نثر بذور التطور

يهتم الصينيون بالتعليم منذ قديم الزمان، ويعلقون على التعليم آمالا كبيرة في إنجاح أبنائهم. وقد ظل نمط التعليم الذي يستهدف التفوق في الامتحان عبئا كبيرا على الطالب الصيني. ولكن، مع انتشار التعليم العالي في المدن الكبيرة، صار تخفيف الأعباء وتربية الطالب شاملا اتجاها للتعليم الجديد، وكانت بكين سباقة في اتخاذ خطوات لإصلاح التعليم وتطويره. في عام 2013، طالبت حكومة بكين بوضوح بأن لا يتجاوز الوقت الذي يقضيه تلاميذ المرحلة الابتدائية يوميا  في المدرسة ست ساعات ، وأن لا يتجاوز ثماني ساعات بالنسبة لطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية. وهكذا، من الطبيعي أن ينتهي اليوم الدراسي في الساعة الثالثة ونصف عصرا، وليس الخامسة مساء. ومع ذلك، لا ترى المدارس خالية هادئة بعد الثالثة عصرا، ذلك لأنها تحولت إلى جنة للطلاب. فماذا حدث؟

التعلم مع ممارسة الهوايات

في المدرسة الابتدائية التجريبية الثانية ببكين، وبعد انتهاء اليوم الدراسي، تبدأ دروس من نوع آخر، للتكنولوجيا والفنون والرياضة البدنية، وغيرها من عشرات المواد الأخرى. يشارك في هذه الدروس الطلاب ومعلمون ومدربون متخصصون من نادي قوآن لكرة القدم ونادي شوقانغ لكرة السلة والفرقة الموسيقية لجيش التحرير الشعبي الصيني. في عشر مدارس ابتدائية واعدادية وثانوية بحي دونغتشنغ ببكين، يقوم مدربون من أندية الغولف بتدريب الطلاب مجانا على هذه الرياضة.

منذ عام 2014، استثمرت حكومة بكين خمسمائة مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 9ر6 يوانات) سنويا في أنشطة خارج المناهج الدراسية لطلاب المرحلة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، بمتوسط أربعمائة يوان لكل طالب في المدينة، وخمسمائة يوان لكل طالب في ضواحي المدينة للممارسة أنشطة الرياضة البدنية والفنون والتكنولوجيا وغيرها، بحيث لا يقل عدد أيام الأنشطة عن ثلاثة أيام أسبوعيا، وفي كل يوم منها لا يقل وقت الأنشطة عن ساعة.

يساعد المعلمون والمدربون والأكفاء المتخصصين من الجامعات والهيئات التعليمية الأهلية والأندية الرياضية ومراكز التكنولوجيا، الطلاب في اكتشاف وتطوير هواياتهم.

قال تاو شي بينغ، عضو اللجنة الاستشارية الوطنية للتعليم والرئيس الفخري لاتحاد بكين للعلوم الاجتماعية، إن زيادة معارف الطلاب الحقيقية ليست مطلبا أساسيا فحسب، وإنما أيضا الهدف الأخير لإصلاح التعليم الأساسي في بكين. وأوضح أن مبدأ جعل الطالب محور العملية التعليمية يبدأ بالتعرف على احتياجات الطالب وتخفيف أعبائه.

غرس التفكير الإبداعي

إذا كان غرس التفكير الإبداعي على أساس تعميق القدرات الأساسية أهم مطلب للمجتمع والتعليم الصيني في الوقت الحالي، فإن أنشطة التطبيق العلمي المفتوح تعالج نقطة الضعف في هذا الصدد.

أسست جامعة جياوتونغ ببكين والمدرسة الابتدائية التابعة لها مختبرا لروبوت يقدم دروسا اختيارية لطلاب الصفين الأول والثاني من المرحلة الإعدادية ببكين. ياو يان آن، مشرفة الدكتوراه في جامعة جياوتونغ ببكين والتي كانت عرضت دروسها لعقيلة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، السيدة ميشيل في عام 2014، هي المتحدث الرئيسي والمصممة لمادة ((روبوت "رقع الثلج" المتدحرج))،  تقدم السيدة ياو مع معاونها المساعدة لثلاثين طالبا في إنجاز صنع روبوت "رقع الثلج".

منذ سبتمبر عام 2015، بدأ طلاب المرحلة الإعدادية  في بكين الذهاب إلى خارج أسوار المدارس، ودخول الجامعات والأكاديميات العلمية ومراكز تعميم العلوم والمتاحف لكي يشاركوا في أنشطة التطبيق العلمي. تطلب حكومة بكين من الطلاب المشاركة في التطبيقات العلمية خمس مرات كل فصل مدرسي؛ من أجل غرس الفكر الإبداعي فيهم وتقوية قدرتهم على الابتكار.

وتحرص حكومة بكين أن تجمع أنشطة التطبيق العلمي المفتوح بين موارد التعليم من الجامعات ومعاهد العلوم والبحوث والشركات، كما تخصص استثمارات لتنفيذ مشروعات أنشطة التطبيق العلمي المتعلقة بعلوم الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها. في النصف الثاني لعام 2015، قدمت 202 هيئة 851 مشروع أنشطة؛ وفي النصف الأول لعام 2016، قدمت 255 هيئة 1009 مشروعات أنشطة، وبلغت ساعات الدراسة 270 ألف ساعة، بحيث يمكن لكل طالب من الثمانية والثمانين ألف طالب في الصف الأول بالمرحلة الإعدادية في بكين اختيار نحو أحد عشر نشاطا، مما يزيد التطبيق العلمي للطلاب ويعزز تدريب الأكفاء بشكل إبداعي.

