مجتمع < الرئيسية

ذكريات مساعدة الفقراء في بيجيه

: مشاركة
2019-02-27 15:21:00 الصين اليوم:Source وانغ تشانغ يوي:Author

وصلت إلى مدينة بيجيه في شمال غربي مقاطعة قويتشو الواقعة في جنوب غربي الصين، في شهر إبريل، موعد تفتح زهور الأزاليا التي تشكل منظرا جميلا ساحرا. كنت قادما من مدينة شيآن في مقاطعة شنشي في رحلة طولها أكثر من ألف كيلومتر، حاملا حقائبي الثقيلة، فلم تكن لدي رفاهية التمتع بمشهد الزهور.

تحدث قصص جديدة في الحياة كل يوم، أما قصتي، فتبدأ من هذه المدينة.

قبل أكثر من ثلاث سنوات، وتحديدا في الأول من ديسمبر عام 2015، أطلقت مجموعة هنغدا (إيفرغراند) حملة لتخفيف حدة الفقر في بيجيه. وقد تشرفت بالمشاركة فيها وأصبحت عضوا بفريق تخفيف حدة الفقر.

شياو مين واللعبة الأولى

فكرت كثيرا قبل وصولي إلى بيجيه، رغم ذلك، واجهت الكثير من التحديات المفاجئة. كواحد من أبناء شمالي الصين، أفضل تناول الشعرية ولا أحب الأطعمة الحارة كثيرا، بينما يفضل أبناء بيجيه المأكولات الحارة ويتناولون الفلفل الحار كثيرا ويشربون حساء خاصا في كل وجبة. شعرت بصعوبة في التكيف مع عادات الأكل المحلية في بيجيه. الأسوأ من ذلك، لم أكن قادرا على فهم اللهجة المحلية واضطررت إلى الاعتماد على إشارات اليد للتعامل مع المحليين. وكذلك فإن المناظر والظواهر الطبيعية المحيطة وطبيعة المناخ تختلف عما في موطني كثيرا، فالأشعة فوق البنفسجية القوية غيرت لون بشرتي. بسبب الأمطار الكثيفة طول السنة في هذه المدينة الجبلية، يظهر الضباب الكثيف كل صباح، فشعرت أنه يقيم حاجزا بيني وبين أهلي.

حقيقة الأمر، كنت مترددا أمام كل الصعوبات. لكن، منذ وصولي إلى هذا المكان، باتت مهمتي راسخة في ذهني، وعزمت على تنفيذها مهما كانت الأحوال سيئة وصعبة. كان كثير من الناس يرسلون إلينا هدايا مختلفة في كل يوم، لتوزيعها على الأطفال الفقراء أو الأطفال الذين يعمل آباؤهم خارج مواطنهم.

 في إبريل سنة 2017، خططنا لتقديم هدية إلى الفتاة شياو مين في قرية قوانغهوا بناحية داشان في محافظة دافانغ. كان ذلك اليوم في نهاية الأسبوع، حيث لا يوجد دروس للفتاة. بسبب المسافة البعيدة، قبل بدء الرحلة، اتصلتُ بالأمين العام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في تلك القرية، والذي اتصل بشياو مين مباشرة. عندما اقتربنا من بيت شياو مين، رأيت فتاة جالسة القرفصاء في جانب من الشارع. كان وجهها أحمر وتسند رجليها بذراعيها. عندما شاهدتنا شعرت بالخجل، وأدارت رأسها إلى الاتجاه الآخر. أخبرنا الأمين العام أنها شياو مين؛ وقد انتظرت تترقب قدومنا لأكثر من ثلاث ساعات. لم نملك سوى الصمت بعد سماعنا ذلك. شياو مين فتاة خجولة، لم تنطق بأي كلمة من مكان التقائنا حتى مسكن أسرتها.

عندما أعطيناها الأدوات المدرسية والملابس ودمية الدب، بدت سعيدة ولكن خجلها لم يفارقها، واغرورقت عيناها بالدموع. تحدثنا مع أبيها وهي تقف بجانبنا حاملة دمية الدب. عندما قررنا المغادرة، شعرت بها وهي تمسك طرف ملابسي وقالت لي شيئا لم أتمكن من فهمه. في تلك اللحظة، أوضح والدها أن شياو مين سألت هل سنأتي لزيارتها مرة أخرى. وفقا لما قاله، فإن هذه الدمية هي أول لعبة تملكها شياو مين في حياتها.

قال الأب هذا الكلام بشكل عادي، إلا أنني شعرت بالحزن والكآبة للغاية. مازال هناك كثير من الأطفال مثل شياو مين الذين يعيشون في أسر فقيرة في هذه المنطقة. منذ تلك اللحظة، أدركت مدى أهمية مساهماتنا وأعمالنا للتخفيف من حدة الفقر.

نصف زجاجة من عصير البرتقال 

من أجل إكمال أعمال تخفيف حدة الفقر بالتدابير الدقيقة الهادفة، تعمل مجموعة الموظفين من مجموعة هنغدا مع الكوادر والمواطنين المحليين في جمع معلومات عن الفقراء في بيوتهم وشرح سياسة المساعدة لهم ثم وضع خطة دقيقة.

في هذه المدينة الجبلية، من أجل الانتقال من أسرة فقيرة إلى أخرى، يتوجب على موظفي المساعدة السير ثلاث أو أربع ساعات على الأقدام، في رحلة يواجهون خلالها مشكلات وتحديات مختلفة، ومنها احتمال انثقاب إطار السيارة وانقلابها، والتعرض لضربة الشمس.

