ملف العدد < الرئيسية

العولمة هي السبيل الضروري للتنمية البشرية

: مشاركة
2019-08-01 11:49:00 الصين اليوم:Source شيوي جين:Author

العولمة واحدة من الظواهر الدولية الأكثر استمرارية وبروزا في السنوات الأخيرة، وتعتبر من أهم السمات المميزة لعصرنا، ولها تأثير كبير على العلاقات الدولية. فمن ناحية، شهد المجتمع الدولي ازدهارا كبيرا للتجارة، وتسهيلا كبيرا للاستثمار، وتدفقا كبيرا للمواهب، وتطورا كبيرا للتكنولوجيا، وأصبح اعتماد كل منا على الآخر أمرا واقعا. ومن ناحية أخرى، ومع تزايد الاعتماد المتبادل، أصبحت التهديدات والتحديات التي تواجه بلدان العالم أكثر تشابها، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا مثل تغير المناخ، والأزمات المالية، والأمراض المعدية الواسعة النطاق، والهجمات الإلكترونية، وهي قضايا عالمية تتطلب التصدي لها من خلال الحوكمة العالمية. إن العولمة، كاتجاه في عصرنا، سواء نظرا لتأثيراتها الإيجابية أو السلبية، أصبحت قانونا موضوعيا ومسارا حتميا لتنمية المجتمع الدولي.

العولمة تتجه نحو البشرية بسبب التقدم العلمي وتطور الإنتاجية

إن تاريخ التنمية البشرية هو التاريخ الذي يقوم فيه الإنسان بتوسيع مجال نشاطه على أساس المتطلبات الموضوعية لتطور الإنتاجية ومستوى التقدم العلمي والتكنولوجي، بحيث ينتقل البشر من مكان إلى مكان آخر في العالم، ويتخذ أشكالا متنوعة من التفاعل والتكامل مع البشر في أماكن مختلفة. فمتى بدأت العولمة بالمعنى المعاصر؟ لا يزال الجدل بين العلماء مستمرا حول ذلك. وسواء تعلق الأمر باكتشافات جغرافية كبيرة بدأت في عام 1492، أو بالثورة الصناعية الأولى التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر، فقد كانت العولمة في الأساس توسعا في رأس المال، والسلع الأساسية، وما نتج عن ذلك من امتداد أنماط الإنتاج والحياة في جميع أنحاء العالم. يعتقد ماركس وإنجلز أن الثورة الصناعية الكبرى التي ظهرت في القرن التاسع عشر، فتحت لأول مرة آفاقا جديدة في تاريخ العالم، لأنها جعلت تلبية الاحتياجات للجميع في كل البلاد المتحضرة تعتمد على العالم كله، وقضت على حالة العزلة التي كانت عليها تلك الدول في الماضي، وأصبح الإنتاج والاستهلاك في جميع البلدان عالميا. وهذا يعني أن عملية التحديث المبنية على الثورة الصناعية الأولى دفعت بالعولمة الاقتصادية إلى ذروتها، وشكلت بالفعل ’عالمية‘ الإنتاج والاستهلاك"، مما أسفر عن بداية تاريخ عالمي قائم على العولمة الاقتصادية.

وقد أزاحت نهاية الحرب الباردة الحواجز السياسية الدولية أمام العولمة، فأفسحت السوقان المتوازيان الطريق لسوق عالمية موحدة، في حين أزالت ثورة تكنولوجيا المعلومات الحواجز التقنية التي تعترض العولمة. ونتيجة لذلك، تتزايد التجارة الحرة والتعاون المفتوح، مع زيادة تدفق عوامل الإنتاج عبر الحدود الوطنية، مثل السلع والتكنولوجيا والمعلومات والخدمات ورأس المال، وأصبح الاقتصاد العالمي أكثر تكافلا وترابطا. وفي الوقت الراهن، تؤدي جولة جديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية والصناعية، محورها ثورة تكنولوجيا المعلومات، إلى تعزيز العولمة، مما يجعل البشر يعيشون بصورة متزايدة في "قرية عالمية".

