على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

رسائل دورتي الصين 2020

: مشاركة
2020-06-21 15:02:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

شهدت الفترة من الحادي والعشرين حتى التاسع والعشرين من مايو سنة ألفين وعشرين، انعقاد دورة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني ودورة المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، أي "الدورتين" اختصارا. في الظروف الطبيعية، تعقد الدورتان سنويا في شهر مارس بمشاركة كافة أعضاء مجلس نواب الشعب والمؤتمر الاستشاري السياسي. ولكن دورتي 2020 تم تأجيل انعقادهما بسبب تفشي وباء فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19) في الصين في ذلك الوقت.

وكما هو معروف، فإن الدورتين، أو "ليانغهوي" بالصينية هما أهم حدث سياسي سنوي في الصين، لا يترقبه الصينيون فحسب، وإنما أيضا العالم كله إذ يتم خلالهما استعراض إنجازات وإخفاقات سنة مضت ووضع برنامج عمل عام مقبل. وقد عقدت دورتا عام 2020 في ظروف استثنائية غير مسبوقة، للصين والعالم في ظل تفشي فيروس كورونا الجديد وتداعيات ذلك على كافة مناحي حياة أهل الأرض جميعا. والصين، التي استطاعت أن تسيطر بشكل رئيسي على انتشار فيروس كورونا الجديد داخل حدودها في فترة زمنية قصيرة نسبيا، اختصرت مدة انعقاد ليانغهوي من أسبوعين إلى أسبوع واحد فقط هذه السنة.

إن اجتماع ممثلي الشعب الصيني سواء أعضاء مجلس النواب أو أعضاء المؤتمر الاستشاري السياسي في قاعة الشعب الكبرى ببكين، بعد تأجيل اجتماعهم من شهر مارس إلى الثلث الأخير من شهر مايو، رسالة قوية للعالم بأن السيطرة على الوضع الوبائي في الصين ضمنت عودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى طبيعتها تدريجيا وبوتيرة مستقرة، وأن دول العالم بوسعها أن تسيطر على الوباء، استلهاما من نجاح الصين.

وقد بدأت اجتماعات المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في الحادي والعشرين من مايو، بوقوف الأعضاء دقيقة حدادا على أرواح ضحايا كوفيد- 19، وكل من بذل نفسه في مكافحة الوباء. وفي اليوم التالي بدأ انعقاد الدورة الكاملة الثالثة للمجلس الوطني الثالث عشر لنواب الشعب الصيني، وأيضا وقف جميع الحضور من نواب الشعب وأعضاء الحكومة دقيقة حدادا على أرواح ضحايا الوباء الذي خيمت تداعياته على دورتي 2020، برغم أن انعقاد ليانغهوي في حد ذاته يشير إلى الانتصار المرحلي للصين في معركتها ضد وباء فيروس كورونا الجديد، وهو انتصار تحقق بفضل منظومة حوكمة الصين التي لعبت دورا حيويا في جهود الوقاية من الوباء ومكافحته.

في دورة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، اجتمع حوالي ثلاثة آلاف مشرع من مختلف مناحي الحياة لمراجعة تقارير العمل المقدمة من الحكومة المركزية وكذلك المحكمة الشعبية العليا والنيابة الشعبية العليا، وإقرار الميزانية الوطنية، والخطة الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي دورة المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي اجتمع حوالي ألفي عضو يمثلون كافة أطياف الشعب الصيني للتشاور حول شؤون البلاد وتقديم المقترحات للقضايا التي تشغل جماهير الشعب.

وكما هو الحال في السنوات السابقة، ظلت القضايا الساخنة التي ناقشتها الدورتان محل اهتمام عالمي ومحلي، ومنها معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي المستهدف للصين والميزانية العسكرية الصينية السنوية، وتوجهات السياسة الخارجية الصينية ومدى تأثير جائحة كوفيد- 19 على هذه الملفات وغيرها، ولكن ما ميز الدورتين هذا العام هو أنهما كانتا فرصة ليفهم العالم المزيد حول قدرة الصين على الخروج من ظلال جائحة كوفيد- 19، إذ تم خلالهما مراجعة الجهود المبذولة لمكافحة انتشار فيروس كورونا الجديد. ودارت مناقشات ساخنة حول قيم الأمة الصينية ومزايا النظام الاجتماعي للبلاد، والمناطق التي تعرضت للخطر خلال مواجهة الوباء وطرق تحديث نظام الإدارة والحوكمة والقدرات. وقد قال رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، في تقرير عمل الحكومة الذي قدمه لمجلس نواب الشعب، إن الصين حققت إنجازات إستراتيجية كبيرة في استجابتها لتفشي فيروس كورونا الجديد. وأضاف: "في الوقت الحالي، لم ينته الوباء بعد"، مشددا على "المهمة الهائلة" التي لا يزال يتعين إنجازها في مواجهة العواقب الاقتصادية للفيروس. وعلى الرغم من عدم تحديد الصين هدفا للنمو الاقتصادي لعام 2020، فإن السيد لي كه تشيانغ، قال إن الصين ستعمل على ضمان تحقيق أهداف التنمية المتمثلة في كسب المعركة ضد الفقر واستكمال بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل هذا العام. وعزا التقرير عدم تحديد هدف للنمو إلى أن الصين تواجه بعض العوامل التي يصعب التنبؤ بها بشأن النمو، بسبب عدم اليقين الكبير إزاء جائحة كوفيد- 19 والبيئة الاقتصادية والتجارية العالمية.

