ملف العدد < الرئيسية

العولمة الجديدة والحوكمة العالمية.. مساهمة الصين للعالم

: مشاركة
2019-07-01 13:36:00 الصين اليوم:Source تشانغ هوي:Author

في خطابه قبل أكثر من عامين بمقر الأمم المتحدة في جنيف، قال الرئيس شي جين بينغ متسائلا: "ما الذي يحدث للعالم، وكيف نستجيب؟". وفي عالم اليوم، نشهد مدا متناميا للحمائية التجارية والأحادية والشعبوية، ولا تزال مشكلة التنمية غير المتوازنة في العالم بارزة، ولا تزال مصالح البلدان النامية عموما غير ممثلة ومضمونة بشكل جيد في العديد من آليات الحوكمة العالمية. وقد أوضح الرئيس شي، في خطابه الختامي أمام المنتدى الصيني- الفرنسي حول الحوكمة العالمية، أن المجتمع البشري يواجه أربعة أوجه عجز رئيسية في الحوكمة والثقة والسلام والتنمية.

وقد اكتسبت مبادرة "الحزام والطريق"، التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013، قدرا متزايدا من اعتراف ودعم المجتمع الدولي. وبحلول الثلاثين من إبريل 2019، كانت الصين قد وقّعت 187 وثيقة تعاون بشأن بناء "الحزام والطريق" مع مائة وإحدى وثلاثين دولة ومنطقة وثلاثين منظمة دولية. ويتواصل إنشاء آليات ومنصات التعاون الدولي في إطار "الحزام والطريق"، استنادا لمبدأ التشارك في البناء والتشاور والمنفعة، مع تنفيذ مجموعة من مشروعات التعاون في كافة أرجاء العالم. يبدو أن نوعا جديدا من العولمة والحوكمة العالمية في طور التكوين.

جوهر العولمة الجديدة والحوكمة العالمية

يعتقد لوان جيان تشانغ مدير مكتب البحوث لدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، أن العولمة الجديدة تأتي من مشكلة العولمة الاقتصادية التقليدية. وقد أشار الرئيس شي جين بينغ، في خطابه الافتتاحي للدورة الثانية من منتدى "الحزام والطريق" للتعاون الدولي، الذي عقد في أواخر إبريل 2019، إلى أن اختلال التوازن في التنمية هو أكبر اختلال في العالم اليوم. يرى السيد لوان أن اختلال التنمية هو أيضا أهم تناقض في العالم اليوم، وهذا ناتج عن نموذج العولمة الاقتصادية في الماضي، والسبب الجذري لهذه العولمة هو الحوكمة العالمية التقليدية. هذه الحوكمة العالمية تستند إلى قواعد وضعت أيضا تحت سيطرة بعض البلدان المتقدمة، وهي تصب في صالحها. ولذا، فإن السبب الجذري لمشكلات العولمة هو هيكل الحوكمة العالمية.

لم يذكر الرئيس شي عبارة العولمة الجديدة في خطابه الافتتاحي للدورة الثانية من منتدى "الحزام والطريق" للتعاون الدولي، ولكن أكد على أن "دفع العولمة الاقتصادية يتجه نحو مزيد من الانفتاح والشمول والاستفادة الكونية والتوازن والمنفعة المشتركة". ويعتقد لوان أن هذا هو المعنى الحقيقي للعولمة الجديدة. فالعولمة الاقتصادية في جوهرها هي عولمة الأسواق، ودور اقتصاد السوق على نطاق عالمي يجعل بعض أصحاب المصلحة أكثر وأكثر ثراء، مما يؤدي إلى عدم التوازن في التنمية، ولذلك ثمة حاجة إلى الحوكمة العالمية. من الأقوال المأثورة في الفكر الدبلوماسي للرئيس شي جين بينغ: "دفع إصلاح نظام الحوكمة العالمية بمفهوم العدالة". وهذا أيضا مفهوم جديد للحوكمة العالمية.

