مال واقتصاد < الرئيسية

كيف تصبح شانغهاي وول ستريت آسيا؟

: مشاركة
2019-10-30 16:58:00 الصين اليوم:Source وو شيويه:Author

في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، اشتهرت مدينة شانغهاي الصينية بسحر ليلها، فقد كانت معالمها البارزة تضاء بالأنوار الساطعة. مع تطور هذه المدينة في العقود الماضية، أصبحت تشتهر وتتميز بقيمتها الاقتصادية، إذ أنها تسعى لتكون مركزا ماليا عالميا.

مع بزوغ القمر، يبدأ دوام العمل الليلي في منطقة لوجياتسوي، المركز المالي بشانغهاي. هنا ترى موظفين مشغولين في سوق الأسهم، ومؤشرات البورصة تتحرك بأقصى سرعة. يصل حجم تجارة الذهب في بورصة شانغهاي للذهب إلى 67 طنا، بقيمة تزيد عن عشرين مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات).

في يوم العمل العادي، يدخل حوالي مائتي ألف شخص إلى منطقة لوجياتسوي للعمل كل يوم. هم يعملون في شركات ومؤسسات مختلفة، ومنها مؤسسة هونغ كونغ وشانغهاي المصرفية المحدودة (HSBC) البريطانية، وسيتي بنك، ومصرف هانغسنغ، ومجموعة جينماو القابضة المحدودة الصينية، والمركز المالي العالمي بشانغهاي.

سرد القصص الصينية في بنك نيويورك ميلون

عندما تخرج من محطة لوجياتسوي لخط مترو الأنفاق رقم 2 في شانغهاي، ترى أفضل موقع للمشاهدة. إنه ممر لوجياتسوي، الذي سار عليه واكين فينيكس بطل فيلم الخيال العلمي الشهير "هي"، الفائز بحائزة  مهرجان الأوسكار السادس والثمانين.

في الساعة السابعة مساء كل يوم، وتحت أضواء الشوارع، يقود السيد شيوي شنغ سيارته مرتديا بزته الرمادية الداكنة إلى برج بنك هانغسن، حيث يقع بنك نيويورك ميلون الذي يعمل شيوي شنغ رئيسا تنفيذيا لمنطقة الصين فيه منذ الثامن عشر من سبتمبر عام 2018. السيد شيوي سبق له العمل في البنك الألماني، وبنك جيه بي مورغان تشيس (JPMorgan Chase) وبنك ستاندرد تشارترد (Standard Chartered PLC) لأكثر من عشرين سنة. بسبب فارق التوقيت بين شانغهاي ونيويورك، يبدأ أعماله دائما في المساء.

في عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، افتتح بنك نيويورك ميلون أول مكتب تمثيل له في شانغهاي، وفي عام 2000 وسّع أعماله في شانغهاي وبكين. وبعد مرور عشرين عاما، يواجه بنك نيويورك ميلون المعروف بكونه مؤسسة تقدم خدمات للمصارف الأخرى، تحديات تجارية جديدة. يعتقد المقر الرئيسي للبنك أن النقطة الرئيسية للتنمية تكمن في كيفية اللحاق بالقطار السريع لـ"معجزة التنمية الحديثة" في الصين، وذلك لتعزيز وإدارة وضمان التدفق السلس للأصول العالمية للمستثمرين الصينيين. وهو في ذلك يتوقع الكثير من السيد شو.

في أحد الأيام، وفي الساعة التاسعة مساء، وصل شيوي شنغ إلى مكتبه حاملا حقيبة سوداء. فتح الباب الزجاجي للمكتب، ثم شغّل حاسوبه. قال إن التقدم الذي أحرزته الصين في السنوات الخمس الماضية في مجالات التكنولوجيا المالية، والدفع بالهاتف النقال، وانفتاح أسواق رأس المال والصناعة المالية المحلية على المؤسسات المالية الخارجية، قد أصبح وضعا طبيعيا جديدا بصورة تدريجية. فضلا عن ذلك، تشكل إجراءات تعميق وتوسيع نطاق الانفتاح التي أُطلقت في عام 2018، فرصة جيدة لبنك نيويورك ميلون.

يفكر شيوي شنغ بوضوح في تحديد دور بنك نيويورك ميلون، بوصفه شركة قابضة للخدمات المصرفية والمالية، هذا البنك جسر بين العملاء الصينيين والعملاء في الخارج ويقدم الخدمات العابرة الحدود. والواقع أن المؤسسات المالية المحلية في الصين أصبحت ذات حجم كبير، وبات من الصعب على وكالات الاستثمار الأجنبية أن تتجاوز المؤسسات المحلية. ومن ثم، فإن المؤسسات الأجنبية بحاجة إلى السعي  إلى التواصل مع العملاء الصينيين، وتعزيز مزاياها التنافسية، والتكيف مع الثقافة الصينية وأنظمة المراقبة الصينية.