الصين تحتاج إلى الإبداع في مختلف المجالات، والموهبة تولد مع الإنسان، والأنشطة خارج المناهج الدراسية تساعد في الحفاظ على الموهبة وتطويرها من أجل تعزيز قدرة الإبداع.

متعة ممارسة العمل المهني

"هل سبق لك أن رأيت عملية صنع الأدوية؟" "هل تعرف كيف تصنع الحقنة الطبية؟"، تم طرح هذين السؤالين في درس بالمدرسة المهنية  الثانية في حي داشينغ، حيث يدرس الطلاب صنع الأدوية. قال المعلم سونغ جين، "توفر المدرسة عشرين مادة بما فيها الكهروميكانيكا واللوجستيات والكعك الغربي وصنع الأدوية وغيرها حسب خصائص دروس المدرسة. الدراسة في المدرسة المهنية توفر للطلاب متعة تجربة العمل المهني خلال الدراسة."

حضور طلاب المدارس الثانوية المدرسة المهنية للدراسة هو ليس أمرا غريبا.

في أكتوبر عام 2016، في المدرسة المهنية الدولية ببكين، عايش 200 طالب من المدرسة الثانوية الأولى ببكين ومدرسة هيجيما الابتدائية، تجربة أن يكونوا "مهندس إنترنت" و"خباز كعك غربي" و"مصمم أزياء" و"مصمم زهور" و"مخطط مالي" و"رئيس تنفيذي" و"مبرمج" في دروس تجريبية. بالنسبة لهم، "العمل يخلق الجمال والحياة" ليس مجرد شعار، بل معرفة حقيقية وتجربة واقعية.

الربط بين الدراسة المهنية والدراسة العامة والتعليم المجتمعي يجعل التعليم يقترب من الواقع. أنشأت حكومة حي دونغتشنغ في المدارس المهنية بالحي، مراكز تجارب مهنية لطلاب المرحلة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، ومراكز تجارب مهنية لمواطني بكين، وتطور سلسلة من مواد التجارب المهنية. قال نائب مدير لجنة التعليم لحي دونغتشنغ، شيوي جيان تشيو، إن مواد التجارب المهنية تغطي حاليا كل حي دونغتشنغ، وفي المستقبل، سوف تصل لكل طالب.

وفي المستقبل، سوف يتطور التعليم المهني والتعليم العالي معا، وسوف ينال أصحاب "الياقات الزرقاء" المزيد من الاحترام.

تعلم العلوم الزراعية يؤثر في طول عمر الإنسان

في صيف عام 2016، درس أربعمائة وخمسة وستون طالبا من مدرسة شانغدي التجربية ببكين حراثة وزراعة الخضراوات وطحن فول الصويا وحلب الأبقار وصنع المعجنات وغيرها، في قاعدة تعلم العلوم الزراعية للمحطة التجريبية للمعدات الزراعية ببكين. في القاعدة، ثلاث وثلاثون مادة عمل، تشمل الزراعة والغابات والثروة الحيوانية وتربية وصيد الأسماك، بما يحقق الربط بين العمل وما يدرسه الطلاب، عن طريق العمل الزراعي.

شيويه ون يوي، وهي طالبة تعلمت الحرث وإعداد التربة ونقل الأسمدة وزراعة الخضراوات والري، قالت: "ننمي معارفنا وقدراتنا بالعرق والجهد، ونشعر بتعب المزارعين، لذا علينا أن نحرص على المحاصيل الغذائية وأن نحافظ عليها."

قال أحد آباء جيل الطفل الواحد: "هذا النشاط يساعد في توجيه الأبناء إلى الطريق الصحيح."

لمواجهة ظاهرة  افتقار الطلاب في المدن لأخلاقيات العمل، وفرت حكومة بكين فرص تعلم العلوم الزراعية لطلاب المرحلة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، منذ أكتوبر عام 2015، وتتعاون في هذا المجال مع ثلاثين هيئة، منها المعهد المهني للزراعة والمحطة التجريبية التابعة للأكاديمية الصينية لعلوم الميكنة الزراعية في بكين، وتوفر فرص التطبيقات الزراعية لنحو عشرين ألف طالب. تجمع المواد بين التعليم الزراعي والأعمال الزراعية، بجانب تطبيقات الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من العلوم.

تعلم العلوم الزراعية يتطلب أن يشارك كل طالب في الأعمال الزراعية وتعلم الطبخ. خلال فترة التعلم، يدير الطلاب شؤونهم اليومية بأنفسهم، مما يساعدهم في تعلم المعارف ومهارات العمل، ويرفع قدراتهم في الاعتماد على أنفسهم وقدرتهم على الإدارة الذاتية، وينمي روح المساعدة والصداقة المتبادلة وروح العرفان والامتنان. يدرك الآباء والأمهات التغيرات الإيجابية التي تطرأ على أبنائهم، وكما قال أحدهم، "إن تعلم العلوم الزراعية لأسبوع واحد، يؤثر في طول عمر المتعلم. "

من أجل ضمان التأثير الإيجابي للأنشطة التطبيقية، قررت حكومة بكين أن يشارك كل طالب في المرحلة الإعدادية في عشرة أنشطة تطبيقية اجتماعية سنويا على الأقل ، باعتبار أن ذلك يؤثر على تقييم الطالب في الامتحان النهائي.

قال تاو شي بينغ: "إصلاح التعليم على أساس تعزيز التعليم خارج المناهج الدراسية، يدفع التطور الشامل لكل طالب، ويحقق تطورا كافيا للمواهب المختلفة لكل طالب من مختلف الأسر، ويلبي تطلعاتهم ويشبع هواياتهم ويضمن حقوقهم في التطور الذاتي، ويدفع التطور الشامل المتوازن للتعليم الأساسي في بكين."