من جانب آخر، حددت الصين الزيادة المستهدفة في ميزانية الدفاع لعام 2020 عند 6ر6% على أساس سنوي، بقيمة تريليون ومائتين وثمانية وستين مليار يوان، أي ما يعادل نحو مائة وثمانية وسبعين مليار دولار أمريكي. نسبة زيادة ميزانية الدفاع لهذا العام، وإن كانت أقل من نسبة العام الماضي، تعني أن الصين برغم التداعيات الاقتصادية لوباء كوفيد- 19، يمكنها توفير تمويل كاف للتنمية العسكرية، إذ تواجه الصين تهديدات لأمنها الوطني، بما في ذلك التهديدات القريبة من حدودها وفي المجالات الأمنية غير التقليدية.

2020 عام هام في أجندة العمل الوطني للصين، ففيه تقف البلاد عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة في السعي لتحقيق أهداف المئويتين، ويقصد بهما تحقيق مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل عند الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في العام المقبل عام 2021، وتحقيق بناء الصين دولة قوية ومزدهرة وديمقراطية وحضارية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة عند الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 2049. وفي هذا السياق، فإن التوجيهات والخطط والمقترحات التي قدمها الرئيس شي جين بينغ خلال الدورتين لهذا العام حظيت باهتمام واسع.

انعقاد الدورتين حمل رسائل متنوعة للداخل الصيني وللعالم؛ الرسالة الأولى هي الانعقاد في حد ذاته، فالعاصمة الصينية تستقبل أكثر من خمسة آلاف نائب وعضو للاجتماع في قاعة الشعب الكبرى بالساحة الأشهر عالميا-تيانآنمن- مع قادة الدولة وتحت عيون وسائل الإعلام المختلفة المحلية والدولية. الرسالة هنا هي أن الصين قد تعافت بشكل رئيسي من وباء كوفيد- 19، وأن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد عادت إلى وضعها الطبيعي. لقد سبق ذلك استئناف العمل في معظم إن لم يكن كل المؤسسات والشركات، وعودة الدراسة في كل أرجاء الصين وانتظام تشغيل وسائل النقل والمواصلات داخل البلاد. هذه هي الإشارة الأكثر تأكيدا على أن كوفيد- 19 تحت السيطرة في الصين. وعندما قررت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني عقد اجتماعها في ذلك التوقيت، فإنها قالت، وفقا لما نقلته وكالة أنباء شينخوا: "بفضل القيادة القوية للرئيس شي جين بينغ وكذلك الجهود الكبيرة التي بذلها شعب الصين لاحتواء الفيروس، مما سمح بعودة الحياة إلى وضعها الطبيعي."

الرسالة الثانية التي أطلقتها الدورتان، هي التأكيد مرة أخرى على مزايا منظومة حكم وإدارة الصين، والتي أثبتت نجاعة بالغة في التعاطي مع أزمة كوفيد- 19. لقد تابع العالم أداء منظومة الحكم في الصين خلال هذه الأزمة، حيث أبدت الصين قدرة عالية على التعبئة والتحرك والانضباط والتناسق بين كافة الأجهزة على كل المستويات. لقد تمت تعبئة الأمة كاملة لخوض معركة شعبية ضد تفشي الوباء. لقد كان مدهشا لكثيرين أن يتم إرسال ما يربو على اثنين وأربعين ألف عامل طبي من جميع أنحاء البلاد إلى مقاطعة هوبي. كان مدهشا أن يتم بناء المستشفيات بسرعة قياسية وأن يتم نقل الإمدادات الطبية من كافة أرجاء الصين إلى مقاطعة هوبي الأكثر تضررا، وبخاصة حاضرتها مدينة ووهان.

