ملف العدد < الرئيسية

فرانكوبان: دور الصين المتزايد سمة رئيسية للحوكمة العالمية في العصر الجديد

: مشاركة
2019-08-01 11:51:00 الصين اليوم:Source تشانغ هوي:Author

قبل أربع سنوات، صدر كتاب ((طريق الحرير: تاريخ جديد للعالم)) من تأليف بيتر فرانكوبان، أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد البريطانية، وبسرعة تصدر قوائم الأكثر مبيعا في البلدان الناطقة بالإنجليزية.

إعادة تنظيم منظور الشعوب لتاريخ العالم

 الكتاب إعادة تقييم لتاريخ العالم من خلال استكشاف القوى التي شكلت الحضارات ودفع صعود وسقوط الإمبراطوريات على طول طريق الحرير القديم. قالت عنه صحيفة ((وول ستريت جورنال)) الأمريكية: "واحدة من مواهب السيد فرانكوبان كقاصّ هي قدرته على عقد روابط غير عادية عبر قماشته الواسعة... (هو) يحشد حكايته مع سفاسف رائعة. كتب فرانكوبان كتابا نادرا يجعلك تشك في افتراضاتك حول العالم."

يقول فرانكوبان في مقدمة الكتاب، إنه خلال مراهقته كان يشعر "بالانزعاج حيال التركيز الجغرافي المحدود، الذي تلقاه في دراسته، والذي اكتفى بالتركيز على أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وأهمل بقية العالم". ويقول إنه بعد دراسة الأحداث الرئيسية في تاريخ الغرب: "كنت أنظر إلى الخارطة وأرى مناطق شاسعة من العالم، تم تجاهلها بصمت". ويقول: "ولكن هذا الحال كان معيبا؛ لقد كانت هناك طرق بديلة للنظر إلى التاريخ، تلك الطرق التي لم تتضمن النظر إلى الماضي من منظور المنتصرين في التاريخ الحديث."

مما لا شك فيه، أن الكتاب يقدم للقراء منظورا جديدا للنظر إلى التاريخ. ومن المؤكد أن نهوض الصين في العالم وبدء مبادرة "الحزام والطريق" التي أعادت إحياء طريق الحرير القديم قد لعب دورا هاما في شعبية وشهرة الكتاب. بعد نشره باللغة الصينية في عام 2016، تمت التوصية بقراءته باعتباره أحد أفضل عشرة كتب مبيعا لذلك العام، حسب تصنيف العديد من وسائل الإعلام الصينية.

في مقابلة مع مجلة ((الصين اليوم))، قال فرانكوبان: "كمؤرخ، فإن بحثي في الماضي كان يدور حول طرح أسئلة تتعلق بالروابط بين الشعوب والثقافات والمناطق والجغرافية، ورؤية ما يمكن أن نتعلمه منها. الكتابة عن التاريخ من منظور طريق الحرير هي وسيلة لإظهار أن هناك طرقا مختلفة للنظر إلى الماضي- ومشاهدة العالم- للمعايير التي يتم اعتمادها غالبا." وتابع قائلا: "كنت حريصا على إظهار أن هناك أحيانا تداعيات قارية بل وعالمية لأحداث تقع في مكان ما ويكون لها أحيانا تأثير على الجانب الآخر من العالم."

اهتم فرانكوبان بدراسة طريق الحرير. وفي حواره مع ((الصين اليوم)) قال عن ذلك: "دراسة طريق الحرير في الماضي توضح أيضا كيف ترتبط السلع والبضائع والعرض والطلب والجغرافيا والمناخ ارتباطا وثيقا. لهذا السبب فإن التفكير في التاريخ لا يساعد في إطلاعنا على ما حدث في القرون السابقة فحسب، وإنما أيضا يعدنا للتعامل مع الحاضر والمستقبل."

