على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

الصين المبتكرة

الصين على درب الابتكار

: مشاركة
2019-08-30 17:51:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في الرابع والعشرين من شهر يوليو 2019، أصدرت المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية مؤشر الابتكار العالمي لعام 2019. وحسب تصنيف المؤشر فإن الصين تقدمت من المرتبة السابعة عشرة في عام 2018 إلى المرتبة الرابعة عشرة في عام 2019. ونشير هنا إلى أن مؤشر الابتكار العالمي في عام 2019 صنَّف 129 اقتصادا استنادا إلى 80 مؤشرا، بما في ذلك المؤشرات التقليدية مثل الاستثمار في البحث والتطوير وعدد طلبات براءات الاختراع والعلامات التجارية الدولية، والمؤشرات الحديثة نسبيا مثل تطوير تطبيقات الهواتف المحمولة وصادرات التكنولوجيا الفائقة وغيرها. وهنا نلاحظ أن دولا ليست قوية اقتصاديا، مثل جمهورية منغوليا مثلا في مرتبة متقدمة (المرتبة 53) على دولة من أعضاء مجموعة العشرين مثل جنوب أفريقيا (المرتبة 63).

وفقا لهذا التقرير، الذي صدر بالمشاركة بين المنظمة العالمية للملكية الفكرية وجامعة كورنيل الأمريكية والعديد من المنظمات الأخرى، حصلت الصين درجة إجمالية قدرها 82ر54 من أصل مائة درجة مع أعلى تصنيف في براءات الاختراع حسب المنشأ والتصاميم الصناعية والعلامات التجارية حسب المنشأ، وكذلك صادرات السلع العالية التقنية والإبداعية. وأشار التقرير إلى أن الصين ظلت الدولة ذات اقتصاد الدخل المتوسط الوحيد في أعلى ثلاثين مرتبة ولا تزال تحتل المرتبة الأولى في جودة الابتكار بين اقتصادات الدخل المتوسط للعام السابع على التوالي. ومن بين أفضل مائة مجموعة من مجموعات العلوم والتكنولوجيا، احتلت الصين المرتبة الثامنة عشرة، بعد الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة.

ووفقا لتحليل المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية، تشير البيانات الرئيسية في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2019 إلى أن الابتكار العالمي واصل نموه في ظل التباطؤ الاقتصادي، لكن العقبات الجديدة تشكل مخاطر عليه. وعلى وجه التحديد، يبدو أن نمو الاقتصاد العالمي يفقد زخمه مقارنة بعام 2018. وفي الوقت نفسه، ازداد الاستثمار العالمي في الابتكار عاما بعد آخر، وارتفع متوسط الاستثمار في الابتكار بالاقتصادات على مختلف مستويات التنمية، ووصل استخدام الملكية الفكرية إلى مستوى قياسي في عامي 2017 و2018. وبالإضافة إلى ذلك، يُظهر مؤشر الابتكار العالمي لعام 2019 أن النمو في الإنفاق العام على البحث والتطوير يتباطأ أو يُعرقل، خاصة في اقتصادات الدخل المرتفع الرائدة في مجال التكنولوجيا، الأمر الذي يثير القلق. ووفقا للسيد فرانسيس جاري المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، فإن مؤشر الابتكار العالمي لعام 2019 يظهر أن البلدان التي تعطي الأولوية للابتكار في السياسات الوطنية قد تحسن مركزها بشكل كبير في تصنيف المؤشر، مضيفا أن ارتفاع تصنيف الاقتصادات الكبيرة مثل الصين والهند يعكس سياساتها الرامية إلى تعزيز الابتكار.

هنا، أعود بالذاكرة إلى ما قبل أربع عشرة سنة، وتحديدا في سنة 2005، عندما قال وزير التجارة الصيني آنذاك إن بلاده تحتاج إلى بيع ثمانمائة مليون قميص (الرقم صحيح وليس ثمة خطأ في الكتابة) من أجل شراء طائرة من طراز "A380"، من شركة بوينغ الأمريكية. كانت الصين تعد "مصنع العالم"، مستفيدة من مزاياها النسبية وخاصة ما يسمى بالعامل الديموغرافي الذي يوفر لها عمالة بأسعار رخيصة، فبرزت في تصنيع المنتجات الرخيصة مثل القمصان. ولكن هامش ربح الصينيين الضئيل للغاية كان يتناقض بحدة مع هامش ربح صادرات التكنولوجيا العالية في البلدان المتقدمة. كانت الصين تستورد آلات تصنيع القطن والمنسوجات من دول متقدمة، في حين تقوم شركة بوينغ التي تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقرا لها، بتجميع الطائرات بأجزاء ومكونات مصنوعة في بلدان أخرى من بينها الصين، ثم تبيعها بأسعار باهضة.

