مجتمع < الرئيسية

منظمة شانغهاي للتعاون تدخل عصرا جديدا من التعاون الإقليمي

: مشاركة
2018-05-31 11:12:00 الصين اليوم:Source سون تشوانغ تشي:Author

تستضيف مدينة تشينغداو، في شرقي الصين، الدورة الثامنة عشرة لاجتماع مجلس رؤساء الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون، والتي تعقد هذا الشهر، يونيو 2018. ستكون هذه الدورة أول قمة تعقد بعد أن حصلت الهند وباكستان على العضوية الكاملة في المنظمة في العام الماضي. بانضمام هاتين الدولتين، يصل عدد أعضاء منظمة شانغهاي للتعاون حاليا إلى ثماني دول، تغطي ربع يابسة العالم، وتضم الجزء الأكبر من سكان هذا الكوكب. من شأن هذا التوسع الكبير في التمثيل الجغرافي والتزايد المتعاظم في الموارد الاقتصادية، أن يضيف طاقة أكبر للمنظمة. وبالنظر إلى هذه التطورات، فإن قمة تشينغداو ستكون علامة فارقة في تاريخ منظمة شانغهاي للتعاون، الذي يمتد لـسبع عشرة سنة، مما يمثل مرحلة جديدة في مجال التعاون الإقليمي.

مبدأ التشاور على قدم المساواة

يتميز التعاون في إطار منظمة شانغهاي للتعاون، بروح الثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتشاور على قدم المساواة واحترام التنوع الثقافي والتطلع إلى التنمية المشتركة. هذه المبادئ، التي يشار إليها باسم "روح شانغهاي"، تبلورت في فترة "مجموعة شانغهاي للدول الخمس"، قبل تأسيس منظمة شانغهاي للتعاون رسميا، وما زالت تمثل الأساس والجوهر للتعاون المتعدد الأطراف بين الدول الأعضاء في المنظمة.

تؤيد منظمة شانغهاي للتعاون نمطا جديدا من الأمن، يدعم الأمن المتبادل ويضمن الأمن من خلال التعاون، ويعالج النزاعات بين الأمم والمناطق عبر الحوار. تلتزم المنظمة بالشكل الجديد للتعاون الذي يقوم على مبدأ أن جميع الدول، الكبيرة والصغيرة، متساوية، ويشدد على التشاور على قدم المساواة والمنافع المتبادلة. تعطى الأولوية ضمن إطار عمل المنظمة للبلدان الصغيرة النامية، من أجل تحقيق تنميتها. كذلك قامت المنظمة باستكشاف وتعزيز نمط جديد من العلاقات بين الدول. على سبيل المثال، تمتثل الدول الأعضاء في المنظمة لمبادئ عدم الانحياز، وعدم استهداف أي طرف ثالث، وعدم بناء تحالفات عسكرية أو سياسية.

انطلاقا من هذه المبادئ، تتعامل دول منظمة شانغهاي للتعاون مع بعضها البعض على أساس من الصدق، وإجراء مشاورات مكثفة، والعمل في حدود قدراتها. تراعي عملية صنع القرار ضمن المنظمة، مصالح جميع الدول الأعضاء، وهي ليست محدودة في إطار الدول الكبرى فيها، الأمر الذي يجسد الإحساس بالألفة والحيوية التي نادرا ما تتوافر ضمن إطار المنظمات الدولية الأخرى.

منذ فترة "مجموعة شانغهاي للدول الخمس"، اتخذت الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجكستان تدابير مشتركة للاستجابة للأوضاع والتحديات الدولية المتسارعة التي تواجهها، من أجل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

يتمتع التعاون الإقليمي الذي تروج له الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي بخصائص مميزة، فهو، أولا، يهدف إلى حل القضايا الأمنية الأكثر إلحاحا في المنطقة، مثل محاربة التطرف والإرهاب والنزعات الانفصالية والاتجار غير المشروع بالمخدرات. تعمل الدول الأعضاء على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع الوطني والاستخبارات، والتعاون في إنفاذ القانون.

ثانيا، التعاون الاقتصادي، حيث تتعهد منظمة شانغهاي للتعاون بتعزيز وتسهيل التجارة والاستثمار، وإزالة الحواجز التجارية البشرية. تقوم البلدان الأعضاء بتحديد مجموعة كبيرة من المجالات والمشروعات الرئيسية من خلال التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، وتوقيع اتفاقيات لتسهيل النقل البري.