 وبما أن معاملات الغالبية العظمى من العملاء لا تجري في مكان واحد، بل في العالم كله. لذا، يجب على موظف المؤسسة المالية أن يعرف احتياجات العملاء وأحوالهم المعنية بكل دقة.  مدير الحسابات، على سبيل المثال، يجب عليه أن يجري زيارات إلى عملائه بغض النظر عن فارق التوقيت، ويتبادل الآراء مع زملائه الذين يعملون في الفروع الخارجية، كي يقدم تقريرا بحثيا.

في الساعة الواحدة صباحا ذات يوم، كان كثير من الموظفين يواصلون العمل في منطقة لوجياتسوي. في مقر شانغهاي لبنك نيويورك ميلون الواقع في الطابق الحادي والأربعين، عقدت اللجنة التنفيذية للبنك الاجتماع الروتيني الذي يعقد مرة كل شهرين عبر الفيديو كونفرانس. شارك في هذا الاجتماع تواج رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والمسؤولون من كل خطوط الأعمال في مختلف الأماكن، حيث ناقشوا إستراتيجيات الأسواق، والقوانين واللوائح واحتياجات العملاء على مدى الشهرين الماضيين بكل التفاصيل. ثم، وضعوا برامج الأعمال المعنية.

هذا هو الوضع الطبيعي لشيوي شنغ ونمط حياته، فهو يعمل في أوقات الليل. وأهم من ذلك، يحكي شيوي شنغ "القصص الصينية" للمقر الرئيسي لبنك نيويورك ميلون، لتأكيد أهمية السوق الصينية وزيادة استثمار البنك في الصين. قال شيوي شنغ: "إنها ليست مهمة سهلة. معلومات المسؤولين في مقر البنك بالولايات المتحدة الأمريكية عن الصين ليست كافية أو عميقة." وأضاف أن "المعرفة" و"الترشيح" هما كلمتان هامتان في القصص الصينية. من جانب واحد، يجب عليه أن يقدم أحوال الصين إلى المقر وأسباب إجراء الاستثمار والفرص هناك، ومن جانب آخر، يجب عليه أن يخبر المقر بالأسباب التي تدفع إلى القيام بالاستثمار في مشروعات معينة في الصين، وأيضا إيضاح العلاقة بين تلك الاستثمارات والصين، وحجم الاستثمارات. قال شيوي شنغ: "هذه ليست مسؤولية شخصية أبدا. تتمثل مسؤوليتي في تنظيم وإدارة الفريق حتى يمكن لكل أعضاء الفريق حمل فكرة واضحة والتضامن والتوافق على الاتجاه، والإستراتيجية المحددة في الأعمال."

كان كثير من الناس يرون أن البنك مؤسسة ثابتة لا تتأثر كثيرا بالتغيرات الخارجية، لكن اليوم، في ظل البيئة الاقتصادية المتغيرة الجديدة، هذه الرؤية قد فات زمنها. كما قال تشارلز شارف، الرئيس التنفيذي لبنك نيويورك ميلون: "كل يوم هو اليوم الأول"، لذا، يواجه يوما جديدا في كل يوم بغض النظر عن النجاح الذي تحقق في الأمس.

وول ستريت في آسيا

قال السيد خه جيا مو، نائب مدير مصلحة التنمية المالية بمنطقة لوجياتسوي: "إذا شبهنا منطقة لوجياتسوي بساحة المعركة الاقتصادية، فإن البنايات في هذه المنطقة هي ورش الإنتاج."

 اليوم فقد تم تشييد 250 بناية متميزة بارتفاع ثمانية طوابق أو أكثر للأعمال التجارية في منطقة لوجياتسوي، يصل العدد الإجمالي للمؤسسات المالية المقامة في المنطقة إلى 1605 مؤسسات مالية، حيث يحقق مائتا ألف من الموظفين الذين يعملون في تلك البنايات، إنجازات اقتصادية مرموقة. في عام 2018، احتل حجم التجارة الفورية للذهب وعدة أنواع من المنتجات الآجلة في شانغهاي المرتبة الأولى في العالم؛ واحتل المبلغ الإجمالي لتمويل الأسهم في بورصة شانغهاي المرتبة الثانية في العالم في عام 2018. وتجاوز حجم المعاملات التراكمية للخدمات بين أسواق الأسهم بشانغهاي وهونغ كونغ وأسواق الأسهم في شنتشن وهونغ كونغ منذ بدء التشغيل 14 تريليون يوان، في حين بلغ حجم التجارة الإجمالي في الأسواق المالية في شانغهاي 8ر1645 تريليون يوان.

