ملف العدد < الرئيسية

"وضع الإنسان في المقام الأول".. طريق تنمية الصين

: مشاركة
2019-07-01 13:31:00 الصين اليوم:Source تساو يونغ فو:Author

جذبت الإنجازات العظيمة لنمو الاقتصاد الصيني منذ تنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح أنظار دول العالم، بينما ازداد سوء الفهم والأحكام المسبقة بشأن الصين يوما بعد يوم. مثلا، يرى البعض أن مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني على مختلف المستويات يهتمون بالناتج المحلي الإجمالي ومنجزاتهم الشخصية، ولا يهتمون بتحسين معيشة الشعب؛ ويرى آخرون أن الصين ستهدد سلام العالم بعد نهوضها؛ بينما يذهب بعضهم إلى أن النظام السياسي الذي تطبقه الصين حاليا لا مستقبل له، وأن السبيل الوحيد هو قبول مفهوم القيم والنظام السياسي للدول الغربية وغيرها.

منذ تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ظل هدفه تغيير مصير الجماهير الكادحة الغفيرة. وفي عملية بناء التحديث الاشتراكي الطويل المدى، يتمسك دوما بمفهوم الحوكمة المتمثل في "وضع الشعب في المقام الأعلى والتنمية السلمية"، وهو المفهوم الذي شرحه وحلله الكثير من علماء السياسة والتاريخ. وكباحث متخصص في علم الاقتصاد، وعبر البحث والتفكير لمدة طويلة، وجدت أنه يمكن شرح مفهوم الحزب الشيوعي الصيني حول الحوكمة بشكل أكثر استفاضة على أساس علم السياسة وعلم التاريخ ومن زاوية علم الاقتصاد.

العمل من أجل الشعب

تتحدث أقوال صينية قديمة كثيرة عن العلاقة بين الحاكم وجماهير الشعب، مثل "الشعب أهم من الحاكم" و"الشعب مثل المياه التي يمكن أن تحمل القارب ويمكن أن تقلبه أيضا". ومعناهما أنه إذا لا يتمتع الحزب الحاكم بدعم جماهير الشعب الغفيرة، ولا يعمل من أجل رفاهية الشعب، يصعب أن يحكم الدولة بشكل مستقر ولمدة طويلة. في بداية تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، كان مستوى معيشة الشعب منخفضا، فحوّل الحزب الشيوعي الصيني مركز ثقل أعماله إلى البناء الاقتصادي، وهذا التحول وافق المطالب الملحة لجماهير الشعب الغفيرة.

من أجل تحقيق هدف خلق وظائف جديدة، تعمل كثير من الدول الغربية على تحسين البيئة التجارية، وتتنافس الحكومات المحلية في مجال جذب المستثمرين والاستثمارات. ولكن جهود الحكومات المحلية الصينية في هذا المجال نادرة في العالم، حيث أنها وضعت قوانين تفصيلية لجذب التجار والاستثمارات، ووزعت المهمات على مختلف الهيئات؛ ومن أجل ضمان تطبيق مشروعات الاستثمار، يواصل مسؤولو المشروعات في الهيئات الحكومية العمل في العطلات والأعياد أحيانا، ويجعلون هواتفهم النقالة مفتوحة على مدار الساعة. وبعد زيادة الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع إيرادات الحكومات المحلية، قد يحصل بعض المسؤولين المعنيين على قدر معين من المكافآت المادية، ولكن هذه المكافآت محدودة جدا، وتظل جماهير الشعب الغفيرة هي المستفيدة من النمو استفادة حقيقية. يتمتع كثير من المسؤولين بخلفية تعليمية ممتازة، وإذا اختاروا العمل في مجال التجارة يمكنهم تحقيق دخولا أعلى، ولكنهم يعكفون على أداء أعمالهم بجد واجتهاد لتحقيق نتائج أفضل، وذلك نتيجة الحافز السياسي، ولكن هذا الحافز السياسي في جوهره يتوافق مع رغبة الناس في تحسين حياتهم. وتحترم الجماهير المسؤولين الذين يحققون المنجزات في البناء الاقتصادي ويحسنون ملامح المناطق المحلية بشكل ملحوظ.

