الصين في عامها الستين

د.مفيد شهاب        وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية- مصر

إنجازات الصين في التنمية

إن هذه الدولة العريقة صاحبة أقدم حضارات العالم، استطاعت أن تثبت أنها قادرة على احتلال الصدارة في العديد من المجالات، فخلال ستين عاما من الكفاح والاستكشاف والتجارب، أصبحت الصين تملك المقومات التي تؤهلها لكي تنافس أكبر وأقوى الدول، وأصبحت قادرة على دخول العصر من أبوابه الواسعة والتأقلم مع التطورات التي يشهدها العالم ومواكبتها، لأن نظامها عرف مبكرا كيف يصلح نفسه من الداخل، وكيف يتكيف مع التطورات التي يشهدها العالم، وعرف أنه لا مستقبل له من دون قاعدة اقتصادية قوية ومتينة، مع عوامل أخرى من بينها الحس الوطني الذي يجمع بين الصينيين. في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، انتقلت الصين إلى عهد جديد أسس له دنغ شياو بينغ الذي يمكن وصفه بباني الصين الحديثة. اعتمد دنغ مبدأ البحث عن الحقيقة انطلاقا من الواقع ودعا بكل بساطة إلى تحديث الصين عن طريق تجارب مختلفة ومتنوعة، والعودة عن أي تجربة متى تبين أنها خاطئة. وركز على محاربة الفقر خصوصا، واستطاع في غضون أعوام قليلة إخراج نحو أربعمائة مليون صيني من حالة الفقر، وتخلت الصين عن عقدة نقل تجارب الآخرين وحتى تقليدهم، خصوصا تجارب الدول الناجحة صغيرة كانت أم كبيرة. ورفعت مستوى التعليم كي يتمكن طلابها من مواكبة الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم، واستمرت في سياسة الحد من النمو السكاني التي ساعدت في القضاء علي الفقر والتخلف. ولذلك لم تجد الصين صعوبة في التحول إلى مصدر للتكنولوجيا الحديثة، بل منتج لها. والآن في عام 2009 أصبحت الصين من الناحية الاقتصادية أكبر اقتصاد حقق نموا في التاريخ المنظور خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، حيث حقق بشكل سنوي نموا 8-9 % وأصبح إجمالي الناتج المحلي للصين يزيد على أربعة آلاف مليار دولار أمريكي، فيما وصل الاحتياطي الدولي إلى أكثر من تريليوني دولار أمريكي، وبلغ حجم التجارة الخارجية 2560 مليار دولار أمريكي. واستطاعت الحكومة الصينية خلال هذه السنوات أن تضاعف دخول الأفراد أربع مرات، كما تحتفظ بثاني أكبر احتياطي عالمي من العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار الأمريكي. أما الناحية التجارية، فقد أصبحت البضائع الصينية تشكل قلقا للدول الصناعية الكبرى بسبب أسعارها المنافسة وأصبحت سوقا كبيرة منفتحة على العالم.

لقد استطاعت الصين منذ بدء عملية الإصلاح والانفتاح أن تلعب دورا بناء متزايد الأهمية في تسوية  القضايا الدولية والإقليمية الساخنة ومعالجة التحديات الكونية والحفاظ على السلام العالمي. وبوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، تلتزم بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتسعى إلى تسوية النزاعات الدولية سلميا من خلال الحوار والمفاوضات، وشاركت مشاركة واسعة في التعاون الدولي في مختلف المجالات. كما تدعم الصين إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعمل من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية ودفع إصلاح النظام المالي الدولي وتتعاون بشكل وثيق مع الدول الأخرى لمواجهة تحديات تغير المناخ وأمن الطاقة وانتشار أسلحة الدمار الشامل وغيرها من التحديات العالمية.