أدرك الصينيون أنه من دون "الابتكار" لا سبيل إلى اللحاق بالدول المتقدمة ولا مجال للحديث عن الريادة في العالم. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، تزايد الحديث في الصين حول "التنمية العلمية". في الخامس عشر من أكتوبر 2007، قال الرئيس الصيني السابق هو جين تاو في التقرير الذي قدمه أمام المؤتمر الوطني السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني، إن وجهة النظر العلمية للتنمية، التى بادرت بها اللجنة المركزية السادسة عشرة للحزب الشيوعي الصيني عام 2003 تعد جزءا من نظريات الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. ومنذ ذاك، عكفت الصين على وضع الابتكار في مقدمة مهامها الإستراتيجية، فجاءت الثمار مبشرة.

في إبريل 2019، أظهر تقرير أصدرته مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، ومقرها في العاصمة الأمريكية واشنطن، أن "التقدم الهائل" الذي حققته الصين في مجال الابتكار التكنولوجي أدى إلى تضييق الفجوة مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير منذ عام 2007. وقد استند التقرير إلى 36 مؤشرا للتقدم العلمي والتكنولوجي في الصين والولايات المتحدة الأمريكية قبل عشر سنوات ومقارنتها مع اليوم، وخلص إلى أن "الصين حققت تقدما في جميع المؤشرات، بل تفوقت في بعض المجالات". وتضمنت تلك المؤشرات مجالات مثل: مدخلات البحث والتطوير كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، والنفقات البحثية الأساسية، وعدد الأشخاص الحاصلين على درجة البكالوريوس أو الماجستير، وعدد الجامعات ونوعيتها، وعدد براءات الاختراع وكذلك استخدام الاتصالات ذات النطاق العريض والروبوتات الصناعية. وقالت مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الأمريكية، إن الصين تعمل على تطوير ابتكاراتها الخاصة وسد الفجوة مع الولايات المتحدة الأمريكية بمزيد من الاستثمار في البحث والتطوير. وحسب التقرير فإن الصين في عام 2007 أنفقت 129 مليار دولار أمريكي على البحث والتطوير، أي أقل بنسبة 33% من استثمارات الولايات المتحدة الأمريكية في مجال البحث والتطوير البالغة 395 مليار دولار أمريكي، ولكن بحلول عام 2017 كانت الصين قد ضيقت الفجوة بشكل كبير من خلال الوصول إلى 76% من مستوى إنفاق الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تجاوزت الاتحاد الأوروبي.

شهدت الصين أيضا زيادة في عدد الباحثين في قوتها العاملة، وتمويل رأس المال الاستثماري في مجال الابتكار، والمزيد من الخريجين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، والتي أسهمت جميعها في قدرة البلاد على التنافس مع الاقتصادات الرائدة في ابتكار التقنيات المتقدمة. ونتيجة لذلك، شهدت الصين ارتفاعا كبيرا في عدد المقالات العلمية المنشورة، حتى تفوقت على الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة في عام 2016 حيث نشرت 426165 مقالة. كما منحت مصلحة براءات الاختراع الصينية مزيدا من براءات الاختراع من عام 2007 إلى عام 2017 في مجموعة من المجالات، مثل المواد الكيميائية والطاقة النظيفة وعلوم الحياة وغيرها من المجالات التي تركز على التكنولوجيا. وتطورت تجارة وصناعة التقنيات المتقدمة في الصين، وفي قطاع أشباه الموصلات، على سبيل المثال، ارتفع مستوى القيمة المضافة في الصين مقارنة بمستويات الولايات المتحدة الأمريكية من51% إلى 145% خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2016. قبل عشرين عاما، كانت معظم شركات الحاسبات الصينية تقوم بالتجميع لصالح شركات تصنيع أجهزة الكمبيوتر في تايوان. اليوم، تشكل العلامات التجارية الصينية مثل هواوي ولينوفو حوالي 40% من السوق العالمية في الهواتف الذكية و25% في أجهزة الكمبيوتر، كل على حدة.