الامتداد الحديث لطريق الحرير القديم

 "الحزام والطريق" اليوم، وهو امتداد حديث لطريق الحرير القديم، يظهر تأثيرا متزايدا على الساحة العالمية مع ظهور مجموعة كبيرة من مشروعات مبادرة "الحزام والطريق"، في جميع أنحاء العالم لتحسين البنية التحتية والاتصالات بالعالم. بيتر فرانكوبان، المؤرخ المفتون بطريق الحرير القديم، والذي تعلم اللغتين العربية والروسية، أوضح رؤيته حول طريق الحرير الحديث في حواره مع ((الصين اليوم))، وحول مبادرة "الحزام والطريق" التي تهدف إلى زيادة التواصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. قال فرانكوبان إنه من المهم للغاية أن تعمل جميع الدول معا. وأشار إلى أن هناك حاجة ضخمة لتحسين البنية التحتية في آسيا وكذلك على مستوى العالم، مما سيسهل بالتأكيد زيادة التجارة وتطوير الوقود. ومع ذلك، نظرا للاستثمار الضخم الذي ينطوي عليه الأمر، فإن العديد من الدول لا تملك القدرة على القيام بذلك بمفردها. وأضاف: "لذا، فإن استثمارات الصين في السكك الحديدية والطرق والموانئ والمنشآت الأخرى في أجزاء من العالم يمكن أن تكون مفيدة للغاية. وبالطبع، اكتسبت الصين خبرة كبيرة في بناء مشروعات البنية التحتية الواسعة النطاق خلال الأربعين عامًا الماضية." وواصل قائلا: "أعتقد أن تحسين الروابط من خلال التجارة والتبادل الثقافي وتبادل المعرفة والخبرات يجعل العالم أكثر ازدهارا. وبرأيي أن التعاون يسهم في تحقيق ازدهار متبادل وعادة ما يوفر الظروف التي تساعدنا في قضايا أساسية مثل التفاهم الثقافي والتسامح."

في حفل افتتاح القمة الثانية لمنتدى "الحزام والطريق" للتعاون الدولي الذي أقيم في 26 إبريل 2019، أكد الرئيس شي جين بينغ في خطابه الرئيسي على أن الصين تحرص على التعاون المفتوح والأخضر والنظيف في السعي المشترك لدول "الحزام والطريق". وقال الرئيس شي: "سنطلق مشروعات بنية تحتية خضراء وننفذ استثمارات خضراء ونوفر تمويلا أخضر لحماية الأرض التي نسميها جميعا بالوطن. في مجال متابعة التعاون ضمن ’الحزام والطريق‘، يجب أن يتم كل شيء بشفافية، ويجب ألا نتسامح أو نتساهل مطلقا مع الفساد. لقد تم إطلاق مبادرة بكين لطريق الحرير النظيف، وهو ما يمثل التزامنا القوي بالشفافية والحوكمة النظيفة في متابعة التعاون في الحزام والطريق." في خطابه ذاك، أولى الرئيس شي أهمية كبيرة لرؤية التنمية المستدامة التي تدعم اختيار المشروعات وتنفيذها وإدارتها في البناء المشترك لـ"الحزام والطريق".

من جانبه، أبدى فرانكوبان إعجابه التام بتأكيد الرئيس شي على الاستدامة البيئية و"الحزام والطريق" النظيف. وقال: "التركيز على المبادرات الخضراء، والتخفيف من حدة مشكلات تغير المناخ، ومعالجة الآثار الطويلة الأجل للمشروعات الكبيرة ليست هامة فحسب بل ضرورية للغاية، لأن العديد من المشروعات التي تطورت في البنية التحتية "ملوِثة" وتضر بالبيئة. وهي تشتمل على الطاقة والطرق، وتسبب التلوث البيئي. في عالم يمر بتغير المناخ، من المهم أن تلعب الصين دورا عالميا رائدا في توضيح المخاطر ومحاولة الاستعداد لهذه المخاطر والتخفيف من حدتها."

مشهد سياسي جديد وحوكمة عالمية جديدة

شهدت العقود القليلة الماضية صعود الشرق. كثيرا ما يُسمع صوت الشرق الذي يحتل مركز الصدارة حاليا. وكما يقول كتاب فرانكوبان المثير، فقد وجدت الشهرة والثروة في الغرب منذ قرون... واليوم، الشرق هو الذي ينادي أولئك الذين يبحثون عن الثروات والمغامرة. في عالم اليوم، تتمتع الصين بصوت أعلى بكثير وقدرة أكبر بكثير على لعب دور هام على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وقال فرانكوبان لـ((الصين اليوم)): "هذا شيء يثير اهتمام الجميع في الخارج حيث يراقبون عن كثب رؤية الصين لهذه التغييرات وما الأمر الذي تعتبره الأكثر أهمية."