العلاقات العربية الصينية

إن ما قدمته الصين من تجربة تنموية فريدة وما اتسمت به الدبلوماسية الصينية من تعاون وصدق في تعاملاتها مع دول العالم عامة والدول العربية خاصة، واهتمامها المتزايد بدعم اقتصاد الوطن العربي وحل مشاكله الإقليمية والانفتاح في المجالين الدبلوماسي والاقتصادي جعل الدول العربية ترسم مستقبلا أفضل لعلاقاتها مع الصين، خاصة وأن الصين حليف قوي يقوم بدور فعال في دعم القضايا العربية، فكانت فكرة إنشاء منتدى التعاون العربي – الصيني، الذي أعلن في  سنة 2004 لبحث آليات ووسائل رفع مستوى التشابك والتعاون بين الطرفين على مختلف المستويات. ويهدف هذا التعاون إلى فتح الأسواق العربية وتطبيق أنظمة الإعفاءات الجمركية المتبادلة مع الصين وتشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في معظم البلاد العربية، ويعمل على أن يكون هناك دعم متبادل بين الطرفين. الوطن العربي يدعم الصين كقوة دولية اقتصاديا وسياسيا في منظومة النظام الدولي، والصين تدعم الموقف العربي والفلسطيني من أجل استرداد الحقوق الفلسطينية والعربية، وخاصة تلك المتعلقة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف عدوانه على الشعب الفلسطيني. أيضا تعمل الصين على المساعدة في تطوير الصناعة والتكنولوجيا في الوطن العربي، بما يحقق تطورا اقتصاديا صناعيا متناميا، ويطور استخدامات التكنولوجيا فيه.

إن الدول العربية تعمل على الاستفادة من تجربة الصين في تحقيق معدلات مرتفعة للتنمية الاقتصادية ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة في الوطن العربي والاستفادة من القدرات والخبرات العسكرية الصينية في تطوير القدرات العسكرية العربية، وكذلك في مجال تكنولوجيا التصنيع العسكري. كما تعمل على تطوير التعاون العربي – الصيني لبلورة موقف حضاري حكيم في التعامل مع ظاهرة الإرهاب الدولي تستند إلى شرعية المقاومة ضد الاحتلال العسكري بكافة الوسائل ومحاربة أعمال الإرهاب المنظم ضد الأبرياء والمدنيين دون تمييز مهما كان مصدرها، ووضع استراتيجية مشتركة مع العرب لإقرار هذه التوجهات في الأمم المتحدة،  حيث أصبحت قضية الإرهاب الدولي القضية المحورية علي أجندة السياسة الدولية. وقد اهتم العرب والصينيون بقضية مكافحة الإرهاب، لكن المشكلة تكمن في سعي بعض الدول للخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال. لقد قاوم الصينيون الاحتلال الياباني لشمال شرقي الصين وأيدت مصر تلك المقاومة بمجرد دخولها عصبة الأمم سنة 1937، وهو أمر يجعل الصين في مركز المتفهم لضرورة دعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، حيث تختلف المقاومة المشروعة للاحتلال عن الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء دون تمييز. كما يمكن أن يتم التعاون على تحييد الإسلام من الاتهام، لأن ظاهرة الإرهاب ظاهرة عالمية يمارسها الناس من أتباع مختلف الديانات لاعتبارات إرهابية لا علاقة لها بالدين.

إن تحقيق التعاون العربي– الصيني أمر هام ويمكن تحقيقه على قاعدة التعاون الحضاري وتبادل المصالح والتحالف في النظام الدولي. وهنا أود أن أشير إلى بعض نقاط التعاون التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف وهي:

  1. -        توسيع التبادل الثقافي بين الصين والدول العربية من خلال وسائل متعددة مثل تبادل المعلومات والوثائق والأفكار بين المؤسسات والأفراد المثقفين لدى الطرفين.
  2. -                    تطوير التبادل الثقافي وتعلم اللغات لدى الطرفين.
  3. -        عقد الندوات والمؤتمرات المشتركة بين المؤسسات المتشابهة لإيجاد قاعدة بيانية واسعة للباحثين والخبراء وبناء مجموعات العمل من المفكرين والباحثين والخبراء في مختلف المجالات.

- زيادة وتطوير التبادل الاقتصادي وفتح مصانع صينية في الوطن العربي ونقل صناعة التكنولوجيا إليه.

- منح امتيازات للشركات الصينية للتنقيب عن النفط في بعض الدول العربية كما هو الحال في السودان.

- إنشاء مناطق حرة بين الصين والدول العربية.

- المساعدة في حصول الدول العربية على مقعد في مجلس الأمن الدولي.

- التعاون مع العرب لتصحيح الميزان الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

- تطوير دور الصين في التعامل مع القضية الفلسطينية والضغط على الجانب الإسرائيلي.

- زيادة التبادل الدبلوماسي والسياسي بين الصين والدول العربية.

- تفعيل منتدى التعاون العربي – الصيني عن طريق عقد مؤتمرات دورية على مختلف المستويات.