في منتدى وانشو الثامن والعشرين الذي عقد في إبريل 2019، بعنوان "الحزام والطريق: العولمة الجديدة والحوكمة العالمية"، والذي شارك في استضافته دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وجامعة تشينغهوا، قال تشاو تشي تشنغ الرئيس السابق لمكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني، إن العولمة الجديدة والحوكمة العالمية تلخيص جيد لمبادرة "الحزام والطريق". إن حل قضية التنمية غير المتوازنة بين البلدان وفي داخلها يتم عن طريق التشارك في البناء والتشاور والمنفعة، وتحقيق الترابط المتبادل والاتصال المتبادل، وتنفيذ سلسلة من مشروعات التعاون. التشارك في بناء "الحزام والطريق" يمثل المفهوم الجديد للحوكمة الجديدة، وسيحقق نتيجة العولمة الجديدة، أي دفع العولمة الاقتصادية تقدما إلى اتجاه أكثر انفتاحا وشمولا وتوازنا واستفادة عالمية مشتركة.

مبادرة "الحزام والطريق" تعزز العولمة الجديدة

يواجه العالم اليوم تحديات مشتركة، مثل قضايا الأمن وتغير المناخ، وما إلى ذلك، تتطلب هذه التحديات التعاون بين الدول في إطار تعددية الأطراف. وفي الوقت نفسه، ومع تغير الهيكل العالمي، هناك حاجة إلى قواعد جديدة ودعوة إلى مفاهيم جديدة للحوكمة الدولية والعولمة الجديدة.

قال رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماسيمو داليما، إن مبادرة "الحزام والطريق" تمثل أملا جديدا للعولمة. وهذا يعني اتجاها جديدا نحو العولمة أكثر إنصافا وتركيزا على الإنسان، يسهم في القضاء على الفقر وعدم المساواة، ويساعد على التعاون بين الدول في مواجهة المشكلات العالمية، مثل تغير المناخ، ويعزز التبادل والتعاون فيما بين الشعوب والثقافات والحضارات. وتابع قائلا: "لقد حققت مبادرة "الحزام والطريق" نتائج رائعة للغاية في الأعوام الستة الماضية منذ طرحها في عام 2013. وأعتقد أن أهم إنجاز هو أن العديد من مشروعات التعاون الضخمة المتعددة الجنسيات في مجال الاستثمار في المنشآت الأساسية، التي بدأ العديد منها بالفعل، قد أسهمت إسهاما كبيرا في الترابط بين المناطق المعنية، وفي التنمية الاقتصادية للبلدان، ولا سيما فيما بين الشعوب."

من حيث دور التشارك في بناء "الحزام والطريق" في دفع تشكيل الحوكمة الجديدة، قال الرئيس السابق لمجلس المستشارين بالمملكة المغربية محمد الشيخ بيد الله، إن مبادرة "الحزام والطريق" مبادرة عظيمة، وسوف تدفع تشكيل نظام عالمي جديد. وأضاف: "أنا على ثقة أن كل الدول المشاركة في بنائها سوف تستفيد منها." وأعرب محمد الشيخ بيد الله عن توقعه بأن تتشكل العولمة الجديدة على أساس مبادرة "الحزام والطريق"، مشيرا إلى أن " الأمر يحتاج إلى توافق الأطراف المتعددة على الحوكمة العالمية في مجالات تجارة السلع وتواصل الأكفاء وغيرهما من أجل بناء العولمة الأكثر عدالة وشفافية ومساواة، والمتمثلة في الاحترام المتبادل والكسب المتبادل".  ويرى محمد الشيخ بيد الله، أن المجتمع البشري قد شهد ثلاث موجات من العولمة حتى الآن، الأولى من طريق الحرير القديم، والثانية من الثورة الصناعية التي قادتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، والثالثة من العولمة القائمة على النظام العالمي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية. وهو يعتقد أن "الحزام والطريق" سيؤدي إلى العولمة الرابعة.

وقال نائب رئيس دائرة العلاقات الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي خوان كارلوس مارسا، إن مبادرة "الحزام والطريق" هي العولمة الاقتصادية الجديدة والعولمة الثقافية الجديدة التي تسعى إلى تحقيق الإمكانيات السياسية والاقتصادية لكل بلد على أساس الثقة المتبادلة والمساواة والربح المشترك. وهي مبادرة للجميع تتميز بالشمول وتركز على تبادل التفوقات وتقوم على الاحترام المتبادل، وتنبذ سلوك الإقصاء والسيطرة على الدول الأخرى ونهب ثرواتها، ناهيك عن فرض العقوبات والترهيب والتهديدات وما إلى ذلك من تصرفات أحادية. وأعرب مارسا عن اعتقاده بأن الصين قد أسهمت إسهاما كبيرا في تحقيق التنمية المتوازنة والاستقرار في العالم، مما أتاح إمكانات من الفرص الجديدة لتنمية البلدان الأخرى.

وأعرب فيكادو تيسيما دغيفو عضو اللجنة التنفيذية للجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية ووزير منسق شؤون الأحزاب السياسية والمنظمات في إثيوبيا، عن اعتقاده بأن مبادرة "الحزام والطريق" هي مبادرة بعيدة النظر ووافرة الرؤية، لها دور التنوير، وتعود بالفائدة على العديد من البلدان النامية، وستساهم بالتأكيد في استحداث نموذج جديد للتعاون في العولمة، وتساعد البلدان على تجنب الصراعات والمواجهات الدولية. وكل هذا يعكس تطورا لأفكار الحوكمة في الصين. وأثنى بشكل خاص على مبدأ الصين بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وقال إنه يعتبر الصين مثالا جيدا للمجتمع الدولي. وأضاف فيكادو أن التشارك في بناء "الحزام والطريق" يخلق فرص النمو الكثيرة لإثيوبيا، ويساعد إثيوبيا في تقاسم إنجازات تنمية الصين، وفي تحقيق نهضة إثيوبيا. وقال: "سنظل ندعم مبادرة "الحزام والطريق"، وبفضل التعاون المشترك، تم إنجاز العديد من مشروعات التنمية المربحة للجميع. تستثمر العديد من الشركات الصينية في مصانع بإثيوبيا، على سبيل المثال في مجالات مواد البناء وتجميع السيارات، مما يساهم في التنمية المحلية." وقد أصبحت الصين الآن أكبر شريك لإثيوبيا في المشروعات التجارية والهندسية. وعبر فيكادو عن أمله في أن تواصل الصين تعزيز التعاون والدعم المتبادل مع البلدان الأفريقية. وقال: "نحرص بوجه خاص على التعاون والتواصل مع الصين في مجال حوكمة الدولة، من أجل دفع العدالة والمساواة. وفي نهاية المطاف، يمكننا أيضا أن نشارك مشاركة كاملة في الحوكمة العالمية وبناء "الحزام والطريق"."

 التكنولوجيات الجديدة تجلب تغيرات جديدة

قال البروفيسور دونالد تشارلز هيلمان الأستاذ في كلية جاكسون للدراسات الدولية بجامعة واشنطن، إن العالم يمر بعصر متغير ومبتكر، والتكنولوجيا هي القوة المحركة للتغيير، والثورة التكنولوجية والصناعية أحدثت التنمية في العالم. وأعرب هيلمان عن اعتقاده بأن التحديات والمشكلات التي تواجه المجتمع البشري تتغير بلا انقطاع، ويشكل عدم المساواة تحديا رئيسيا يتعين التصدي له على وجه السرعة. ويتطلب حلها ابتكارا مفهوميا وتكنولوجيا. وقال هيلمان: "التكنولوجيا يمكن أن تغير الكثير، وأعتقد، بطريقة ما، أننا لا نحتاج إلى فهم الثورة التكنولوجية فحسب، وإنما أيضا إلى إدراك أن التطور التكنولوجي يمكن أن يعيد تشكيل المجتمع، وأن يجلب التنمية الاجتماعية البشرية إلى المرحلة التالية."

يعتقد هيلمان أن التصدي للتحديات الجديدة التي تواجه البشرية، مثل الاحتباس الحراري العالمي والمشكلات الناشئة عن عصر البيانات الكبرى، يتطلب دعما تكنولوجيا، مع ضمان حق الدول في المشاركة على قدم المساواة؛ إن مبادرة "الحزام والطريق" التي تتسم بالشمول تضمن اتخاذ القرارات بإنصاف ويوفر منبرا جيدا للحوكمة العالمية. وقال: "يجب أن نحتضن الجميع بأفكارهم وتواريخهم المختلفة، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتصدى معا للتحديات وأن نحل المشكلات. أعتقد أن مبادرة "الحزام والطريق" توفر منبرا جيدا، وتولد قدرا كبيرا من التقارب، وينبغي أن نشارك جميعا في التصدي للتحديات المشتركة للبشرية. وأرجو أن تتمكن الصين بنفسها من تحقيق المزيد من التقدم والإنجاز في هذا التحول التكنولوجي."

يرى جيف مولغان الرئيس التنفيذي للصندوق الوطني للتكنولوجيا والعلوم والفنون في بريطانيا، أن التكنولوجيا عنصر بالغ الأهمية في الحوكمة العالمية الحالية. وقال مولغان في كلمة له: "إن نظامنا الحالي للحوكمة الدولية، سواء كانت الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، أصبح جامدا إلى حد ما. إنهما متخلفتان عن العديد من العناصر الرئيسية للحوكمة العالمية، مثل التكنولوجيا." وأشار مولغان إلى أن البشرية تواجه حاليا تهديدات وتحديات كبيرة في مجال الأمن، حيث تنقصها الحوكمة العالمية. وقال: "لا توجد حتى الآن قواعد ومعايير دولية لحماية الأمن السيبراني. على سبيل المثال، تشتمل تدفقات البيانات، بما فيها التحركات عبر الحدود، على مخاطر أمنية، فقد وضعنا قوانين وأنظمة في أوروبا، وتم وضع القوانين المعنية في الصين أيضا، ولكن لا يوجد إطار قانوني عالمي. ويحدوني الأمل في أن تضطلع الصين بدور رائد على الصعيد الدولي في هذه المجالات." يعتقد مولغان أن العالم يواجه العديد من المشكلات المشتركة الناجمة عن تطور التكنولوجيا، ولكنه لا يملك إطارا إداريا دوليا. وأشار مولغان إلى أن الصين تلعب دورا قياديا في مكافحة تغير المناخ العالمي، سواء من الناحية النظرية أو من ناحية التنفيذ. وقال: "في العديد من أبعاد الحوكمة العالمية، نحتاج إلى المزيد من القوة القيادية، وإلى آليات معالجة المشكلات المعنية مثل الجريمة المنظمة وقضايا اللاجئين، وغيرهما من القضايا المتعلقة بالاقتصاد الرقمي."

ويرى مولغان أن الثورة الصناعية الرابعة تختلف عن الثورات الصناعية السابقة، حيث أن العديد من التقنيات الرئيسية أصبحت الآن محصورة بشكل مصطنع في مناطق معينة أو شركات أو طبقات اجتماعية معينة، دون أن تنتشر إلى الأماكن الصغيرة أو الشركات الصغيرة أو المناطق النائية. ويثير هذا الأمر ثلاث مشكلات في بعض أنحاء العالم، وهي: ركود نمو الإنتاجية؛ تزايد عدم المساواة؛ عدم ثقة الجمهور في نظام الحوكمة القائم. وأضاف: "لمعالجة هذه المشكلات المترابطة، نحتاج إلى زيادة تبادل المعرفة والتكنولوجيا وتقوية بناء القدرات؛ وندعو أيضا إلى وضع سياسة صناعية جديدة لمساعدة المشروعات الصغيرة على اللحاق بركب الشركات الكبرى؛ وهذا يعني أنه على الدول اتخاذ سياسات تنمية إقليمية مختلفة لمساعدة المناطق النائية على اللحاق بركب النمو الاقتصادي."

ويرى مولغان أن النمو الاقتصادي ليس بالأمر الهام الوحيد، بل وأيضا العدالة الاجتماعية ومؤشر رفاهية الناس. وأضاف: "نعتقد أن النمو ليس مجرد مسألة اقتصادية تتعلق بالناتج المحلي الإجمالي. من المؤكد أن النمو الاقتصادي لن يدوم طويلا إذا لم يسفر عن رفاه أفضل للشعوب. أعتقد أن هذا درس هام تعلمناه بعد الأزمة المالية العالمية. ونحن بحاجة إلى تعزيز النمو الاقتصادي، ولكنه يجب أن يكون نموا أكثر توازنا وشمولا وينبغي أن يكون متسقا مع مطالب الشعب."

لتحقيق كل ما سبق، لا بد من الحوكمة العالمية الجديدة.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037