((الصين اليوم)) تربط قلوب الشعوب بالفن
جولة الفنان فانغ تشو شيونغ في مصر


تحقيق "الترابط" بين قلوب الشعوب، أحد المجالات الخمسة التي تسعى مبادرة "الحزام والطريق" إلى تحقيق ثمار مبكرة فيها. المجالات الأربعة الأخرى هي تحقيق الترابط في السياسات، ومرافق البنية التحتية، والتجارة، ورأس المال؛ انطلاقا من المبادئ التي تقوم عليها المبادرة، وهي: التشاور المشترك والبناء المشترك والاستفادة المشتركة.

في الفترة من الثالث إلى العاشر من نوفمبر 2017، قام وفد فني صيني برئاسة الرسام الصيني المشهور فانغ تشو شيونغ، أستاذ ونائب رئيس قسم الرسم التقليدي بأكاديمية قوانغتشو للفنون الجميلة، وعضو الجمعية الصينية للفنانين، بجولة في عدد من المدن المصرية.

زيارة الوفد الفني الصيني لمصر نموذج للتعاون الثقافي البنّاء بين البلدين في تحقيق أهداف "مبادرة الحزام والطريق". في شهر سبتمبر، بدأ الترتيب لهذه الزيارة بين الفرع الإقليمي لمجلة ((الصين اليوم)) في الشرق الأوسط، والهيئة العامة للاستعلامات المصرية؛ حيث أولى رئيس الهيئة السيد ضياء رشوان اهتماما خاصا بزيارة الوفد، وبذل السيد أحمد سلام وكيل الوزارة بالهيئة كل جهده لإنجاح جولة الوفد الفني الصيني في مصر، كما قدم الدكتور مصطفى الفرماوي الذي رافق الوفد الصيني كل التيسيرات خلال الجولة التي شملت القاهرة والأسكندرية والأقصر والغردفة.

في مشهد مهيب أمام جامعة القاهرة، وبعد أن تأمل فانغ تشو شيونغ الجامعة العريقة، أمسك بريشته وغمسها في أحباره وانكب على الورق المصنوع من قش الأرز، وشرع يجسد مشهد الجامعة، وسط جموع غفيرة من المصريين التفوا حوله مندهشين من براعته. على وقع تصفيق وهتافات الأعداد الغفيرة من المتفرجين، توالت ضربات فرشاة السيد فانغ الذي أبدع لوحة رائعة لواحدة من أعرق المؤسسات التعليمية في المنطقة العربية.

في منطقة الأهرامات بالجيزة، وقف فانغ تشو شيونغ منبهرا، وقال: "الإحساس بالعظمة الذي تشعر به وأنت أمام الأهرامات لا يمكن أن تشعر به مهما رأيت من صور لها." ومرة أخرى، أخرج الفنان الصيني البالغ من العمر سبعة وستين عاما، أدواته ليبدع لوحة أخرى لإحدى عجائب الدنيا السبع، قبل أن ينتقل إلى أبي الهول ليجسده في لوحة فنية تبرز ملامح ربما غير مسبوقة للتمثال الأشهر في العالم. يتكرر المشهد في أماكن أخرى بالقاهرة؛ قلعة صلاح الدين، وشارع المعز، ومنطقة الحسين وخان الخليلي، وغيرها من الأماكن العريقة الشهيرة.

في صباح الخامس من نوفمبر، وبينما كان الوفد الصيني في طريقه من فندق ماريوت العريق على ضفة نيل القاهرة، إلى كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان في منطقة الزمالك، كانت سيارة الوفد تشق طريقها بين قصور وفيلات المنطقة ذات الطابع المعماري المميز، حتى وصلت إلى بوابة كلية الفنون الأقدم في الشرق الأوسط، والتي أنشئت قبل مائة وتسع سنوات. ما إن دلف الوفد إلى الكلية، حتى أبهره مشهد الطلاب المتناثرين في مدخل وحديقة الكلية وكل منهم أمامه لوحة وفي يده قلم الرسم يجسدون مشاهد شتى من الطبيعة ومن خيالاتهم. توقف السيد فانغ والتقط الصور مع بعضهم معربا عن بهجته بهذا المشهد، قبل أن يصعد إلى مكتب عميدة الكلية الدكتورة صفيه القباني، التي رحبت بالوفد معربة عن سعادتها بزيارة فنان صيني كبير للكلية. وبعد جولة في متحف كلية الفنون الجميلة الذي يضم روائع الفنانين المصريين ونسخة أصلية لكتاب "وصف مصر"، كان الموعد مع اللقاء الموسع للفنان الصيني وأساتذة وطلاب الكلية. ألقى السيد فانغ محاضرة حول الرسم التقليدي الصيني، باعتباره كنز الفنون الصينية والمجسد لروح الأمة الصينية. قال إن رسم الزهور والطيور بلغ أوج ازدهاره في فترة أسرة سونغ، وإن الرسم الانطباعي بضربات الفرشاة البسيطة، الذي يمثله ليانغ كاي ومو شي، بدأ منذ تلك الفترة. وأوضح نقاط الاختلاف بين الرسم الصيني والرسم الغربي، مقارنا بين لوحة للرسام الفرنسي بول سيزان ولوحة صينية. وشرح فانغ تشو شيونغ مغزى الفراغ في اللوحة الصينية، وإضافة فن الخط والختم لها.