- التعاون في القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك مثل حوار وتعاون الحضارات في مواجهة توجهات صدام الحضارات والعمل على تخفيف هيمنة الحضارة الغربية على العالم، تطبيق القانون الدولي بعدالة ودون تمييز وإصلاح المنظمة الدولية، مواجهة استحقاقات تفشي ظاهرة الإرهاب وتمييزها عن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والتواصل إلى وثيقة دولية تقوم على هذه القاعدة القانونية، ثم مواجهة استحقاقات العولمة الاقتصادية لصالح بناء اقتصاديات متنامية ومستقلة.

العلاقات المصرية الصينية

تعد مصر أرضا خصبة للاستثمار، حيث مناخ الاستثمار في تحسن مستمر وإمكانيات السوق الواعدة كبيرة، فضلا عن موقعها المركزي في الإطارين العربي والأفريقي، فمصر هي مفتاح الشرق الأوسط ومفتاح أفريقيا وهى البوابة الخلفية لأوروبا، وسياستها تتسم بالديناميكية وهي دلالة مستقبلية تدعو لتعزيز التعاون المصري الصيني كركيزة للتعاون العربي الصيني.

لقد تطورت العلاقات المصرية الصينية خلال الخمسين عاما الماضية تطورا مذهلا في كافة المجالات، وقد أثبتت هذه العلاقات قدرتها على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية والداخلية، فهي علاقات أكسبها الزمن صلابة وقوة تمنحها القدرة على تحقيق مزيد من التطور. وقد تميزت العلاقات المصرية الصينية منذ إقامتها بأنها علاقات لا يعكر صفوها مشاكل، حيث لا يوجد أي نوع من التعارض في الأهداف الاستراتيجية لكلا الدولتين اللتين تنتهجان استراتيجيات وسياسات تكاد تكون متوافقة، من حيث السعي والعمل من أجل السلام في كافة أرجاء العالم  وديمقراطية العلاقات الدولية وإقامة نظام دولي سياسي واقتصادي منصف وعادل واحترام خصوصية كل دولة. وتجتهد الدولتان على طريق تنمية الاقتصاد الوطني من أجل حياة أفضل لشعبيهما ولكل شعوب العالم. وتتفهم كل من مصر والصين مواقف الآخر وتؤيدها،  فمصر تؤكد دائما أن هناك دولة واحدة للصين وتعارض استقلال تايوان، كما أن الصين تؤيد الرؤية المصرية لإحلال السلام في الشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية ومبادرة الرئيس مبارك لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. ولقد قامت العلاقات المصرية – الصينية علي أساس مبادئ مؤتمر باندونغ، كما أن هناك تشاورا دائما بين الجانبين، حيث قام الرئيس حسني مبارك بزيارة الصين تسع مرات حتى الآن، وهذا يعبر عن التقدير والاحترام والمحبة. وكان من أبرز معالم تطور العلاقات بين البلدين توقيع الرئيسين حسني مبارك وجيانغ تسه مين في أبريل 1999 إعلان إقامة العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، كما أن هناك تشاورا على مستوى السياسة الدبلوماسية بوزارتي الخارجية وسفارتي البلدين ومن خلال تبادل الوفود. ومشاورات حول مجمل العلاقات والقضايا الإقليمية والدولية التي تهم البلدين. وقد شهدت السنوات الماضية نموا  كبير في العلاقات السياسية والتجارية، وقامت عدة وفود برلمانية من البلدين بتبادل الزيارات، كان آخرها الزيارة الناجحة التي قام بها الدكتور/ فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب، في أكتوبر عام 2007 إلى الصين على رأس وفد برلماني رفيع المستوى، شرفت بالمشاركة فيه، والتي تم خلالها توقيع اتفاق للتعاون يتضمن آلية حوار برلماني بين مجلس الشعب المصري والمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني. ويستهدف الاتفاق تعزيز التعاون البرلماني والتشريعي بين مصر والصين، ويأتي تتويجا للعلاقات المصرية الصينية المتميزة التي تجاوزت نصف قرن من العلاقات الوثيقة، كما تم توقيع مذكرة تعاون بين الحزبين الحاكمين؛ الحزب الشيوعي الصيني والحزب الوطني الديمقراطي المصري لتنظيم مجالات العمل المشترك وتبادل الوفود ونقل الخبرات في المرحلة المقبلة.

 

 

 

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn