الاقتصاد الصيني في سنة 2013
تشو فنغ
2013 هو عام الأفعى وفقا للتقويم القمري الصيني. ويعتقد الصينيون أن الأفعى النشيط يبشر بالثراء والرخاء. ولكننا نرى، ونحن في بداية 2013، أن الاقتصاد العالمي في هذه السنة لا يبعث على كثير من التفاؤل مع التباطؤ الاقتصادي في الدول المتقدمة. ولا شك أن التراجع في السوق العالمية سوف يؤثر على الاقتصاد الصيني. ولكن عام 2013 استقبل أيضا تغيرا في قيادات الدول الهامة في العالم، فهل سيبث الجيل الجديد من القادة حيوية في الاقتصاد العالمي؟
تراجع اقتصادي يصعب تجنبه
في الخامس عشر من يناير سنة 2013، أصدر البنك الدولي تقرير ((آفاق الاقتصاد العالمي في سنة 2013))، توقع فيه أن يصل معدل زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 4ر2%، أي أقل 6ر0% من المعدل الذي أعلنه البنك في تقريره السابق الصادر في يونيو سنة 2012. وكان البنك توقع في تقريره الصادر في منتصف عام 2012 أن يصل معدل زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية 9ر5% في 2013، ولكن التقرير الأخير خفض هذا المعدل إلى 5ر5%. وتوقع البنك الدولي أن يكون معدل النمو في الدول المتقدمة في سنة 2013 هو نفس المعدل لسنة 2012، أي 3ر1%، مع زيادة التضخم المالي العالمي، مما يعني أن معدل نمو الاقتصاد العالمي في 2013 سيتراوح بين 5ر3% و4%. وفي ظل النمو المستقر للاقتصاد العالمي، ستستقر أو تنخفض أسعار النفط وغيره من السلع، إلا إذا وقعت صراعات سياسية كبيرة وحروب أهلية في منطقة الشرق الأوسط.
السبب الرئيسي لتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي في 2013 هو الانكماش الاقتصادي المتواصل في الدول المتقدمة، واستمرار الفقاعة الائتمانية الناجمة عن الأزمة المالية العالمية المستمرة منذ سنة 2008، وتأثيرها على الأسواق العالمية. وفي أوروبا، تؤدي السياسات المالية الانكماشية إلى زيادة أزمة النظام المصرفي في اليونان وأسبانيا وغيرهما. تشهد منطقة اليورو عدم توازن داخلي، ويواجه البنك المركزي الأوروبي تحديات في حل الأزمة المالية. وتتوقع مجموعة نومورا (NOMURA) للسندات أنه بعد انخفاض إجمالي الناتج المحلي لمنطقة اليورو بنسبة 5ر0% في سنة 2012، سسيشهد انخفاضا بنسبة 8ر0% في سنة 2013، مما يجعل الانتعاش الاقتصادي لمنطقة اليورو صعب المنال.
التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية هو أن يحصل أوباما في فترته الرئاسية الثانية على موافقة الكونغرس على زيادة "الحد الأقصى للعجز المالي" أو عدم حصوله عليها. رغم أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري توصلا لاتفاق في31 ديسمبر سنة 2012 للخروج من "الهاوية المالية"، ستؤدي زيادة معدل الضريبة الهامشية على أصحاب الدخول العالية وغيرها من العوامل غير الملائمة إلى تقليل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الأمريكي بنسبة 1% في سنة 2013. لا نستطيع حاليا توقع تأثير الحد الأقصى للديون السيادية على معدل نمو الاقتصاد الأمريكي في سنة 2013. إذا لم تحل الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة الحد الأقصى للديون السيادية في الشهور التالية، ستشهد النفقات انخفاضا كبيرا، وقد يكون معدل نمو الاقتصاد الأمريكي 0%، مما سيؤدي إلى تراجع معدل نمو الاقتصاد الأوروبي إلى -1%. مستقبل الاقتصاد الأمريكي والأوروبي في سنة 2013 يثير القلق. إذا حلت الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة الحد الأقصى للديون السيادية وانتهجت حكومة أوباما سياسات مالية نشيطة، قد يصل معدل نمو الاقتصاد الأمريكي في 2013 إلى 7ر1%.
