في ميناء يانغبو، الواقع في الطرف الشمالي الغربي لجزيرة هاينان، تنتظم الرافعات الجسرية العملاقة في صفوف متراصة لترفع الحاويات من السفن القادمة والمغادرة وتنقلها بوتيرة متسارعة، لترسم مشهدا حيا يجسد تكاملا ديناميكيا بين البر والبحر.
مع الإطلاق الرسمي للعمليات الجمركية الخاصة في جميع أنحاء جزيرة هاينان، شهد حجم الأعمال في الميناء زيادة متواصلة. وقال لين هونغ بين، مدير فرع يانغبو لمحطة إرشاد السفن بمقاطعة هاينان، إن سفينة واحدة من كل سفينتين دوليتين يقوم بإرشادهما تنتمي إلى فئة السفن العملاقة التي يتجاوز طولها مائتي متر. ومنذ بدء تنفيذ العمليات الجمركية الخاصة في جميع أنحاء الجزيرة، زاد عدد عمليات إرشاد هذا النوع من السفن العملاقة بنحو 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ما وراء هذه التحولات هو التموضع الإستراتيجي لميناء يانغبو بوصفه "منطقة رائدة" و"منطقة نموذجية" ضمن ميناء هاينان للتجارة الحرة. واستنادا إلى سلسلة من السياسات الرائدة، وفي مقدمتها سياسة تسجيل السفن في "ميناء يانغبو الصيني"، يمضي هذا الميناء قدما من خلال تكامل الابتكار المؤسسي، لتسريع توسيع شبكة خطوطه الملاحية العالمية وتعميق تعاونه في الأعمال الدولية، ليشق مسارا تصاعديا ينتقل به من ميناء طبيعي عميق المياه إلى مركز دولي للنقل البحري، في خضم جولة الصين الجديدة من الانفتاح العالي المستوى على الخارج.
تحقيق حلم جميل عمره مائة عام وبناء ميناء رائد
يرتبط تطور ميناء يانغبو ارتباطا وثيقا بمزاياه الجغرافية الطبيعية وبالترتيبات الإستراتيجية الصينية. فعلى امتداد التاريخ، حظيت هذه المنطقة بتوقعات كبيرة. إذ اقترح السياسي تشانغ تشي دونغ، في أواخر فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م)، إنشاء ميناء في هذا الموقع؛ ثم وضع الرائد العظيم للثورة الديمقراطية في الصين، صون يات صن، في كتابه ((إستراتيجية إعادة الإعمار الوطني))، خطة لجعل هذا المكان "ميناء كبيرا في الصين مستقبلا". وفي سبعينيات القرن العشرين، أدرج رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك، تشو أن لاي، مشروع ميناء يانغبو ضمن الخطة الوطنية لبناء الموانئ الرئيسية.
تتمتع يانغبو بأفضل موارد السواحل العميقة المياه في هاينان، وتبعد حوالي عشرين ميلا بحريا عن خط الملاحة الدولي الرئيسي، مما يجعلها نقطة وصل مهمة بين المسارات البحرية التي تربط بين المحيطين الهادئ والهندي. غير أن تطور الميناء ظل، لفترة من الزمن، بطيئا بسبب محدودية البنية التحتية للنقل وضعف القاعدة الصناعية. فعند تأسيس منطقة يانغبو للتنمية الاقتصادية عام 1992، لم يكن في الميناء سوى رصيفين بسعة عشرة آلاف طن، فيما لم يتجاوز حجم المناولة السنوي مليون طن.
لم يبدأ التحول الحقيقي لميناء يانغبو إلا بدعم من السياسات الإستراتيجية الوطنية. فبعد إطلاق بناء منطقة هاينان التجريبية للتجارة الحرة عام 2018، شهدت مكانة ميناء يانغبو صعودا ملحوظا. وقد ورد اسم "يانغبو" سبع مرات في ((الخطة الشاملة لبناء ميناء هاينان للتجارة الحرة))، حيث تم تحديدها "منطقة رائدة" و"منطقة نموذجية"، ومن ثم دخل ميناء يانغبو مرحلة التطور السريع.
قال دنغ شياو لونغ، مراسل محطة تلفزيون يانغبو، الذي يوثق تحولات الميناء منذ عام 2016: "إذا أردنا اليوم أن تلتقط طائرة مسيرة صورة كاملة للميناء، فعليها أن تحلق على مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات." واستعاد ذكرياته قائلا: "في السابق، كانت الأرصفة قليلة، ولم يكن بوسعها استقبال سوى سفن حاويات بحمولة أربعين أو خمسين ألف طن. أما اليوم، فقد امتد خط الرصيف إلى ما يقارب ألفي متر، وأصبحت سفن الحاويات الكبيرة بسعة مائة وخمسين ألف طن ومائتي ألف طن من الزوار الدائمين لميناء يانغبو."
وتؤكد الأرقام حجم التحول الكبير الذي شهده ميناء يانغبو. فعندما تسلم سو تشوه يي، مدير التحكم عن بعد في الإنتاج بشركة قانغهانغ للموانئ والملاحة الدولية، عمله عام 2018، لم يكن في الميناء سوى أربع رافعات جسرية، فيما كان حجم المناولة السنوي يزيد قليلا على مائتي ألف حاوية مكافئة. أما الآن، فقد ازداد عدد الرافعات الجسرية بشكل ملحوظ، وبحلول عام 2025 تجاوز حجم المناولة في الرصيف ثلاثة ملايين حاوية مكافئة، ولا يزال الميناء يتطلع إلى أهداف أكبر.
وفقا للإحصاءات الرسمية، بلغ حجم مناولة البضائع في ميناء يانغبو عام 2025 نحو 948ر85 مليون طن، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 64ر29%. ومن بين ذلك، بلغ حجم مناولة بضائع التجارة الخارجية 4816ر42 مليون طن، مسجلا نموا سنويا بنسبة 82ر12%. وتعكس هذه الأرقام المتصاعدة الصعود التدريجي لعوائد السياسات التي أتاحها ميناء هاينان للتجارة الحرة.
الابتكار المؤسسي.. قوة محركة أساسية
ما يكمن وراء ازدهار الميناء هو الابتكار المؤسسي العميق، الذي يشكل قوة دافعة لتطور ميناء يانغبو. ومن بين السياسات الابتكارية، تبرز "سياسة تسجيل السفن في ميناء يانغبو الصيني".
في يونيو عام 2020، نص ((الخطة الشاملة لبناء ميناء هاينان للتجارة الحرة)) رسميا على إنشاء "ميناء يانغبو الصيني" كميناء جديد لتسجيل السفن. وقد استند هذا النظام إلى المعايير الدولية، وطرح سلسلة من السياسات التفضيلية الجاذبة للغاية؛ إذ يمكن للشركات المسجلة في ميناء هاينان للتجارة الحرة، عند استيراد سفن مخصصة للنقل، الاستفادة من سياسة "صفر رسوم جمركية". كما يحق للسفن المبنية داخل الصين، والمسجلة في "ميناء يانغبو الصيني" والمزاولة للنقل الدولي، الاستفادة من استرداد ضريبة الصادرات. إضافة إلى ذلك، يمكن للشركات والأفراد الذين يستوفون الشروط الاستفادة من تخفيض بنسبة 15% لكل من ضريبة دخل الشركات وضريبة الدخل الفردي.
وقد جذبت هذه السياسات شركات الشحن بسرعة. وأوضحت قه لي تشياو، مديرة قسم تنمية النقل البحري بمصلحة إدارة تسجيل السفن الدولية في هاينان، أنه لتسهيل الإجراءات على الشركات، أطلقت المصلحة خدمات مثل "استكمال كافة الإجراءات في مكان واحد" و"تعيين مسؤول مختص لتقديم خدمات مميزة"، إلى جانب تقليل متطلبات مستندات تسجيل السفن بنسبة 60%، مما رفع كفاءة إجراءات التصديق إلى مستوى يماثل المراكز الدولية للنقل البحري مثل سنغافورة ومنطقة هونغ كونغ الصينية الإدارية الخاصة. وحتى نهاية عام 2025، بلغ عدد السفن الدولية المسجلة في "ميناء يانغبو الصيني" 82 سفينة، بإجمالي حمولة ساكنة تجاوزت 6ر7 ملايين طن، ليحتل المرتبة الأولى بين مناطق التجارة الحرة في الصين من حيث إجمالي الحمولة.
