أخبار < الرئيسية

"الحزام والطريق".. رؤية عربية

: مشاركة
2018-10-15 13:27:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

تحظى مبادرة "الحزام والطريق" بزخم عالمي متزايد، لا يستثني المنطقة العربية التي تحتل مكانة هامة في إطار "الحزام والطريق"، ليس فقط لموقعها الجغرافي في قلب مخطط المبادرة، وإنما أيضا لما لديها من ثروات طبيعية وفي مقدمتها النفط والغاز، وما تتبناه الكثير من دولها من إستراتيجيات تنمية تتفق في خطوطها الرئيسية مع تلك المبادرة، فضلا عن كونها الملعب الرئيسي لمنافسات القوى الدولية الكبرى وما تشهده من تفاعلات يمتد تأثيرها إلى مناطق أخرى من العالم.

والحقيقة أن مبادرة "الحزام والطريق"، والتي تعني "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، تعد استمرارا للنهج الذي تلتزم به الصين منذ تبنيها سياسة الإصلاح الاقتصادي والانفتاح على العالم الخارجي في نهاية سبعينيات القرن العشرين، واتساقا مع المبادئ التي تؤمن بها في العلاقات السياسية الدولية، وهي: احترام حقوق الإنسان؛ سيادة جميع الدول ووحدتها؛ عدم التدخل في شؤونها؛ تسوية النزاعات بالطرق السلمية؛ وأخيرا تنمية المصالح المتبادلة والتعاون بينها. هذه المبادئ، التي تم إقرارها في مؤتمر عدم الانحياز في باندونغ عام 1955 تحت عنوان المبادي الخمسة للتعايش السلمي، شاركت الصين في صياغتها، ويتضمنها الدستور الصيني، ظلت المحدد الرئيسي للسياسة والمبادرات والمواقف الصينية، فقد استندت إليها المبادئ الثمانية للمساعدات الخارجية التي أصدرتها الصين فى يناير عام 1964، والمبادئ الأربعة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الدول الأفريقية الصادرة فى يناير عام 1983، والمبادئ الأربعة للعلاقات بين الصين ودول أمريكا اللاتينية فى مايو عام 1990، والدعوة التي أطلقتها الصين في سبتمبر عام 1991، لتشكيل نظام دولي جديد يسوده السلام والاستقرار والعدل. وهكذا، ظلت تلك المبادئ حجر الزاوية في تطوير الصين وتعزيز علاقاتها مع كافة دول العالم. لا يمكن فهم مبادرة "الحزام والطريق" خارج هذا السياق، فالمبادرة تهدف إلى تحقيق التواصل في خمسة مجالات، هي: التواصل في السياسات، والتواصل في مرافق البنية التحتية، والتواصل في التجارة، والتواصل في رأس المال، والتواصل بين قلوب الشعوب.

إن فكرة "طريق الحرير" تستدعي إلى الذاكرة العربية والصينية تاريخا من التعاون والتلاقح الفكري والثقافي والمعرفي، وإذا كان الحديث في سنوات سابقة عن "إحياء طريق الحرير القديم" ظل حديثا مبهما يوتوبيا إلى حد كبير، فإن المبادرة الصينية تحول الفكرة إلى واقع يستند إلى حقائق قائمة بالفعل، سواء من خلال العلاقات الثنائية التي تربط بين الصين والدول المعنية بالحزام والطريق، أو من خلال الآليات الجماعية وفي مقدمتها منظمة شانغهاي للتعاون التي أنشئت في عام 2001 بهدف مكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، إضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة وحماية البيئة والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والطاقة والمواصلات والمال وغيرها، من أجل تعزيز التنمية المتوازنة والشاملة في مجالات الاقتصاد والمجتمع والثقافة. وأيضا من خلال المؤتمر الوزاري للتعاون الاقتصادي الإقليمي في آسيا الوسطى، ومنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، ومنتدى التعاون الصيني- العربي، ومنطقة التجارة الحرة بين الصين ودول الخليج العربية التي يجري التشاور بشأنها بين الجانبين، ومشروع تنمية محور قناة السويس في مصر ومدينة الحرير بالكويت ومدينة الملك محمد السادس للعلوم والتكنولوجيا بطنجة في المغرب وغيرها، فضلا عن إستراتيجيات التنمية في مصر (رؤية 2030)، والسعودية (رؤية 2030)، والأردن (رؤية 2035)، إلخ.

لقد أثبتت التطورات خلال السنوات الخمس الماضية، منذ طرح المبادرة، أن "الحزام والطريق" تفرض واقعا عالميا جديدا يقوم على التشارك وتبادل المنفعة وتضع النهاية لحقب من الاستغلال الذي مارسته قوى دولية في فترات سابقة، فحتى شهر أغسطس 2018، بلغ عدد الدول والمنظمات التي وقعت على على وثائق تعاون مع الصين في إطار المبادرة أكثر من مائة. وتم إنجاز نحو 95% من إجمالي 279 بندا على قائمة نتائج منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي الذي عقد في مايو 2017. وخلال السنوات الخمس الماضية، تجاوز حجم التجارة السلعية بين الصين والدول على طول الحزام والطريق 5.5 تريليونات دولار أمريكي، ووصل الاستثمار الصيني المباشر في القطاعات غير المالية في هذه الدول إلى أكثر من 80 مليار دولار أمريكي، وأسست الصين 82 منطقة تعاون اقتصادي وتجاري في الدول الواقعة على طول الحزام والطريق، حيث استثمرت 28.9 مليار دولار أمريكي ووقعت على 16 اتفاقية تجارة حرة مع 24 دولة ومنطقة، يقع نصفها على طول الحزام والطريق. وفي إطار المبادرة، أقامت الصين 81 مؤسسة تعليمية ومشروعا تعليميا إضافة إلى 35 مركزا ثقافيا في الدول على طول الحزام والطريق. وفي النصف الأول من 2018، أنفقت الصين أكثر من 39.3 مليون دولار أمريكي على منح طريق الحرير الدراسية.

الاهتمام العربي بمبادرة "الحزام والطريق" لم يعد مقتصرا على دوائر صنع السياسة في الدول العربية، وإنما يمتد إلى الأوساط الأكاديمية، ومن دلائل ذلك ما تضمنه ملحق ((تحولات إستراتيجية)) لعدد شهر أكتوبر 2018 من مجلة ((السياسة الدولية))، التي تصدرها مؤسسة الأهرام والذي حمل عنوان "طرق الحرير".

الخلاصة هي أن مبادرة "الحزام والطريق" صارت في قلب الاهتمام العربي، ما يتطلب من الجانبين الصيني والعربي بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في إطار المبادرة، وقد يكون من المفيد بالنسبة للجانب الصيني تعزيز وتعميق تواصله مع مراكز الفكر في الشرق الأوسط، وتعميق التبادلات بين الأوساط الأكاديمية لتقديم الرؤية الصينية بخصوص القضايا الهامة للصين، وتوفير مواد وبيانات ومعلومات للباحثين في الشرق الأوسط، لمساعدتهم في تشكيل وجهات نظر موضوعية حول هذه المبادرة. وعلى الجانب العربي أن يسعى حثيثا لتكوين رؤية صائبة حول المبادرة، من دون الانسياق وراء المزاعم الغربية حولها.   

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037