الاقتصاد الصيني
يتوقع كثيرون أن يحقق الاقتصاد الصيني مزيدا من النمو في 2013، مع احتواء التباطؤ الملموس لمعدل نمو الاقتصاد الذي بدأ في 2012 بشكل أساسي. والحقيقة أن الاقتصاد الصيني يشهد منذ شهر سبتمبر سنة 2012 نموا ملحوظا، حيث تراجعت أسعار المواد الخام، وارتفع مؤشر الطلبات الجديدة منذ أواسط سبتمبر، ووصل مؤشر مديري المشتريات (PMI) إلى 8ر50% في أكتوبر ونوفمبر، وزاد إجمالي التمويل بنسبة 23% في نوفمبر 2012 بالمقارنة مع نوفمبر 2011، وزادت أرباح قطاع التصنيع بنسبة 5ر20% في أكتوبر 2012 بالمقارنة مع أكتوبر 2011. إضافة إلى ذلك، بدأ معدل صادرات المنتجات الصينية للخارج يتجه إلى الارتفاع، منذ سبتمبر 2012، بعد أن كان يسجل انخفاضا. وقد وصل معدل نمو الاقتصاد الصيني إلى 4ر7% في الربع الثالث لسنة 2012، ثم ارتفع إلى 7ر7% في الربع الأخير لسنة 2012، ليصل في سنة 2012 كلها إلى 8ر7%.
وفقا لتقرير ((آفاق الاقتصاد الكلي والأعمال المصرفية لعام 2013)) الذي أصدره "بنك الصين" في 12 ديسمبر سنة 2012، سيكون الطلب المحلي، وخاصة الاستهلاك، قوة الدفع الرئيسية لنمو الاقتصاد الصيني في 2013، حيث توقع التقرير أن ينمو إجمالي الناتج المحلي للصين بنسبة 8%، وأن يرتفع مؤشر سعر المستهلك بنسبة حوالي 3%. وتوقع التقرير أن لا يشهد متوسط سعر الفائدة على ودائع وقروض البنوك التجارية انخفاضا كبيرا. وسوف تشهد السياسة المالية للبنك المركزي الصيني مرونة نسبية في سنة 2013، بالمقارنة مع سنة 2012.
ومن المتوقع في سنة 2013، أن يبلغ معدل نمو الاقتصاد الصيني 6ر8% في 2013، وأن يكون معدل التضخم المالي 3%، مما يساهم في مواصلة تنفيذ السياسة المالية المرنة. في ظل الانتعاش الاقتصادي، لن يخفض بنك الصين سعر الفائدة. وسيشهد النظام المالي الصيني إصلاحا بخطوات أسرع، ومن المتوقع أن تتم تصفية حسابات أكثر من 30% من الحجم التجاري للصين خلال السنوات الثلاث المقبلة بالعملة الصينية (الرنمينبي).
رغم أن الصين تواجه صعوبات في نموها الاقتصادي بسبب تراجع الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والياباني، مازال الاقتصاد الصيني قوة هامة لدفع النمو الاقتصادي العالمي في سنة 2013. وقد قال جيان شي شيون، كبير الاقتصاديين في بنك (HSBC)، إن الاقتصاد العالمي تحول من "القرن الأمريكي" إلى "القرن الصيني"، متوقعا أن يكون الربح في الدورة الجديدة للتطور الاقتصادي العالمي من نصيب الدول والمناطق القريبة من الصين، بينما ستكون الخسارة من نصيب الدول التي لا تغتنم فرص تطوير التجارة مع الصين.
الإصلاح يدفع النمو الاقتصادي
الجيل الجديد من القادة الصينيين الذي انتخب في المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني سنة 2012، يعطي النمو الاقتصادي دفعة كبيرة. وبعد الدورتين السنويتين للمؤتمر الوطني لنواب الشعب والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في مارس سنة 2013، سيبدأ العمل الرسمي للقيادة الصينية الجديدة. تدرك المجموعة القيادية الجديدة للصين، وفي القلب منها شي جين بينغ، أنه بعد 34 سنة من الإصلاح والانفتاح، وصل نمو الاقتصاد الصيني إلى مستوى عال، ومن ثم صارت المشاكل والتحديات التي تواحهها البلاد حادة. تعميق الإصلاح وتحقيق "الحلم الصيني"، أي الثروة والقوة والديمقراطية وحكم القانون، هما هدفا التنمية الصينية اللذان أكدت عليهما المجموعة القيادية الجديدة.
في اجتماع دراسي لأعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني عقد في اليوم الأخير لسنة 2013، أكد الزعيم الصيني الجديد شي جين بينغ أن سياسة الإصلاح والانفتاح مستمرة إلى الأبد. وقال إن التناقضات التي تكتنف مسيرة الإصلاح والانفتاح تتطلب حلولا إصلاحية وانفتاحية. ينبغي الاستجابة لصوت الجماهير ورغبتهم في تعميق الإصلاح والانفتاح والتنسيق لدفع الإصلاح في كل المجالات والحلقات.
الإصلاح ليس حفز الصالح واستئصال الطالح فحسب، وإنما أيضا دفع بناء البيئة القانونية لاقتصاد السوق الصيني، وتحرير قوى الإبداع الاجتماعية بشكل أكبر، وبناء دولة يكون مؤشر سعادة شعبها عاليا، وبناء نظام سياسي شامل. الإصلاح الصيني سيضخ حيوية جديدة لنمو اقتصاد الصين وتنمية العالم.
*تشو فنغ، أستاذ بمعهد العلاقات الدولية في جامعة بكين.