أخبار < الرئيسية

هل هي حرب تجارية صينية- أمريكية؟

: مشاركة
2018-07-13 16:55:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في وقت تدخل فيه ما بات يعرف بالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية مرحلة متقدمة، أصدرت الصين في الثامن والعشرين من يونيو 2018 كتابا أبيض بعنوان ((الصين ومنظمة التجارة العالمية))، أكدت فيها التزامها بمواصلة تقديم دعم قوي لمنظمة التجارة العالمية في أداء دور أكبر في الحوكمة الاقتصادية العالمية. الكتاب الذي أصدره مكتب الإعلام لمجلس الدولة الصيني، أشار إلى أن بكين ستواصل الوفاء بالتزاماتها والامتثال لقواعد المنظمة والمشاركة بشكل فعال في تحسين النظام التجاري المتعدد الأطراف.

 والحقيقة أن انضمام الصين للمنظمة التي تتولى إدارة وتنسيق التجارة العالمية قصة إصرار وعزيمة، بل ودرس صيني لكل العالم. لقد خاضت الصين مفاوضات شاقة استمرت خمس عشرة سنة منذ تقدمها بطلب الانضمام في عام 1986 وحتى قبولها في عام 2001. خلال هذه الفترة، عدلت مختلف الهيئات المعنية التابعة لمجلس الدولة الصيني 2300 قانون ولائحة، وعدل المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني عام 2001 قانونين من قوانين الملكية الفكرية؛ هما قانون حقوق التأليف وقانون العلامات التجارية، وقانون مؤسسات الاستثمار الصيني- الأجنبي المشترك، بالإضافة إلى قانون المؤسسات التعاونية المشتركة الصينية- الأجنبية وقانون مؤسسات الاستثمار الأجنبية وقانون براءات الاختراع.

اللافت أن الصين حاليا هي الدولة الأكثر دفاعا عن حرية التجارة والعولمة الاقتصادية والانفتاح على العالم الخارجي، في وقت تنتهج فيها دول "ليبرالية" سياسات انعزالية وحمائية تجارية ومناهضة للعولمة. الصين ترى، كما جاء في الكتاب الأبيض، أن العولمة الاقتصادية عززت النمو العالمي وهي اتجاه للعصر لا رجعة فيه. وترى الصين أن انتشار الأفكار المعادية للعولمة في الأعوام القليلة الماضية مع زيادة الحمائية والأحادية، فرض تحديات شديدة على النظام التجاري المتعدد الأطراف الذي تقع في قلبه منظمة التجارة العالمية.

إن الصين، التي تعتبر نفسها أكبر دولة نامية، تتطلع إلى تعزيز التعاون والتواصل مع الدول الأخرى من أجل مواجهة المشكلات العالمية التي تطرأ خلال عملية العولمة بشكل مشترك، ومن أجل تأسيس نظام للحوكمة الاقتصادية العالمية يرتكز على المساواة والعدل والتعاون المربح للجميع. الكتاب الأبيض يؤكد أيضا على أن الصين تلزم نفسها بالانفتاح بشكل أوسع وأعمق من أجل تعزيز التنمية المشتركة في العالم، وتقديم المزيد من الفرص للدول الأخرى للمشاركة في منافع التنمية الصينية.