هذا المفهوم المتمثل في اتخاذ البناء الاقتصادي محورا يجسد التناقض الاجتماعي الرئيسي، ولكن لا مفر من أن يأتي ببعض التأثيرات السلبية. مثلا، تسعى بعض المناطق إلى تحقيق النمو الاقتصادي على حساب البيئة، أو لا تولي بعض المناطق التعليم والعلاج الطبي وغيرهما من مشكلات معيشة الشعب اهتماما كافيا. ولكن يجب أن ندرك أنه من المستحيل أن يكون كل أمر كاملا، كما أن هذه التأثيرات السلبية ليست الاتجاه الأساسي على الإطلاق. لقد تحقق تحسن عظيم في معيشة الشعب وارتفعت قوة الصين الشاملة بشكل ملحوظ منذ تنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين قبل أكثر من أربعين سنة، وكل هذه المنجزات هي نتيجة جهود شخصيات الأعمال والعمال والفلاحين وغيرهم من مختلف الأوساط الاجتماعية. ولكن يجب أيضًا الاعتراف بأن هذه المنجزات لا تنفصل عن العمل الجاد وحكمة المسؤولين على مختلف المستويات.

يعدل الحزب الشيوعي الصيني سياساته لمواكبة العصر، فقد أكد المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني أن التناقض الاجتماعي الرئيسي الحالي قد تحول إلى التناقض بين حاجة الشعب المتزايدة إلى حياة أفضل والتنمية غير المتوازنة وغير الكافية، يرمز هذا التأكيد إلى أن المسؤولين على مختلف المستويات سيعدلون أداءهم، بحيث يولون مزيدا من الاهتمام بحماية البيئة والتعليم والعلاج الطبي وغيرها من المشكلات في الوقت الذي يواصلون فيه الاهتمام بالبناء الاقتصادي. ربما سيكون هذا التحول غير سلس، ولكنه يجري في الاتجاه الصحيح لأنه يتفق مع المصالح الأساسية لجماهير الشعب الغفيرة في العصر الجديد.

الاندماج في تطور العولمة

في بداية القرن العشرين، كانت الصين دولة شبه إقطاعية وشبه مستعمرة، تتعرض لللإهانة ولا ترد. بعد تأسيس الصين الجديدة، تم وضع أساس التصنيع فيها بشكل مبدئي. وبعد تنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح، صار اقتصاد الصين ينمو بسرعة حتى صار ثاني أكبر اقتصاد في العالم. تقلق كثير من الدول من أن تهدد الصين سلام العالم بعد نهوضها. إن أساس هذا القلق غير مبرر في الحقيقية.

تاريخيا، قد يكون سبب الحرب نزاع ديني أو نزاع على الأرض، ولكن السبب الأهم هو التنافس على الثروات الاقتصادية. في المجتمع الزراعي، كانت الأرض والحبوب ثروة اقتصادية هامة اعتمدت عليها معيشة الإنسان، فنشبت الحروب بين القبائل للاستيلاء عليها. وواجهت منطقة وسط الصين هجوما من القبائل البدوية في الشمال مرات في التاريخ، وكان السبب الهام هو نهب القبائل البدوية للحبوب في منطقة وسط الصين بعد تعرضها لكارثة المجاعة. وفي عصر التصنيع، بالإضافة إلى الأرض والحبوب، برزت الأهمية الإستراتيجية لثروة المنتجات المعدنية يوما بعد يوم، فشنت كثير من الدول الصناعية الحروب ضد دول أخرى وأقامت المستعمرات، وهدفها الهام هو نهب النفط والفحم وخام الحديد وغيرها من الثروات، لأنها تلعب دورا حاسما في ضمان استمرار التصنيع بسلاسة.