ثالثا، آلية الاجتماعات على المستوى الوزاري، التي أنشئت في مختلف القطاعات والمجالات لتعزيز التبادلات الثقافية والشعبية. ويتم تشجيع المنظمات المدنية والحكومات المحلية على إجراء التبادلات، في مجالات مثل التعليم والثقافة والصحة والعلوم والتكنولوجيا والرياضة وشؤون الشباب والإعلام والسياحة.

تلتزم منظمة شانغهاي للتعاون بمبدأ التعاون المنفتح والشفاف. فمن ناحية، تظهر المنظمة استعدادها للتعاون مع جميع البلدان والمنظمات الدولية، التي ترغب في المشاركة في منظمة شانغهاي للتعاون والاعتراف بالمبادئ المعنية. ومن ناحية أخرى، تصون المنظمة سلطة الأمم المتحدة ومعايير القوانين الدولية المعترف بها عالميا، وتعارض الهيمنة وسياسة القوة، كما تعارض تدخل القوى الأجنبية في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى.

فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، تتمتع منظمة شانغهاي بصفة عضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد وقعت وثائق تعاون مع العديد من المنظمات الدولية. وتعمل المنظمة على تعزيز رواجها في العالم من خلال دعوة المزيد من الدول من خارج المنطقة، فقد منحت صفة عضو مراقب لست دول، وأصبحت لديها ستة شركاء حوار منذ عام 2014، وأخيرا قامت بتوسيع عضويتها بشكل رسمي في عام 2017. ويعد الاجتماع الدولي الذي عقدته منظمة شانغهاي للتعاون حول قضية أفغانستان مثالا بارزا على مشاركتها النشيطة في تسوية قضايا البؤر الساخنة في المنطقة وخارجها. فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والعالمية الرئيسية، تقوم المنظمة بشرح مواقفها وتسعى لجعل صوتها مسموعا لدى المجتمع الدولي، وذلك لحماية مصالح الدول الإقليمية وجميع الدول النامية وتعزيز العلاقات المتعددة الأقطاب والعلاقات الدولية الديمقراطية. وفي مقابل تصاعد نزعة الحمائية التجارية واتجاه مناهضة العولمة، تدعو المنظمة إلى تعاون متعدد الأطراف لخلق فرص أفضل للتنمية لدول المنطقة.

التعامل مع التحديات الجديدة

تدخل منظمة شانغهاي للتعاون حاليا في مرحلة جديدة من التطور. فقد ساهم توسيع العضوية في توسع نطاق التعاون المتعدد الأطراف في مختلف القطاعات، وإتاحة فرص جديدة. ولكنه بالمقابل، أفضى إلى بروز العديد من المسائل الحادة التي تتطلب من المنظمة معالجتها بفعالية من خلال تعزيز بناء ذاتها. أولها، ضبط الآليات الداخلية. فعلى سبيل المثال، يحتاج العضوان الجديدان، الهند وباكستان، إلى تكييف نفسيهما مع إجراءات وقواعد عمليات منظمة شانغهاي للتعاون. ومن ناحية أخرى، يجب أن تخضع الهيئات الدائمة للمنظمة وآلياتها المختلفة لعملية إصلاح ضروري تسهم في تسهيل عملية انضمام واندماج الأعضاء الجدد في المنظمة.

تتعلق المسألة الثانية بتعديل مجالات التعاون الرئيسية، حيث ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار متطلبات الأعضاء الجدد والقدامى على حد سواء، بينما لا ينبغي تغيير مجالات الأولوية القائمة. كما يجب مراعاة هذا المبدأ عند تطوير التعاون البراغماتي في القطاعات الاقتصادية والأمنية.

الأمر الثالث، يتعلق بإجراء تعديلات في مجال العلاقات مع الدول خارج المنظمة، وخصوصا بالنظر إلى التأثير المتزايد للمنظمة في العالم والضغوط الخارجية المتزايدة. يتعين على المنظمة القيام بتلخيص تجربتها وتقديم إجابات محددة لبعض المخاوف، التي تتعلق مثلا بمسألة توسيع عضويتها في المستقبل، وكذلك الطريقة التي ستسلكها في التعامل مع الدول الغربية.