ويثبت تاريخ العولمة بجلاء أن العولمة لا تحركها الإرادة الذاتية لدى الناس، وإنما التقدم العلمي والإنتاجية. وما لم تكن أي مجموعة أو أي دولة قادرة على إعاقة التقدم العلمي والإنتاجية للبشرية، فإن اتجاه العولمة لا يمكن إيقافه. وأي سياسات أو أعمال تتعارض مع العولمة أو تناقضها، ستتعارض مع القواعد الموضوعية للتنمية البشرية في التاريخ، وتعرض النظام الدولي لتقسيم العمل والأداء السليم لسلاسل القيمة العالمية للخطر، وستلحق بها في نهاية المطاف خسائر لا تطاق لأصحابها أيضا.

العولمة "سيف ذو حدين"

ومما لا يمكن إنكاره أن العولمة سيف ذو حدين وفيها مزيج من المزايا والعيوب، وأن التنمية لم تكن خطية على الإطلاق، لكنها تتطور على شكل حلزوني، فقد تتكرر أو حتى تتراجع في بعض الأوقات. وقد أثبت تاريخ تطور العولمة أن البلدان المتقدمة النمو بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والبلدان النامية على حد سواء يمكن أن تستفيد من العولمة أو أن تتضرر منها. وفي مسيرة العولمة، استطاعت بعض البلدان أن تنمي نفسها وتقترب أكثر فأكثر من مركز الساحة الدولية، وذلك من خلال تشجيع الإصلاح والانفتاح والاندماج النشيط في مسيرة العولمة. غير أن هناك بلدانا أخرى لم تتمكن من التكيف مع موجة العولمة، فاتسعت الفجوة الإنمائية فيها مع البلدان الأخرى وأصبحت "ضحية" للعولمة. ومن ثم، فإن بعض القوى السياسية تعزو تخلف بلدانها إلى العولمة الاقتصادية، وبالتالي تصبح قوة مناهضة للعولمة.

العولمة يمكن أن تؤدي إلى اتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية الثلاث على الصعيد العالمي: أي اتساع الفجوة بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو؛ اتساع الفجوة بين البلدان النامية المختلفة وبين البلدان المتقدمة النمو المختلفة؛ اتساع الفجوة بين الطبقات داخل البلدان النامية والبلدان المتقدمة. ويمكن أن تؤدي العولمة أيضا إلى تفاقم الفقر، وإلى المضاربة المالية، وتدمير البيئة، وانخفاض مستويات الرفاه الاجتماعي، وارتفاع معدلات البطالة، وفقدان الاستقلال الثقافي في بعض البلدان. يشير باحث إلى أنه: "بالنسبة لمن يعيشون في عالم اليوم، والغارقين في عصر ’تسارع العولمة‘ في ذات الوقت، فإن العولمة لا تأتي لنا بالسعادة فقط، بل تجلب لنا الكثير من المعاناة أيضا، لأنها لا تؤدي إلى الاندماج مع الانسجام فقط، بل وتسبب احتكاكات ونزاعات أيضا."

وقال إن المشكلات الناجمة عن العولمة تعزى إلى سببين رئيسيين، أحدهما هو مشكلة العولمة الاقتصادية نفسها. تؤدي العولمة في حد ذاتها إلى تنمية غير متوازنة فيما بين البلدان وداخل البلد الواحد، مع جملة واسعة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية؛ والسبب الثاني هو تضليل الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) الغربية، إذ ظلت البلدان الغربية تستخدم النيوليبرالية الغربية، كفلسفة مرشدة للعولمة الاقتصادية للتأثير على مسيرة العولمة الاقتصادية، لتصبح حاملا لتحويل العولمة الاقتصادية إلى تغريب ورأسمالية على الصعيد العالمي. فهي لا تسعى فقط إلى تحقيق الرأسمالية العالمية على الصعيد الاقتصادي، وتعزيز السياسة الديمقراطية الغربية سياسيا، وإنما أيضا إلى الترويج الثقافي لما يسمى بـ"القيم العالمية". وهذا أيضا سبب هام وراء ما في العولمة من شرور.

ويواجه الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن مشكلات من قبيل بطء النمو، وعدم كفاية القدرات الإنمائية، وعدم الشمول، وتزايد عناصر عدم اليقين، واشتداد المواجهة بين تعددية الأطراف والأحادية، والمناهضة الحادة بين الحرية المفتوحة والحماية من العزلة. هذه الجولة من العولمة تقودها وتحركها البلدان المتقدمة النمو والشركات الكبرى العابرة للأوطان. إن إلقاء اللائمة عليها لأنها مسؤولة عن المشكلات المصاحبة للعولمة لا يحل المشكلات الحقيقية، والإعلان عن إسقاط الآليات الإدارية الاقتصادية عالميا التي تقودها وإعادة بنائها من جديد، هو تجاوز للحد في إصلاح الخطأ. الحلول المعتدلة والصحيحة هي الاعتراف بالحاجة الملحة إلى ضخ دم جديد في أفكار ونماذج وآليات العولمة.

الصين عازمة على تعزيز العولمة

الصين واحدة من أكثر البلدان استفادة من هذه الجولة من العولمة، وهي قوة دافعة ومساهمة هامة فيها. منذ الإصلاح والانفتاح، أصرت الصين على فتح أبواب البلاد والتركيز على البناء واندماجها النشيط في مسيرة العولمة الاقتصادية، مما أدى إلى تحول تاريخي كبير من الانغلاق على الذات إلى الانفتاح الكامل، الذي لم يغير شكل الصين ومصيرها فحسب، وإنما أيضا كان له تأثير عميق على مسيرة العولمة. الصين، ومنذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، أصبحت أكبر بلد مصدر للسلع في العالم، وثاني أكبر بلد يجذب الاستثمارات الأجنبية وثالث أكبر بلد مستثمر خارجي، وأكبر شريك تجاري لأكثر من 120 بلدا في العالم. وتشارك الصين بنشاط في إعداد "كعكة" الاقتصاد العالمي الكبيرة بوصفها محركا فعالا لتحرير التجارة وتيسيرها، وتدعم تحسين نظام التجارة الحرة العالمي، وتتحمل المسؤولية عن الحوكمة الاقتصادية العالمية، وتثابر على تحقيق التنمية المتبادلة المنفعة مع شركائها في التجارة العالمية، وتساهم في تحقيق استقرار الاقتصاد العالمي وتنميته الصحية.

الاشتراكية، من وجهة نظر الماركسية، تحتاج إلى العولمة. وينبغي أن تكون الاشتراكية المقترنة بالعولمة الاقتصادية والدافعة لها كي تنمو وتزدهر في عصرنا الحالي، المبدأ الأساسي للماركسية. إن تاريخ الحركة الشيوعية في مائة عام منذ "ثورة أكتوبر" البلشفية في الإمبراطورية الروسية يشير إلى أن الاشتراكية إذا انحرفت عن تيار العولمة الاقتصادية، فإنها تصبح ميتة وتفقد قوتها وجاذبيتها في نهاية المطاف. ومن بين الخبرات الهامة في نجاح مسار الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، التصميم الثابت على الانفتاح على العالم الخارجي وعلى الاندماج النشيط في العولمة الاقتصادية، وفي الوقت نفسه اختيار المسار والوتيرة المناسبين للظروف الوطنية للاندماج في العولمة، مما يجعل الصين مستفيدة من العولمة الاقتصادية.

إن الصين، بوصفها قوة ناشئة تتمسك بالمسار الاشتراكي بشجاعة وثبات في وقت يشهد فيه العالم اتجاها عكسيا ضد العولمة وموجات مضادة لها، وفي وقت يفقد عدد قليل من القوى الغربية قوته وقدرته على دفع عجلة العولمة الاقتصادية، تدفع تقدم العولمة بثبات وحزم. تعارض الصين الممارسات الحمائية والأحادية، وتقوم بتعزيز الترابط الاقتصادي بين البلدان، وببناء الاقتصاد العالمي المفتوح، وبدمج ميزاتها وإمكانيات أسواقها والمجموعات الصناعية فيها مع ميزاتها النسبية وتفوق قدراتها على الابتكار في الاقتصاد العالمي، من أجل تعزيز سبل ترقية وتوزيع عوامل الإنتاج على الصعيد العالمي بالشكل الأمثل. إن مفاهيم القيمة، التي تدعو لها الصين، من التشارك في بناء "الحزام والطريق"، ومفهوم الحوكمة العالمية المتمثل في التشارك في النقاش والبناء والمنفعة، ورابطة المصير المشترك للبشرية، تلعب دورا إرشاديا في إصلاح العيوب القائمة للعولمة، وبناء العولمة الجديدة المتسمة بالانفتاح والشمول والتوازن والتعاون والفوز المشترك، ومن المؤكد أنها ستفتح آفاقا جديدة للنمو القوي والمستدام والمتوازن والشامل في الاقتصاد العالمي.

--

شيوي جين: باحث في المعهد الاقتصادي والسياسي العالمي بأكاديمية الصين للعلوم الاجتماعية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037