في العالم الحالي، انخفضت أهمية العناصر الإنتاجية التقليدية المذكورة سابقا انخفاضا واضحا. وقد امتدت حدود حقوق الملكية الإنسانية من العناصر التقليدية مثل الأرض والثروة وغيرهما من العناصر التقليدية إلى المعلومات والفضاء الافتراضي، وأصبحت الموارد البشرية والتقنية أهم العناصر الإنتاجية. إن أي بلد لديه عدد كبير من العلماء والمهندسين البارزين، يمكنه أن يستمر في تكوين الثروة ويكون في موقع منيع لا يقهر. في الوقت الحالي، تتمتع الدول المتطورة الرئيسية بميزة نسبية في مجالات المعلومات والتكنولوجيا وصنع الأدوية والطيران الفضائي وقطاع التصنيع الأكثر تقدما وغيرها من المجالات، يمكنها من الحصول على مختلف الثروات الاقتصادية. لم يعد التنافس بين الدول تنافسا حول القوة العسكرية في المستقبل، بل سيصبح تنافسا حول قوة الدولة الشاملة التي تتمحور حول العلوم والتكنولوجيا العليا. حاليا، ما زالت قوة الصين العلمية والتكنولوجية بعيدة عن قوة الدول الغربية المتطورة، ولكنها أدرجت في صفوف التنافس للعلوم والتكنولوجيا العالية في مجالات معينة قبل وقت غير بعيد، وهذا التنافس يساعد على دفع تقدم كل المجتمع البشري.

مع تقدم تقنيات الاتصالات وانخفاض تكلفة النقل، فإن تداول البضائع والخدمات ورأس المال والأشخاص عبر الحدود يمكن أن يفيد مختلف الأطراف. إن العولمة حاجة داخلية للدول، ومن ثم فإن الحمائية التجارية التي أثارتها دول قليلة هي مظهر جزئي وقصير المدى ولن تستمر ولا تتفق مع المصالح الأساسية الطويلة المدى لمختلف الدول. الآن، تربط شبكة الإنتاج العالمية مختلف الدول برباط وثيق، وأصبحت مصالحها على شكل "أنا أعيش بداخلك، وأنت تعيش بداخلي"، وإذا حدث نزاع أو حرب، فمن المؤكد أن من يثير النزاع أو الحرب سيضر نفسه بينما يلحق الضرر بالآخرين.

رغم أن هناك نزاعات إقليمية بين الصين وبعض الدول، تظل تلك النزاعات تحت السيطرة. لقد اختارت الصين طريق التنمية السلمية وتشارك في العولمة وفقا لمزاياها النسبية، وذلك يعد اختيارا عقلانيا يتفق مع المصالح الأساسية لجماهير الشعب الصيني الغفيرة.

إستراتيجية حوكمة الدولة المستمرة في التحسن على أساس ظروف البلاد

تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية أن قيمها الليبرالية متفوقة، وتعتقد أن من واجبها نشر قيمها ومفاهيمها في الدول الأخرى. وفي الواقع، تتمتع جميع البلدان في العالم بتقاليدها التاريخية والثقافية وظروفها الوطنية الخاصة، ومن المشكوك فيه أن يتم نقل النظام السياسي بسهولة إلى بلدان أخرى. دول العالم تتمتع بتاريخ وثقافة وتقاليد وظروف ذاتية، من المشكوك فيه أن التطبيق البسيط للنظام السياسي الغربي في دول أخرى يمكن أن يتجذر هناك.

على سبيل مثال، عند المقارنة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها منذ تأسيسها مساحات أرض خصبة شاسعة، وكانت المزارع بعيدة عن بعضها البعض، وعاشت معظم الأسر الأمريكية في فيلات مستقلة نسبيا، ويتواصل هذا النمط من السكن حتى اليوم، مما يشكل الثقافة والتقاليد التي تضع الأنانية والليبرالية في المقام الأول. الصين بلد به عدد كبير من السكان يتقاسمون أرضها معا. إن الناس الذين يعيشون في مجموعات قد شكلوا تدريجيا العديد من القرى. وفي الصين حاليا، يعيش معظم الناس، حتى في المدن، في تجمعات سكنية وليس في فيلات، ومن ثم فإن العلاقات بينهم أوثق، ومن الطبيعي أن يتشكل لديهم المزيد من التقاليد الجماعية. في التاريخ، واجهت منطقة وسط الصين تهديد الحروب التي خاضتها القبائل البدوية القادمة من الشمال، ورغم أن الأرض التي يمر بها  المجريان الأوسط والأسفل للنهر الأصفر مناسبة للزراعة، كانت هذه المنطقة تتعرض للفيضانات باستمرار. ولكي يضمن الصينيون القدماء بقاءهم بنوا سور الصين العظيم ومنشآت الري تحت القيادة الموحدة المركزية، وذلك هو أساس التقليد الصيني بتركيز القوة على إنجاز أمر كبير. إن التقاليد التاريخية والثقافية المتباينة لمختلف البلدان تتجذر في تربة وجودها، وتشكل طبائع قومية مختلفة.