أود الإشارة إلى أن كل الموظفين يعملون بجد واجتهاد ودون كلل. تعد عبارة "ليلا ونهارا"، "سبعة أيام كل أسبوع" وصفا واقعيا لعملنا اليومي. في ظل هذه الأعمال الشاقة، حددنا هدفا واحدا وهو تحقيق النصر في معركة تخفيف الفقر في بيجيه.

في يوليو عام 2016، خططنا لزيارة مجموعة من أبناء أبعد قرية في بيجيه. في ذلك الصباح، شعرت أن السماء ستمطر لا محالة. لكن من أجل إكمال الأعمال، عزمنا على الذهاب إلى تلك المجموعة. بعد ساعتين، وجدنا أن حالة الطريق إلى القرية سيئة جدا فضلا عن الأعشاب الكثيفة والجبل الشاهق. بعد ساعتين أخريين، وصلنا إلى تلك المجموعة. خرج رجل نحيل من بيته لاستقبالنا وسط الأمطار الغزيرة.

كان الرجل متحمسا وأخذ نصف زجاجة من عصير البرتقال، ودعانا لتناول العصير ترحيبا بنا. عرفنا أنه بسبب المسافة البعيدة بين بيته والسوق في المحافظة، لا يخرج إلى السوق إلا قليلا. اشترى هذه الزجاجة من عصير البرتقال في عيد الربيع الماضي، حرص على الاحتفاظ بها حتى الآن. وجدنا أن ظروفه تتفق مع متطلبات إعادة التوطين، فشرحنا له فكرة سياسة المساعدة. شعر بالفرحة والدهشة لما سمعه، فلم يستطع أن يستوعب أن كل ما سمعه هو حقيقة وليس ضربا من الخيال. ما زلت أذكر البسمة وعلامات الفرحة على وجهه المسن، الذي يشبه زهرة الأزاليا.

بسبب المسافة البعيدة، زرنا أسرة واحدة فقط في ذلك اليوم. عدنا إلى المكتب في الساعة الحادية عشرة ليلا. بعد فترة، سمعت أن هذا الرجل انتقل إلى قرية جديدة لمجموعة هنغدا وبدأ عمله الجديد. شعرنا جميعا بسعادة وفخر للغاية.

كنت أفكر مع نفسي، لو لم نذهب إلى بيته بسبب بعد المسافة ذلك اليوم، لما تمكنا من شرح وتوضيح سياستنا له، ربما كان سيبقى في تلك المنطقة الجبلية طوال حياته ويبقى لا يذهب إلى السوق إلا مرة واحدة كل سنة لشراء المشروبات للاحتفال بعيد الربيع.

في هذه اللحظة، أدركت مدى جسامة مسؤوليتنا ومهمتنا؛ فأي تغير بسيط في الفكرة قد يؤدي إلى تغير مستوى معيشة السكان الفقراء في المستقبل. في هذه الحالة، لا يوجد اختلاف بين الوظائف في مهمة تخفيف حدة الفقر، فكل وظيفة تحمل مهمة ومسؤولية عظيمة.

عصا "تشانغ تشونغ تشي" من الخيزران

في الطريق إلى بيوت الفقراء، نواجه في الغالب كلابا برية وأفاعي وأنواعا خاصة من النباتات التي تؤذي جلد الإنسان عند لمسها. كنا حذرين جدا ونحاول جاهدين أن لا يلمس أي موظف هذه النباتات فيتعرض لألم شديد.

ذات مرة، خلال رحلة استطلاع إلى قرية داشان في بلدة دويجيانغ، أمطرت السماء وأصبح الطريق موحلا. عند طريق الجرف العالي، كنا نسمع صوت الماء الجاري في عمق الجرف.

سقط أحد زملائي في المكان في منتصف الجبل. في تلك اللحظة الخطيرة، نزل تشانغ تشونغ تشي، أحد كوادر هذه القرية الذي يعرف تضاريس هذه المنطقة جيدا، إلى المكان الذي سقط زميلي فيه وحمله إلى مكان آمن. ثم، قطع عصا من الخيزران وأعطاها لزميلي. هكذا، أصبح بإمكانه السير بصورة آمنة.

دونا هذه القصة في أغنية ((رحلة في القرية)) التي تقول كلماتها: "في الطريق الموحل إلى بيوت الفقراء، كل منا يمشي مستندا إلى إلى عصا خيزرانية"، وهي كلمات تصف بدقة الصورة الحقيقية لطبيعة أعمالنا الشاقة. رغم ذلك، لن تتغير عزيمتنا الثابتة ولن نتخلى عن هدفنا أبدا فنحن من قوات مساعد الفقراء الباسلة.

في قضية مساعدة الفقراء، ثمة كثير من الكوادر من الوحدات القاعدية، هم يشبهون تشانغ تشونغ تشي ويبذلون كل جهودهم لتخفيف حدة الفقر. الآن، يوزع على كل العاملين في مساعدة الفقراء عصي خيزرانية، لتصبح جزءا هاما من معداتهم، والتي  ترمز إلى الترابط بين موظفي مجموعة هنغدا لتخفيف حدة الفقر والكوادر من الوحدة القاعدية وعامة الجمهور.

صارت بيجيه موطننا الثاني، وهي مدينة مفعمة بالأمل الجديد والحياة. الآن، أجد مأكولات ومشروبات مدينة بيجيه لذيذة للغاية، إذ أنها تذكرني بمسقط رأسي الثاني. المحليون هناك كلهم أهلي.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037