كان اللقاء فرصة للحضور للاستفسار عن أشياء كثيرة حول الرسم الصيني ومعرفة المزيد عن هذا الفن العريق، وكان أجمل ختام عندما تناول السيد فانغ أدوات الرسم وأحاط به الطلاب ليبدع لوحة رائعة لحيوان السنجاب وهو يأكل حبات رمانة متدلية من شجرة خضراء، وسط تصفيق وصيحات إعجاب بمهارته الفائقة. أهدى السيد فانغ اللوحة الموقعة باسمه للكلية، لتحتفظ بها في متحفها.

في جامعة فاروس بالأسكندرية، كان الوفد على موعد آخر لترابط قلوب الشعوب. هذه الجامعة الخاصة الواقعة في المدينة التي تحمل لقب "عروس البحر المتوسط"، فاجأت الوفد الصيني بلوحات ترحيب تحمل صورته وبعدد من أعماله وسيرته الذاتية. ورد فانغ على هذا الترحيب بالمشاركة مع أساتذة وطلاب الكلية في ورشة رسم، أثمرت عددا من الأعمال الرائعة. استقبل رئيس جامعة فاروس الدكتور محمود محيي الدين، وعميد كلية الفنون الجميلة بها الدكتور محمد هلال، الوفد الفني الصيني، وقدمت الجامعة درعها للسيد فانغ، الذي أعرب عن سعادته البالغة بزيارة الأسكندرية ومكتبتها العريقة ومعالمها الخالدة، وقال إنها تركت في ذهنه انطباعات لا تنسى تمثل إلهاما ثريا له في أعماله الفنية.

في الأقصر، التي تحمل لقب "مدينة المائة باب" و"مدينة الشمس"، استقبل وكيل وزارة الثقافة محمد عباس، الوفد الفني الصيني ورافقه في زيارة معبد الكرنك ومعبد الأقصر، وطريق الكباش الرابط بين المعبدين، ومتحف الأقصر، ووادي الملوك، ووادي الملكات، وغيرها.

وكان لقاء الفنان فانغ تشو شيونغ مع أساتذة وطلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة جنوب الوادي في الأقصر تجسيدا للترابط بين قلوب الشعوب. في الندوة التي أقيمت بهذه المناسبة، قال الدكتور محمد صالح عبد المعطي نائب رئيس جامعة جنوب الوادي لشؤوون فرع الأقصر، إن إقامة تلك الندوة التي حظيت بمشاركة الفنان العالمي فانغ تشو شيونغ والوفد المرافق له، هي ترجمة واقعية للمنظور الذي وضعته جامعة جنوب الوادي فرع الأقصر حول آليات فتح أفاق جديدة أمام طلابها، للتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى، والتعلم منها بالشكل الذي يمكن من خلاله أن يحصل الطالب على الاستفادة. وتحدث السيد فانغ عن زيارته لمصر والتي استطاع من خلالها أن يكتسب الكثير من المعلومات عن الفن المصري، خاصة بعد زيارته للمتحف المصري ورؤيته للبرديات المصرية القديمة والرسومات التي تحملها والتي تتصف بالدقة والاهتمام بالتفاصيل، وهذا ما يشابه بشدة المدرسة الفنية الخاصة بأسرة سونغ الصينية، والتي استطاعت النهوض بالفن الصيني بشكل كبير للغاية. وأضاف: "مصر والصين تجمعهما عدة عوامل بدءا من عمق الحضارات، فالحضارة المصرية تعد من أقدام الحضارات التي عرفها الإنسان والتي ظهرت منذ نحو سبعة آلاف عام، وكذلك الحضارة الصينية التي نشأت منذ خمسة آلاف عام، موضحا أنه حرص على زيارة عدد من المدن المصرية من بينها القاهرة والأسكندرية، وحرص أيضا على تسجيل زيارته لمصر من خلال تنفيذ بعض اللوحات التى تحمل صورا للأهرامات، وغيرها من المعالم السياحية المصرية."

وعقب انتهاء الندوة الفنية، أقيمت ورشة عمل للطلاب للتعرف على الأساليب الفنية الخاصة بالفن الصيني.

اختتم الوفد الفني الصيني جولته في مصر بزيارة مدينة الغردقة على خليج السويس، حيث الشمس المشرقة ومياه البحر الأحمر الخلابة، فمصر التي تفخر بتاريخها المجيد وآثارها الخالدة، تعتز أيضا بحضارتها الحديثة ومنجزاتها العمرانية والسياحية الممتدة في ربوع البلاد.