الرسالة الثالثة، هي أن الصين ماضية في طريقها لا تعوقها محاولات التشويش التي تأتي من هنا أو هناك، فالتوجهات الاقتصادية التي أقرتها الهيئة التشريعية العليا في الصين والتصريحات التي صدرت عن القيادة الصينية والتوجهات التي تم التأكيد عليها في السياستين الداخلية والخارجية، تؤكد كلها أن الصين متمسكة بنهجها ورؤيتها للنظام الدولي السياسي والاقتصادي، وأنها تؤمن بالمصير المشترك للبشرية.

وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى ما جاء في تقرير عمل الحكومة المقدم لمجلس النواب، بخصوص سياسة "دولة وحدة ونظامان"، فقد شدد التقرير على أنه يتعين على الصين تنفيذ سياسة "دولة واحدة ونظامان" بشكل شامل ودقيق، والتي تمنح درجة عالية من الحكم الذاتى لمنطقتي هونغ كونغ وماكاو الاداريتين الخاصتين.

لقد تعرضت الصين، ومازالت تتعرض، لحملة سياسية وإعلامية ممنهجة من قوى معينة في الغرب تحاول توظيف كارثة كوفيد- 19 لإعاقة مسيرة الصين، فضلا عن القضايا النقليدية مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي والنزاعات التجارية. إن تنديد الإدارة الأمريكية بالصين قد تصاعد إلى مستوى حرب رأي تقريبا. ستواصل واشنطن مهاجمة الصين لإخفائها المزعوم للبيانات في المرحلة الأولى من تفشي المرض باستخدام "أدلة" جديدة. في مؤتمره الصحفي الذي عقد على هامش الدورتين، قال عضو مجلس الدولة وزير خارجية الصين في الرابع والعشرين من مايو: "ننصح الجانب الأمريكي بالتخلي عن أوهامه وحساباته السياسية. ونذكّر الجانب الأمريكي بألا يقوم بأي محاولة لتجاوز الخطوط الصينية الحمراء أو إساءة تقدير العزم الشديد لمليار وأربعمائة مليون من أبناء الشعب الصيني على الدفاع عن وحدة الوطن." وحول النظام الدولي ما بعد أزمة كوفيد- 19، قال: "العالم لن يكون كما هو، لأن التاريخ يمضي قدما. وطوال تاريخها، تطورت الإنسانية وتقدمت في مكافحة الكوارث. وتعتقد الصين أنه ما دامت جميع البلدان تلتزم بالاختيار الصحيح والاتجاه الصحيح، فإن عالمنا بالتأكيد سوف ينتظر مستقبلا أكثر إشراقا عقب هزيمة الوباء." وأضاف أن العولمة اتجاه لا مفر منه يسهم في تنمية السلام وتقدم البشرية، وأن محاولات رفض العولمة واستعادة الحمائية ليس لها مستقبل. قال أيضا: "بجب الالتزام بتوزيع عالمي رشيد للموارد وضمان أفضل كفاءة اقتصادية، ويجب علينا أيضا أن نولي المزيد من الاهتمام لمعالجة أوجه القصور التي تسببها العولمة، بما في ذلك توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء والتفاوت بالتنمية في المناطق." ستكون مهمة الصين على المدى الطويل هي استخدام الحقائق الثابتة والأدلة العلمية والأخلاق لفضح الحيل الأمريكية. إنه اختبار طويل وشامل للصين للتصدي لمحاولة التشويه الأمريكية. لقد قامت الصين بعمل جيد فيما يتعلق بالتنمية الوطنية ومكافحة كوفيد- 19. إن التصدي للهجوم الأمريكي يشير إلى أن مسيرة صعود الصين تحظى بقبول أوسع من قبل العالم.

الرسالة الرابعة، هي أن العالم ينظر بتقدير واحترام كبيرين للصين، وقد تجلى ذلك في ردود الفعل الدولية على انعقاد دورتي المجلس الوطني والمؤتمر الاستشاري، فقد أبدت دول عديدة ترحيبها وأعربت عن سعادتها بهذا الحدث، كما أن وسائل الإعلام الدولية ومن بينها وسائل الإعلام العربية، قامت بتغطية واسعة لمجريات الدورتين والمؤتمرات الصحفية للمسؤولين الصينيين على هامش تلك الاجتماعات. الصين تستأنف نشاطها وحيويتها، وتلك بشرى ورسالة أمل للعالم.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037