يتميز عام 2019 بميزة خاصة، إذ تقع شانغهاي في نقطة انطلاق جديدة على أساس الإنجازات والتجارب خلال الثماني عشرة سنة الماضية وتتقدم إلى الأمام بسرعة كبيرة. فضلا عن التقدم في الأرقام، يشير تحول أدوار الموظفين الماليين وتغير اتجاه رأس المال في السنوات المنصرمة إلى تطور شانغهاي وسعيها لتكون مركزا ماليا عالميا.

يذهب لي يوان، المدير المالي لشركة فوشينغ (Fosun) الدولية للابتكار في العلوم والتكنولوجيا، إلى العمل. وكعادته يقوم بتسجيل وصوله باستخدام الآلة الذكية التي تمسح بصمة وجه الشخص لتأكيد هويته. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، لاحظ لي يوان بعض التغييرات الطفيفة. نظرا لأن معظم المشروعات متعلقة بالشؤون الخارجية، فإن ساعات العمل للموظفين كانت تبدأ عادة في الساعة الثالثة بعد الظهر. ولكن في السنوات الأخيرة، ومع تقدم الصين السريع في أعمال الاندماج والشراء عبر الحدود، تشارك الصين في الأعمال التجارية الدولية بصورة إيجابية، مما يغير وتيرة الأعمال لبعض الشركات في الدول الأخرى مثل فرنسا وألمانيا. صار الموظفون في بعض الشركات يعملون وفقا لتوقيت الصين تدريجيا.

يقول تشانغ يوي قوي، عميد معهد الاقتصاد والمالية بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية: " إن تحول شانغهاي في نهاية المطاف إلى "وول ستريت الشرق"، لا يعتمد فقط على مستوى إستراتيجية التدويل المالي للصين، وإنما أيضا يتعلق بما إذا كان يمكن للصين إزالة القيود المفروضة على المدينة، وتوسيع نطاق وفرة المنتجات المالية، والحصول على حقوق التسعير والكلام في الأسواق العالمية، وتوسيع نطاق الانفتاح على العالم الخارجي، وجذب المواهب الرفيعة المستوى إلى أقصى حد ممكن."

في السابع عشر من يناير عام 2019، تم إصدار خطة أعمال شانغهاي لبناء المركز المالي العالمي (2018-2020)، التي وفرت ضمانات وتوجيهات ومسارات هامة لإنشاء المركز المالي العالمي بحلول عام 2020. وقد اجتذبت شانغهاي 38 صندوقا من صناديق التحوط الدولية المشهورة ووكالات إدارة الأصول للمشاركة في المشروع التجريبي للشركاء المحليين المؤهلين، حيث استقر أكثر من عشرة من أفضل هيئات إدارة الأصول على مستوى العالم في شانغهاي.

وفي الخامس من يونيو عام 2019، على أساس اقتراح بيير دوكريت، الرئيس المشارك لتحالف المركز الدولي لتمويل التنمية المستدامة، قررت منطقة لوجياتسوي إدخال مفهوم "الخضرة" أو "الاستدامة" في المجال المالي في شانغهاي، وستتعاون مع الشركات العالمية لإطلاق "مبادرة 5G" التي تشمل إعداد الأكفاء الشبان، والهندسة البيئية الخضراء، وقضايا الابتكار المالي، وبناء نظام الشبكات للاجتماعات العالمية، وما إلى ذلك.

في بداية عام 1991، في الطابق الثاني والأربعين لفندق جينجيانغ، أعلى بناية في مركز شانغهاي آنذاك، استمع دنغ شياو بينغ، المهندس العام لسياسة الإصلاح والانفتاح بالصين، لتقرير حول تطور حي بودونغ في شانغهاي وأشار إلى أن الأعمال المالية هامة، إذ أنها محور الاقتصاد الحديث. إن التعامل مع الشؤون المالية بشكل جيد مفتاح نجاح الاقتصاد الصيني. بعد ثماني وعشرين سنة، يبذل عدد كبير من الأكفاء في مجال المالية أقصى الجهود لتحقيق أقوال دنغ شياو بينغ العظيمة.

--

وو شيويه، صحفية بمجلة ((شينمين الأسبوعبة)).

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037