يعتقد فرانكوبان أن استثمارات الصين في البنية التحتية في الدول الأوروبية إيجابية للغاية وتعزز التنمية المحلية. واعترف قائلا: "الآن في أوروبا، كثير من الناس قلقون للغاية بشأن العالم المتغير. إنهم يشعرون بعدم الأمان حيال عالم لم تعد فيه أوروبا الغربية في المقدمة." وأوضح قائلا: "لقد تغير العالم كثيرا. منذ عشرين أو ثلاثين عاما، لم يكن هناك مستثمرون صينيون يبحثون عن دعم المشروعات في أوروبا، مثل بناء الطرق وتوسيع الموانئ وخطوط السكك الحديدية. ولذا، علينا في المملكة المتحدة وفي أوروبا أن نتعلم ما هو دورنا في هذه الحوكمة العالمية الجديدة. علينا أن نتعلم ما الذي ينفعنا ونرتاح للتعامل معه وفي بعض الحالات كيف ننتقي المناسب عندما يكون لدينا اختيارات متعددة."

فيما يتعلق بالتخوف من الاستثمار الصيني في بعض دول أوروبا الغربية، قال فرانكوبان: "أرى أنه إذا لم تكن هناك استثمارات من الصين، فمن الممكن جدا في بعض الحالات عدم وجود أي استثمارات على الإطلاق. لذلك يجب علينا أن نتعلم كيف نعمل ونتعاون معا."

حول المشهد الاقتصادي والسياسي المتغير في العالم، علق فرانكوبان قائلا: "هذه أوقات صعبة بالنسبة لنا جميعا في العالم اليوم. يبدو لي أن العديد من البلدان تواجه قرارات صعبة بشأن ما ينطوي عليه مستقبلها وما هي الاختيارات التي يمكنها القيام بها. جزء من المشكلة يأتي من التعليم والقيود على طرق فهم بعضنا البعض، والكيفية التي نحاول بها تقييم دوافع بعضنا البعض. وهذا يفسر بعض المشكلات الحالية، ويوفر أيضا طريقة للعمل على إيجاد حل وسط أفضل للجميع."

اعترف فرانكوبان أن هناك بعض المشكلات التي تشوب منظومة الحوكمة العالمية القائمة، والتي، حسب اعتقاده، تسير جيدا بشكل عام منذ الحرب العالمية الثانية. لقد كانت هناك فوائد، حتى في نظام غير متكامل، أعاد توزيع الثروة العالمية. لذلك في السنوات الثلاثين الماضية، استفادت دول مثل إندونيسيا وتركيا والهند والصين والمكسيك جيدا من هذا النظام. لكن ذلك أدى إلى تغييرات كبيرة في مواقع القوى العاملة وسلاسل التوريد والنمو الاقتصادي. لذا، فإن السؤال هو كيف نحاول أن تكون لدينا عولمة جديدة لإنجاح هذا العمل؟ ما هي الاستجابة الصحيحة عندما يشعر البعض أنه لا يوجد ملعب متكافئ؟ وكيف نجد طريقة لخلال خلافات الرأي التي تهدد بزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي؟"

وأشار فرانكوبان إلى أن دور الصين المتزايد يعد من السمات الرئيسية للحوكمة العالمية في هذا العصر الجديد. قال: "الصين أكثر انخراطا على مستوى العالم مما كانت عليه قبل ثلاثين أو أربعين عاما. الصين أكثر نفوذا حاليا، ولديها العديد من الفرص للمساعدة في تشكيل الحوكمة العالمية. مبادرة "الحزام والطريق" التي اقترحتها الصين بدأت العمل على مستوى عملي. أظن أنه من منظور الصين الخارجي، فإن فهم أفضل النتائج بالنسبة للمشروعات الفردية محليا وبالنسبة للصين أمر هام؛ وكذلك تقييم كيفية قياس الصين لنجاح المشروعات ولـ"الحزام والطريق" ككل؛ ورؤية كيفية تكيُف وتطوُر هذه المبادرة أمر حيوي أيضا. لكن النقطة الأساسية هي من الذي يحصل بالفعل على الفوائد؟"

هذه أسئلة مفتوحة للغاية، ومن الواضح أنه لا توجد إجابات واضحة عليها في بعض الحالات. لكن تلك هي الأسئلة التي يجب طرحها في كل وقت. وقال: "لا توجد إجابة صحيحة عنها لأن العالم يتغير كذلك."

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037