في الخامس والعشرين من إبريل 2019، نشر موقع بلومبيرغ تحليلا بعنوان "لماذا ستنافس الصين الولايات المتحدة الأمريكية في التكنولوجيا العالية؟" كتبه دان وانغ، محلل التكنولوجيا بشركة الأبحاث غايفكال دراغونوميكس Gavekal Dragonomics. يرى هذا التحليل أن الذين يظنون أن الصين لا يمكنها اللحاق بالابتكار يميلون إلى بناء حججهم على أفكار تجريدية، فهم يقولون إن نظام التعليم الجامد يخنق الإبداع، وإن السياسات الصناعية الغليظة تشجع على التبذير وعدم الكفاءة. يعتقد دان وانغ أن هؤلاء المتشككين يتجاهلون عاملا أكثر أهمية وملاءمة، ألا وهو الحجم المتزايد للسوق المحلية الصينية وتطورها. فقد توسع الاقتصاد الصيني ثلاثة أضعاف منذ عام 2008، وعشرة أضعاف منذ عام 2000. وهذا يجعل من المرجح للغاية أن تطور الصين شركات التكنولوجيا الرائدة. إن ذلك يكفي لضمان انضمام الصين إلى صفوف الدول المتقدمة تكنولوجيا. ويضرب دان وانغ مثلا بتوربينات الرياح، فقد أنشأت الصين أكبر سوق في العالم لتوربينات الرياح من خلال حملة الحكومة لتشجيع مصادر الطاقة المتجددة.

لقد حولت الصين نفسها من "مصنع العالم" إلى خلية للابتكار التكنولوجي. إن إلقاء نظرة سريعة على "الإنترنت" في الصين تكشف عن التوسع الهائل في توظيف التقنيات الجديدة في الحياة اليومية. حتى ديسمبر 2018، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الصين 829 مليونا منهم 607 ملايين في المناطق الحضرية و222 مليونا في المناطق الريفية، وبلغت نسبة انتشار الإنترنت 6ر59%. ويمثل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين عشر سنوات وتسع وثلاثين سنة 8ر67% من إجمالي مستخدمي الإنترنت، ومن بينهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 عاما يمثلون 8ر26%، وتبلغ نسبة الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و49 عاما 6ر15%، بينما يمثل المستخدمون الذين تزيد أعمارهم عن خمسين 5ر13%. اللافت أن 6ر98% من مستخدمي الإنترنت في الصين، أي نحو 817 مليونا، يمكنهم الوصول إلى الإنترنت من خلال الأجهزة النقالة. في عام 2018، قام 610 ملايين مستخدم بالتسوق عبر الإنترنت، بزيادة بلغت نسبتها 4ر14% عن عام 2017.

في نوفمبر 2018، قدمت وكالة أنباء "شينخوا" الصينية بالتعاون مع شركة "سوغو" أول مذيع أخبار بتقنية الذكاء الاصطناعي في العالم. وهو ما يعتبر ابتكارا تقنيا حديثا في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي. وتعدّ هذه أول تجربة مكتملة لدمج التسجيل الصوتي والفيديو في الوقت الحقيقي مع شخصية افتراضية من خلال تقنية الذكاء الاصطناعي. ومن مذيع الأخبار الافتراضي إلى الدفع عبر الهاتف النقال في كافة المعاملات لدرجة أن المتسولين في شوارع بكين يأخذون الصدقات حاليا عبر الهاتف ورمز الاستجابة السريعة، يقود مستخدمو الإنترنت في الصين التغيير بسرعة فائقة في مجال الابتكار، وترسخ الصين نفسها كدولة رائدة عالميا في التكنولوجيا. وتقوم الشركات الصينية بتجربة الذكاء الاصطناعي بطرق جريئة. كشفت شركة بايدو العملاقة لمحركات البحث عن أول حديقة للعلوم والتكنولوجيا الصناعية في بكين، وفي عام 2018 أعلنت الحكومة الصينية عن عزمها على تحقيق تقدم أكبر في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

لقد ولت تلك الأيام التي كان الغربيون يعتبرون المنتجات القادمة من الصين رخيصة وذات جودة منخفضة ومقلدة للمنتجات الغربية. حاليا، أحدث التقنيات في الصين ليست مصنوعة فقط وإنما أيضا تم اختراعها وتصميمها في الصين التي تسير بثبات على درب الابتكار.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037