كما يتجلى الابتكار المؤسسي في جوانب أخرى من تشغيل الميناء. وبالاستفادة من نموذج "التسليم المتدرج والتصريح المجمع" الذي طبق بعد بدء العمليات الجمركية الخاصة في جميع أنحاء الجزيرة، شهدت شركة سينوبك للتكرير والبتروكيماويات في هاينان تحسنا ملحوظا في كفاءة التخليص الجمركي وتسريعا في معدل دوران رأس المال. وقال سونغ بنغ جيون، نائب مدير إدارة التخطيط والتشغيل بالشركة، إنه بات من الممكن شحن البضائع على دفعات أولا، مع منح فترة سماح تتجاوز شهرا لتقديم التصريح، الأمر الذي قدم للشركة دعما كبيرا.
بناء شبكة خطوط ملاحية عالمية
في ظل الدعم المزدوج من البنية التحتية والسياسات، يسرع ميناء يانغبو وتيرة بناء شبكة خطوط ملاحية عالمية، ويسعى إلى أن يكون مركزا إقليميا للنقل البحري الدولي.
حاليا، افتتح ميناء يانغبو 65 خطا ملاحيا للتجارة الداخلية والخارجية. في مجال التجارة الداخلية، تغطي الخطوط الملاحية الموانئ الساحلية الرئيسية داخل البلاد، وترتبط بكفاءة عالية بمنطقة خليج بيبو ومنطقة خليج قوانغدونغ- هونغ كونغ- ماكاو الكبرى. أما على صعيد التجارة الخارجية، فقد أطلق الميناء تباعا خطوطا بحرية مباشرة بعيدة المدى إلى الساحل الغربي والساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية والساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، مما سد الفراغ في خطوط الملاحة العابرة للقارات انطلاقا من هاينان. كما أقام علاقة توأمة مع ميناء أبوظبي، ما أسهم في تعميق الروابط الاقتصادية والتجارية مع منطقة الشرق الأوسط. وعلى المستوى الآسيوي، تشكلت بالفعل شبكة ملاحية تغطي الدول الأعضاء في الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة.
غالبا ما يقارن الناس التطور السريع لميناء يانغبو بميناء سنغافورة. غير أن تشن تشي، نائب رئيس مصلحة تعزيز الاستثمار في يانغبو، أوضح أن هذه المقارنة تنطوي على قدر من سوء الفهم، لأن كلا من ميناء يانغبو وميناء سنغافورة يتبنيان في جوهر الأمر، نمطا من التنمية المتمايزة، حيث يغلب التكامل على المنافسة. وفي الواقع، يشهد التعاون بين الجانبين تعمقا متواصلا؛ فقد وقعت شركة قانغهانغ للموانئ والملاحة الدولية مذكرة تفاهم للتعاون مع مجموعة موانئ سنغافورة، لتعزيز التنسيق في مجالات تكثيف الخطوط الملاحية ورفع كفاءة العمليات، بما يوفر ممرات أكثر سلاسة لحركة الصادرات والواردات بين الصين ورابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان).
يبرز التحول الذي يشهده ميناء يانغبو بصورة حية مسار توسيع الانفتاح في الصين في العصر الجديد، كما يعكس بشكل مكثف ثمار بناء ميناء هاينان للتجارة الحرة. ومع المضي قدما في التنفيذ الشامل للعمليات الجمركية الخاصة في جميع أنحاء الجزيرة، فإن ذلك الميناء الطبيعي العميق المياه والهادئ، بات ينبض بحيوية متجددة، منطلقا بأقصى سرعة نحو هدفه في أن يكون ضمن مصاف الموانئ العالمية من الطراز الأول.
