلها مطابقة للمعايير المعتمدة، وبلغت نسبة سلامة مياه الشرب للسكان والمواشي 100%. وبفضل التعزيز المتواصل لحملات الحد من استخدام الأكياس البلاستيكية وتصنيف النفايات وتنفيذ حملات النظافة الوطنية، ارتفعت نسبة تغطية المراحيض الصحية من 23% إلى 75%، واكتست القرية بمظهر أكثر نظافة وجمالا.
قال سونام تسرينغ: "تبعد قريتنا عن خليج شياننيوي ببحيرة تشينغهاي أربعة عشر كيلومترا فقط، وهو موطن مهم لهجرة الطيور. لذلك، فإن حماية البيئة هي حماية وطننا."
وقد أتاح تحسن البيئة فرصا جديدة للتنمية. اعتمدت القرية على مواردها البيئية المتميزة لإنشاء حديقة إيكولوجية بطابع قومية التبت، كما شيدت سبعة وعشرين كوخا خشبيا على الطراز التبتي لتطوير السياحة الإيكولوجية. بالإضافة إلى ذلك، تم بناء ثلاثمائة وثمان وعشرين حظيرة مواشي موحدة لدفع التربية المستدامة للمواشي باتجاه التجمع والتحول الأخضر. في عام 2025، حققت المنظمة الاقتصادية الجماعية دخلا قدره 1ر509 آلاف يوان، من خلال تأجير المراعي والمحلات التجارية والحديقة الإيكولوجية، خصص ما يقرب من 70% منها للرعاية الصحية والضمان الاجتماعي للقرويين، مما جعل الفوائد الإيكولوجية تعم الجميع.
من "الأصابع" إلى "السحابة"
في غرفة مشرقة بالطابق الثاني لمبنى لجنة قرية قولوغ تسانقونغما، كان تسرينغ وانغتشوق، البالغ من العمر 26 عاما، يعرض منتجاته بحماسة عبر البث المباشر، قائلا: "هذا لحم ياك عضوي من مزارعنا على الهضبة، خال من الإضافات، ويصل إليكم عبر سلسلة التبريد، لتتذوقوا طعم المراعي!" أسست قرية قولوغ تسانقونغما قاعدة البث المباشر للتجارة الإلكترونية لتطوير النموذج التجاري الجديد.
تسرينغ وانغتشوق شاب تبتي كان يعمل في مجال الإعلام خارج قريته، لكنه عاد إليها في عام 2022 لريادة أعماله. وما عزز ثقته هو ما شهدته القرية من تغيرات جذرية، فقد تم إنشاء الجمعية التعاونية وتحسنت جودة المواشي وتم تعبيد الطرق ووصلت خدمات الإنترنت.
في عام 2023، حصلت محافظة قانغتشا على تمويل لبناء قاعدة للبث المباشر في القرية. وتولى تسرينغ وانغتشوق تشكيل فريق البث المباشر، حيث قام بتدريب الرعاة على مهارات التصوير والمونتاج والبث المباشر. وعن ذلك، قال: "في البداية، كان الرعاة يشعرون بالخجل أمام الكاميرا، لكنهم الآن أصبحوا يروون قصص مواشيهم أمام الكاميرا بثقة."
يجري فريق تسرينغ وانغتشوق جلسات البث المباشر على ضفاف بحيرة تشينغهاي، مع خلفية من المياه الزرقاء والسماء الصافية، لتظهر للمشاهدين روعة الهضبة ونقاء بيئتها، وقد أسهم ذلك في زيادة المبيعات بشكل ملحوظ. في العام الماضي، شكلت مبيعات البث المباشر أكثر من عُشر دخل المنظمة الاقتصادية الجماعية، وتم تسويق لحم الياك والأغنام في مقاطعات شاندونغ وسيتشوان وتشجيانغ.
في هذا العام، افتتحت قرية قولوغ تسانقونغما متاجر مباشرة للمنتجات المحلية في مدينتي لياوتشنغ بمقاطعة شاندونغ وتشنغدو بمقاطعة سيتشوان، وتوسعت شبكة التبريد، وأصبحت سلسلة "من المرعى إلى المائدة" أكثر سلاسة. وصف تسرينغ وانغتشوق حلمه قائلا: "أريد إنشاء علامة تجارية ثقافية لقرية قولوغ تسانقونغما، وتطوير المنتجات لتشمل لوحات التانغكا (اللوحات الدينية التبتية) والتطريز التبتي والرسوم الجلدية لتعريف العالم بثقافتنا."
تربط شبكة الإنترنت الريف بالمدينة، ويغير الهاتف المحمول أنماط الحياة. حاليا، يقبل المزيد من الشباب على العمل في البث المباشر، وتزدهر فعاليات تدريب التجارة الإلكترونية. كما تنسجم الصناعات التقليدية مع العصر الرقمي، وتدخل حياة الرعاة على الهضبة، وتتطور في المسار السريع للتنمية العالية الجودة.