وأخيرا وليس آخرا، تعديل طريقة العمل. بدأت منظمة شانغهاي للتعاون مرحلة من "التنوع" التدريجي. تلعب الصين وروسيا دورا رائدا في التعاون المتعدد الأطراف، بينما أصبحت كل من الهند وباكستان، وكلتاهما من الدول الكبرى على مستوى المنطقة، أعضاء كاملي العضوية في المنظمة، كما تسعى الدول الأعضاء من آسيا الوسطى إلى لعب دورها في المنظمة. وفي ظل هذه الظروف، من المهم للغاية الاعتراف بالاختلافات بين البلدان واحترامها، والسعي على هذا الأساس، إلى مزيد من التوافق في الآراء بشأن التعاون.

كما تواجه المنظمة تحديات بسبب الوضع الجيوسياسي المعقد والبيئة الأمنية الدولية. على المستوى العالمي، تشهد العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تغيرات وصراعات عميقة، كما أن جملة واسعة من قضايا النقاط الساخنة في القارة الأوراسية تزداد حدة، بالإضافة إلى الزخم المتزايد الذي تكتسبه النزعة الأحادية وعقلية الحرب الباردة في الغرب، الأمر الذي يساهم في زعزعة السلام العالمي وتقويض النظام الدولي.

على المستوى الإقليمي، قارب "تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)" من الوصول إلى طريق مسدود في غربي آسيا، لكن هناك احتمال تدفق المتطرفين إلى آسيا الوسطى وأفغانستان، مما ينذر بمشكلات أكثر تعقيدا للعالم بأسره. لن تقف المنظمة مكتوفة اليدين، بل ستعمل على الاستجابة لهذه التحديات باتباع سياسة فعالة. في الواقع، منظمة شانغهاي للتعاون من أولى المنظمات الدولية التي تحارب الإرهاب. وقعت الدول الأعضاء على اتفاقية منظمة شانغهاي للتعاون لمكافحة الإرهاب والنزعات الانفصالية والتطرف، وكذلك اتفاقية منظمة شانغهاي للتعاون بشأن مكافحة الإرهاب، واتفاقية منظمة شانغهاي للتعاون بشأن مكافحة التطرف. كما صدقت هذه الدول على وثائق مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، ووضعت خططا سنوية فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، ونفذت تدريبات مشتركة لتعزيز الثقة العسكرية المتبادلة.

اتخذت دول آسيا الوسطى إستراتيجية "التكامل" لتنأى بنفسها عن الدول الكبرى المجاورة لها، ولتحقيق التعاون المشترك بينها وتفادي تأثير وسيطرة الدول الكبرى. وقد تم اتخاذ هذا الإجراء وفقا لحاجتها، وأيضا بسبب قوى خارج المنطقة. من الممكن أن نرى هذه الدول "تبتعد" بعض الشيئ عن منظمة شانغهاي للتعاون في المستقبل. يمكن للقضية الأفغانية والأزمة النووية الإيرانية، اللتين لم يتم التوصل حتى الآن إلى حل جوهري لهما، أن تتسببا في اضطرابات جديدة في أي وقت. إضافة إلى ذلك، تتخذ كل من الهند وباكستان، وهما دولتان تمتلكان أسلحة نووية، مواقف متعارضة مع بعضهما البعض، الأمر الذي يمثل تحديا حقيقيا لمنظمة شانغهاي للتعاون.

إن الأوضاع الاقتصادية والأمنية الدولية المتغيرة باستمرار، تعوق التضامن الداخلي وتماسك المنظمة. وأفضل وسيلة لمعالجة الصعوبات، هي تعزيز كفاءة الآلية متعددة الأطراف في صنع القرار وكفاءة الإدارة. يجب التركيز على تسوية القضايا الإقليمية لمنع توسع وتضخم النزاعات بين الدول الأعضاء. يتعين على المنظمة أن تلعب دورا قياديا في الساحة الدولية الأوسع نطاقا، لمواجهة التحركات الأحادية الجانب التي تقوم بها بعض القوى الغربية لتوطيد هيمنتها.