الكتاب الأبيض يتعرض أيضا إلى قضية حقوق الملكية الفكرية التي تلوح بها دائما واشنطن في خلافاتها التجارية مع بكين، إذ يؤكد على أن الصين أوفت بالتزاماتها بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية، مضيفا أن تعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية هو الأساس لتحسينها ويقدم أكبر دعم للقدرة التنافسية للاقتصاد الصيني، لكونه لا يخدم احتياجات التنمية الصينية فحسب، وإنما أيضا يساعد على توفير بيئة أعمال مرتكزة على القانون وتدويل ومواتية الأعمال. معنى ذلك أن الصين تنظر إلى حماية حقوق الملكية الفكرية من منظور وطني يحقق لها مصالحها. وحسب الكتاب، فإن الصين تشجع التبادلات التكنولوجية والتعاون بين الشركات الصينية والشركات الأجنبية وتحمي حقوق الملكية الفكرية القانونية للشركات الأجنبية في الصين. ومنذ انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، صاغت الصين وحسنت قوانينها ولوائحها المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية وأسست آليات عمل حقوق الملكية الفكرية مع دول عديدة استنادا إلى ممارسات تشريعية دولية متقدمة، وأقامت نظاما قانونيا لحقوق الملكية الفكرية يتناسب مع قوانين منظمة التجارة العالمية والظروف الوطنية للصين. وتعزز الصين بشكل مستمر إنفاذ القانون في حماية حقوق الملكية الفكرية، وكذلك الدور المهيمن للقضاء في حماية حقوق الملكية الفكرية من أجل زيادة الثمن الذي يدفعه من ينتهلك قوانين ولوائح الملكية الفكرية. وقد أسست الصين ثلاثة محاكم لحقوق الملكية الفكرية في بكين وشانغهاي وقوانغتشو وهيئات قضائية خاصة في 15 محكمة متوسطة في مدن نانجينغ وسوتشو وووهان وشيان ومدن أخرى للتعامل مع قضايا الملكية الفكرية بين الأقاليم، ومن بينها القضايا المتعلقة بشهادات براءة الاختراع. وعززت الصين إنفاذ القانون الإداري في حماية حقوق الملكية الفكرية، وأطلقت حملات خاصة تستهدف المشكلات العالقة، والتي كان من شأنها حماية حقوق الملكية الفكرية بشكل فعال. وبفضل هذه الجهود، تم إحراز نتائج ملموسة. في عام 2017، تلقت الصين مليونا و382 ألف طلب براءة اختراع، لتصبح الأولى على العالم لسبعة أعوام متتالية.

هل تريد الصين حربا تجارية؟ من خلال تحليل سلوك الصين في الفترة الأخيرة، ردا على الاستفزازات الأمريكية، يمكن القول إن بكين تسعى بكل السبل إلى تفادي الوصول إلى صراع تجاري مفتوح مع واشنطن، التي تصر من جانبها على السير في هذا الطريق، ليس مع الصين فقط وإنما أيضا مع قوى تجارية كبرى في العالم مثل الاتحاد الأوروبي واليابان. غير أن الصين لن تسمح بأن تدفع ثمن سياسات أمريكية خاطئة، من وجهة النظر الصينية، ومخالفة لقواعد منظمة التجارة العالمية. ولهذا، لن تكون الصين البادئة بإطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب، ولكن ذلك لا يعني أن بكين لن ترد على أي إجحاف أو ضرر يلحق بمصالحها الاقتصادية. وقد تجلى ذلك في سلسلة القرارات التي اتخذتها بكين، التي ربما لديها المزيد من الأوراق في هذا الصراع، لعل إدارة ترامب تدرك أن تكلفة قراراتها ستكون باهضة على الشعب الأمريكي.

النزاعات التجارية الأمريكية- الصينية ليست جديدة، ولكن الجديد هذه المرة هو أن الصين لا تقف وحدها في هذه الحرب، وإنما تشاركها أطراف دولية أخرى فاعلة في التجارة العالمية، وهذا ما قد يجعل موقف الصين أكثر صلابة في هذه المواجهة. الوجه الآخر لهذا الصراع، هو أنه سيدفع الصين بقوة للبحث عن أسواق بديلة لصادراتها ووارداتها أيضا، وربما يكون ذلك منعطفا جديدا لحركة التجارة الدولية تستفيد منه أطراف أخرى. 

إن واشنطن مثل من يلقي الحجر فيقع على قدميه، فإذا كان الصينيون سوف يتضررون من سياساتها التجارية الحمقاء، فإن الضرر الذي سيقع على المواطن الأمريكي لن يكون أقل، بل ربما يكون أكثر على المدى البعيد. فسوف تظل الصين الرقم الأصعب في التجارة الدولية، وستظل مركزا للتجارة ولأنشطة عالمية أخرى كما ستلعب دورا قياديا في الحوكمة العالمية. وسينتج نمو الصين المستقر المزيد من المنافع في العالم، في ظل اتجاه الصين لتعميق إصلاحها الاقتصادي وانفتاحها على العالم الخارجي. إنها ليست حرب تجارية صينية- أمريكية بقدر ما هي حرب أمريكية على القواعد المستقرة في العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037