لا يجوز تفرقة النظم السياسية للدول المختلفة في العالم بالأفضل المطلق والأسوأ المطلق، فكما يقال، فإن قدمك فقط هي التعرف ما إذا كان الحذاء مناسبا. إننا نشاهد الهجوم الشخصي وكشف الفضائح بين المرشحين لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وتصارع أعضاء الكونغرس من أجل مصالح الأحزاب ونزاعا صغيرا حول الميزانية يؤدي إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة. كما شهدنا تقدم مشروع القطار الفائق السرعة لولاية كاليفورنيا ببطء بعد أكثر من عشر سنوات من بداية المشروع الذي أثار انتباه الناس. وفي عام 2005، عندما حدث فيضان في مدينة نيوأورلينز أرغم عددا كبيرا من الناس على التشرد والنزوح وأدى إلى ظهور أعمال سلب ووقوع الحرائق والفوضى في المدينة، ولكن الحكومة الفيدرالية لم تستطع معالجة الأمر فورا، أدرك كثير من النخب والجماهير الأمريكية أن النظام السياسي الأمريكي ليس متكاملا، وأن ثمة ما يدعو للقلق من عواقب تعميمه في دول أخرى.

الأساس الاقتصادي يقرر البناء الفوقي. مع ارتفاع مستوى معيشة الشعب الصيني، يزداد وعي جماهير الشعب بالعدالة والمشاركة السياسية، وقد حقق إصلاح النظام السياسي الصيني تقدما كبيرا منذ تنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح. مثلا، أنشأت الصين نظام الموظفين الحكوميين،  مما قلل كثيرا من ظاهرة "الحصول على منصب حكومي" عن طريق المحسوبية، وتحسنت بشكل كبير توحيد نظام تعيين الموظفين؛ وعممت الصين نظام الحكم الذاتي في القرى على نطاق واسع، فيُعمم مفهوم الديمقراطية في الوحدات القاعدية بشكل كبير؛ وعندما يحدث نزاع بين المواطنين وهيئة حكومية ما، يمكن اختيار قناة الدعوى القضائية لحله، وكان ذلك نادرا في عصر الاقتصاد المخطط. فمن غير الموضوعي أن يتجاهل الناس التقدم العظيم لإصلاح النظام السياسي الصيني.

بالطبع، ما زالت هناك نقاط عديدة تحتاج إلى تحسينها في النظام السياسي الصيني، وتتطلب هذه العملية الاستفادة من ثمار الحضارات الممتازة لمختلف الدول، مع أن الصين تتمتع بحضارة عريقة يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف سنة، وهي الدولة الأكثر سكانا في العالم. إن الشيوعيين الصينيين قد رأوا العيوب الواضحة للنظام الديمقراطي الغربي، ويعتقدون أن النقل الأعمى لهذا النظام فعلا غير حكيم بالتأكيد.

باختصار، مع ارتفاع الحجم الإجمالي للاقتصاد الصيني، سوف تتعرض الصين حتما لشكوك وانتقادات في حين تجذب الاهتمام بها. وذلك وضع لا بد أن تواجهه كل دولة كبيرة في العالم في مسيرة تطورها. سيتمسك الحزب الشيوعي الصيني بوضع المصالح الأساسية لجماهير الشعب الغفيرة في المقام الأول، ويعتبر ذلك المفتاح لأي حزب حاكم حتى لا يلفظه التاريخ. ستعامل الصين دول العالم معاملة سلمية وتتطور معها، ويعتبر ذلك اختيارا عقليا في عصر العلوم والتكنولوجيا العالية وعصر تعمق العولمة؛ وستسلك الصين طريقا يناسبها وفقا لظروفها، ويجب على مختلف الدول أن تعمل وفقا لمبدأ "امتصاص الجمال من الآخرين، ليتجمع ويمتزج جمال الكل".

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037