محاربة الفساد
من قضية داخل الحزب إلى مشروع وطني



مع انطلاقة العام الجديد 2018، عقدت الدورة الكاملة الثانية للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني في الثامن عشر والتاسع عشر من يناير، وتم خلالها اعتماد مقترح مقدم من اللجنة المركزية للحزب بشأن مراجعة الدستور وإقرار بعض التعديلات لتضمين الإنجازات الجديدة النظرية والعملية والمؤسسية ومتطلبات تطوير الحزب والأمة ضمن الدستور، الذي كانت قد جرت آخر مراجعة له في عام 2004، بحسب البيان الصادر عن الدورة.

قد يكون من غير الممكن حاليا الدخول بعملية تحليل دقيق لنوع وماهية التعديلات التي تم إقرارها، حيث أن تفاصيلها لم تنشر عبر وسائل الإعلام الصينية الرسمية، التي اكتفت حاليا بإلقاء الضوء على بعض النقاط التي قالت إنه تم إبرازها في ضوء مناقشة وإقرار هذه التعديلات.

إحدى هذه النقاط ركزت على تأسيس اللجنة الوطنية للمراقبة، التي كانت قد انطلقت تجريبيا في عام 2016، على اعتبار ذلك جانبا مهما جدا من جوانب إصلاح النظام السياسي وقرار رئيسي لتعزيز المراقبة الذاتية للحزب والدولة. فما هي أهمية هذه اللجنة، ولماذا كان من الضروري إدخال تعديلات دستورية بشأنها؟

أهمية تشكيل اللجنة الوطنية للمراقبة

يبدو أن الحرب ضد الفساد التي شنها الرئيس الصيني شي جين بينغ بضرواة منذ وصوله إلى سدة الحكم بدأت تدخل مرحلة جديدة مع تشكيل اللجنة الوطنية للمراقبة مع بداية ولايته الثانية، فبالنسبة للرئيس شي مسألة مكافحة الفساد ركن أساسي من أركان رؤيته السياسية والإستراتيجية لإدارة البلاد بصفته رئيسا لجمهورية الصين الشعبية وأمينا عاما للحزب الحاكم، وهو الحزب الشيوعي الصيني.

وأظهرت هذه الرؤية وضوحا جليا في المعالم وتناسقا واضحا في الأفكار وتسلسلا منطقيا في التنفيذ، حيث يعتبر الرئيس شي أن محاربة الفساد ليست مرحلة عابرة آنية تنتهي بانتهاء ولاية الرئيس، وإنما سياسة بعيدة المدى تهدف إلى تأسيس حالة من التوافق العام على المستوى الوطني والشعبي والحزبي والسياسي والمؤسسي تسعى لاقتلاع الفساد من جذوره، ليس من الناحية العملية فحسب، وإنما أيضا تدريجيا من ناحية الردع الذاتي، مما يقود إلى الهدف السامي المنشود، وهو تعزيز حكم القانون من أجل بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل.

منذ تسلمه الحكم، عمل الرئيس شي على إرساء اللبنة الأساسية وزرع المبادئ الحزبية والاجتماعية لمقاومة ومحاربة الفساد. فعلى الصعيد الحزبي تولت لجنة فحص الانضباط التابعة للجنة الحزب المركزية، وهي أعلى مؤسسة للمراقبة الداخلية للحزب الشيوعي الصيني، مسؤولية متابعة حملة مكافحة الفساد المستمرة منذ عام 2012.

الهدف الأقصى أولوية لحملة الرئيس شي هو سياسي بالدرجة الأولى يهدف للمحافظة على الانضباط، بشكل رئيسي ضمن مؤسسات الحزب الحاكم، ومحاسبة الفاسدين من المسؤولين والقادة الحزبيين الذين يتولون مناصب حساسة ومهمة للحفاظ على وحدة ومركزية قيادة الحزب، وخصوصا فيما يخص صنع وتطبيق القرارات تحت سقف القانون لإنجاز وتحقيق أهداف الأمة بشكل أكثر فعالية.

أوضح وانغ تشي شان، الأمين السابق للجنة فحص الانضباط التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في مقال نشر في ((صحيفة الشعب اليومية)) في الحادي عشر من نوفمبر 2017، أن ما ركزت عليه اللجنة خلال عملها هو "الفساد السياسي" لكونه أكبر أنواع الفساد، مشيرا إلى نوعين من الفساد السياسي: الشق الأول الذي يسعى إلى الاستيلاء على مناصب معينة لاستغلال السلطة والنفوذ التي توفرها هذه المناصب، والشق الثاني الذي يؤدي إلى تقويض وحدة الحزب.