رابطة المصير المشترك للبشرية

تختلف الدول الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون عن بعضها البعض، من حيث القوة الاقتصادية والموارد لكل منها، وكذلك في مستوى المشاركة في التجارة وتوزيع العمل الدوليين. وعلى خلفية هذه الأسباب، بعض الدول الأعضاء تتبنى موقفا سلبيا تجاه التعاون المتعدد الأطراف، الأمر الذي نتج عنه تباطؤ نسبي في مستوى التعاون الاقتصادي في إطار منظمة شانغهاي للتعاون. تحتاج الهند وباكستان، اللتان أصبحتا عضوين في العام الماضي، إلى التعرف أكثر على هيكل وإجراءات منظمة شانغهاي للتعاون تدريجيا، ومراقبة قواعد السلوك الحالية، والتعامل مع القضايا والنزاعات التاريخية مع الدول الأعضاء الأخرى. كل هذا يتطلب من قادة الدول الأعضاء التحلي بالحكمة في العمل فيما بينهم، ووضع خطط للتنمية المستقبلية والبحث عن أكثر الطرق منطقية للتعاون.

2018 هو أول عام يلي انعقاد المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني بنجاح. كما أنه يوافق مرور خمس سنوات على طرح مبادرة الحزام والطريق. لقد أصبحت فكرة دبلوماسية الدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية أكثر وضوحا، ومن المتوقع أن تساهم في تنمية واستقرار المنطقة وحتى العالم. اقترح الرئيس الصيني شي جين بينغ بناء رابطة المصير المشترك للبشرية، وصياغة نمط جديد من العلاقات الدولية، الأمر الذي يساهم في توجيه مسار منظمة شانغهاي للتعاون في الاتجاه الصحيح للعمل خلال السنوات القادمة. تضيف الحقبة الجديدة والظروف التاريخية دلالات جديدة لـ"روح شانغهاي"، ويمكن لمنظمة شانغهاي للتعاون أن تكون نموذجا ومثالا لعملية بناء رابطة المصير المشترك من خلال تقارب بلدان ذات ثقافات وأنظمة متنوعة.

منظمة شانغهاي للتعاون هي أول منظمة دولية حملت اسم مدينة صينية، وبذلك فهي تتمتع بخصائص صينية مميزة منذ البداية. خلال السبع عشرة سنة الماضية، قدمت الصين أفكارا وأسلوب تفكير جديدين وحددت أهدافا للتعاون المتعدد الأطراف، وكذلك وضعت خططا محددة وتدابير ملموسة. على سبيل المثال، قدمت الصين قروضا ميسرة بقيمة أكثر من 22 مليار دولار أمريكي في إطار منظمة شانغهاي للتعاون، وأنشأت لجنة حسن الجوار والصداقة والتعاون، ومركزا للتعاون لحماية البيئة. وتهدف جميع هذه التدابير إلى توسيع أطر الصداقة لتشمل الأجيال القادمة، وتوسيع التبادلات غير الحكومية، وخلق رأي عام إيجابي من أجل إرساء أساس متين للتعاون الإقليمي.

باستطاعة منظمة شانغهاي للتعاون، الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق وبناء رابطة المصير المشترك للبشرية لاكتساب زخم جديد للتنمية. تقع جميع الدول الأعضاء والدول التي تتمتع بصفة عضو مراقب في منظمة شانغهاي للتعاون على امتداد طرق مبادرة الحزام والطريق. وعلى مدى آلاف السنين، ارتبطت هذه الدول بصداقات قوية من خلال التجارة والتبادلات، التي أنتجت أيضا شراكة تنطوي على المنافع المتبادلة والتعاون في العصر الحديث.

في عام 2013، اقترح الرئيس شي جين بينغ بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، في خطاب ألقاه في العاصمة الكازاخستانية أستانا، والذي أنتج تغييرات واضحة على مستوى العالم خلال عدة سنوات. جلبت المبادرة أيضا فرصا كبيرة لمنظمة شانغهاي للتعاون، وهي تقف بمثابة منصة هامة للدول الأعضاء لربط إستراتيجياتها الوطنية بهذه المبادرة.

ستقوم منظمة شانغهاي للتعاون في المستقبل بإنشاء شبكات قوية وآمنة، وتعزيز التبادلات الاقتصادية والثقافية العابرة للحدود. والأهم من ذلك، أنه من المتوقع أن ترسم المنظمة مسارا جديدا للتعاون الإقليمي بحيث تلعب دورا لا غنى عنه في تحول الحوكمة العالمية وبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية.

--

سون تشوانغ تشي، مدير معهد دراسات روسيا وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، والمدير التنفيذي لمركز أبحاث منظمة شانغهاي للتعاون في الصين.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037