خطورة تفشي الفساد السياسي واستغلال السلطة والمناصب ضمن هيكل المؤسسات القيادية السياسية تكمن في أنها قد تؤدي إلى تفكك وتخلخل أركان القيادة، مما يقود إلى الفساد الاقتصادي، ويسبب الاضطراب الاجتماعي.

وبالفعل، نجحت اللجنة المركزية لفحص الانضباط حتى الآن في أداء المهام الموكلة إليها بفعالية عالية. تم ضمن حملة مكافحة الفساد سجن أو معاقبة ما يقرب من 4ر1 مليون عضو في الحزب منذ عام 2012. وشملت العقوبات التحذيرات، وخفض الرتبة، والطرد من الحزب، والإبعاد عن المنصب. وقد حظيت جهود محاربة الفساد هذه بدعم شعبي كبير.

ولما كانت هذه الجهود تؤتي ثمارها، فلماذا يتم تشكيل اللجنة الوطنية للمراقبة، وما الجديد الذي يمكن أن تضيفه إلى عملية مكافحة الفساد؟

لعل العنوان العريض الذي يساعد في توضيح هذا الأمر، هو ما جاء في البيان الختامي للدورة الكاملة الثانية للجنة المركزية التاسعة عشرة لفحص الانضباط للحزب الشيوعي الصيني في الثالث عشر من يناير، الذي أكد أن أولوية العمل في عام 2018 هو التخلص بحزم من الأشخاص غير الشرفاء وذوي الوجهين، و"تطهير الحزب على نحو شامل".

وكذلك ما أكد عليه الرئيس شي فيما يخص العمل على توسيع نطاق الحملة لتشمل جميع الموظفين الذين يمارسون السلطات العامة في المؤسسات المملوكة للدولة والذين ليسوا بالضرورة أعضاء في الحزب، وتأكيده ضمن خطابه في الدورة بأنه "يجب أن تشهد الجهود الشاملة تعزيز البناء السياسي للحزب... مع تضمين بناء المؤسسات في كل جانب من جوانب بناء الحزب."

يدرك الرئيس شي ومسؤولو قيادة الحزب الشيوعي أن تحقيق هذا المبتغى ليس بالأمر السهل، وهو يحتاج إلى تنظيم أكبر ومستوى أعلى وأشمل من الإدارة والتنفيذ، ويجب أن يستند إلى أرضية ومشروعية دستورية وقانونية أكثر صلابة، وفي نفس الوقت يجب أن يتناسب مع المعايير التي تستوجبها قوانين حقوق الإنسان الدولية، بحيث تكون سياسات مكافحة الفساد القادمة في الصين أكثر انسجاما مع سياسة الانفتاح التي تنتهجها البلاد.

ولهذا، كان إنشاء هيئة المراقبة الوطنية ضروريا، ولأجل هذه الغاية قامت لجنة الشؤون التشريعية للجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب بإصدار مسودة مشروع قانون المراقبة لجمهورية الصين الشعبية في السادس من نوفمبر عام 2017، الذي يحدد صلاحيات ووظائف اللجنة الوطنية للمراقبة، والتي من الممكن أن تصبح محور تنفيذ عملية مكافحة الفساد في الصين، حيث أنها تتمتع بولاية أوسع من لجنة فحص الانضباط التابعة للجنة الحزب المركزية.

مأسسة نظام مكافحة الفساد ضمن التعديلات الدستورية

بحسب مشروع القانون، سيتم دمج جميع السلطات القائمة لمكافحة الفساد ولجان فحص الانضباط المحلية في سلطة واحدة، التي ستكون كفرع جديد من الحكومة، وستعمل كقوة دولة موازية للسلطة التنفيذية والقضائية لضمان "التغطية الكاملة". والهدف هو إنشاء وكالة موحدة لمكافحة الفساد تتمتع بسلطة إشراف مركزية وشاملة وولاية قضائية على جميع الأفراد والمنظمات الحكومية وموظفي القطاع العام في المؤسسات المملوكة للدولة بدلا من الاقتصار على أعضاء الحزب فقط.

سوف تشرف اللجنة الوطنية للمراقبة على عمليات الفحص في جميع الإدارات الحكومية والشركات والمؤسسات المملوكة للدولة، وستتولى كذلك المراقبة المالية للمشتبه في ارتكابهم الفساد. وتشمل الصلاحيات الجديدة إجراء التحقيقات والاستجواب وجمع الأدلة واحتجاز المشتبه بهم وتجميد الأصول وإصدار أحكام بالإدانة.

وستعمل اللجنة الوطنية للمراقبة جنبا إلى جنب مع اللجنة المركزية لفحص الانضباط، وتتقاسم الكثير من مواردها، ولكن هذا لا يعني أن اللجنة الوطنية للمراقبة ستكون مجرد ملحق للجنة فحص الانضباط. والواقع أن أحد الأهداف الرئيسية للجنة الوطنية للمراقبة هو استهداف الفساد داخل لجنة فحص الانضباط ومؤسسة القضاء في الصين. وتهدف الولاية التشريعية المستقلة للجنة الوطنية للمراقبة إلى إعطاءها الحرية في ملاحقة الفساد أينما وجد، حيث تتمتع بولاية وطنية مستقلة من المجلس الوطني لنواب الشعب.

في الوقت الراهن، يقتصر عمل اللجنة الوطنية للمراقبة ضمن البرامج التجريبية في بكين ومقاطعة شانشي ومقاطعة تشجيانغ، ولكن سيتم توسيع عملها لكافة أنحاء البلاد، ومن المتوقع أن يتم إدراجها رسميا ضمن بنود القانون الجديد في مارس 2018.

يعتبر مسؤولو الحزب أن تأسيس اللجنة الوطنية للمراقبة يشكل إصلاحا سياسيا ودستوريا رئيسيا، ولذلك كان لابد من إجراء بعض التعديلات الدستورية لمأسسة اللجنة، وجعل عملها وصلاحياتها الجديدة والواسعة تكون مطابقة للدستور الصيني، ومعالجة مسألة تعليق أحكام بعض القوانين الوطنية عندما تم إطلاق تنفيذ البرامج التجريبية للهيئة الجديدة.

يبدو أن قادة الصين يسعون من وراء إنشاء هذه الهيئة إلى تحويل مكافحة الفساد من قضية داخل الحزب إلى مشروع وطني شامل، من خلال عملية الدمج بين سلطات مكافحة الفساد التي يقودها الحزب مع تلك التي تقودها مؤسسات الدولة القائمة، وذلك من أجل تفادي ازدواجية الهياكل وتشعب المرجعيات والتكرار في بيروقراطية الدولة- الحزب، التي تنشأ من كون أن هيئات مكافحة الفساد في الصين تنتشر عبر مختلف مستويات لجان الفحص والسلطات الحكومية والأجهزة القضائية.

ويمكن القول، إن هذه الخطط ترجع إلى الأمل في أن يؤدي إنشاء مثل هذا الجهاز الحكومي الجديد القوي للإشراف على كل من بيروقراطية الحزب وبيروقراطية الدولة إلى تغيير النظرة إلى مكافحة الفساد، من حملة سياسية مؤقتة تحت قيادة الحزب إلى أداة مؤسسية شاملة ونظام سياسي دائم لتطبيق الحكم الرشيد والممارسات الأخلاقية في جميع أنحاء النظام.

استبدال الوسيلة الاستقصائية القديمة بوسيلة جديدة

وبحسب مشروع القانون، فإن اللجنة الوطنية للمراقبة ستتبع نظام احتجاز جديد يهدف إلى استبدال نظام "المحدَدَيّْن" (إلزام الكادر المرتكب لأخطاء خطيرة بتبرير تصرفاته في وقت محدد ومكان محدد) الذي يستخدم حاليا لمحاكمة المشتبه بهم في قضايا الفساد، والذي يتم انتقاد ممارساته من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية. وبموجب النظام المقترح والآلية الجديدة التي تدعى "ليو تشي"، والتي كشف الرئيس شي النقاب عنها في التقرير الذي قدمه إلى المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر2017، سيتم تحديد فترات الاحتجاز لمدة ثلاثة أشهر وليس لأجل غير مسمى، قابلة للتمديد لثلاثة أشهر أخرى بعد الحصول على الموافقة. كما يجب إخطار الأسرة أو مكان العمل باحتجاز المشتبه بهم في غضون 24 ساعة. وعلاوة على ذلك، يجب أن يتم التوقيع على الاعترافات من قبل المحتجزين، وسيتم تصوير الاستجوابات بالفيديو، وبحسب مشروع القانون، ستتم تقنين آلية الاحتجاز الجديدة وإخضاعها لإجراءات داخلية أكثر صرامة.

إن إنشاء مثل هذا الكيان المتكامل للدولة والحزب لن يضفي الشرعية على آليات مكافحة الفساد ويتيح لها تغطية أوسع فحسب، بل سيؤدي أيضا إلى تبسيط العملية وتعزيز الكفاءة والشفافية.

وهذا ينسجم مع ما صرح به تشاو له جي، أمين اللجنة المركزية التاسعة عشرة لفحص الانضباط للحزب الشيوعي الصيني المعين حديثا، بأنه يتعين عليهم إحراز انتصار ساحق في مكافحة الفساد، ووضع إطار قانوني مؤسسي يجعل من المستحيل على المسؤولين أن يمارسوا الفساد.