الصين والعالم في كانكون

سو وي

سو وي

في السادس عشر من فبراير سنة 2002، أقام أعضاء "منظمة السلام الأخضر" في بكين نشاطا للتذكير بموعد سريان ((بروتوكول كيوتو)).

في اليوم العالمي للبيئة، 5 يونيو عام 2010، عُرضت أعمال لفن التركيب بعنوان "مسئولية مشتركة، مستقبل مشترك"، أمام نهر جليدي بارتفاع 5400 متر على قمة قلاداندونغ الثلجية في مقاطعة تشينغهاي الصينية. تكونت الأعمال من 193 سرير رضيع مغطاة بأعلام 193 دولة ذات سيادة، في إشارة على أن الأطفال هم المستقبل في جميع أنحاء العالم، وعلى كل دولة الحفاظ على بيئتنا وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

دخلت البشرية عصرا جديدا بعد قيام الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. ولكن عملية التصنيع في الدول الصناعية، وخاصة المتقدمة منها، أدت إلى استهلاك كميات هائلة من الطاقة، مما أدى إلى زيادة غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي للأرض، وما نجم عنها من تغيرات واضحة في مناخ الكرة الأرضية. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، أصبح التصدي لتغير المناخ تحديا لنا جميعا، نحن البشر. وجدير بالذكر فإن أكثر الدول تأثرا بتغير المناخ هي الدول النامية، ذات مستوى التنمية الاقتصادية المنخفض والبنية التحتية المتخلفة.

غني عن البيان أن التصدي لتغير المناخ مهمة لا تقدر عليها دولة بمفردها، وتتطلب تعاونا وجهودا مشتركة من المجتمع الدولي. وقد تواصل البحث، خلال السنوات العشرين الماضية، عن وسائل عادلة ومعقولة للسيطرة على نسبة انبعاث غازات الاحتباس الحراري ومواجهة تغير المناخ، وتم إحراز بعض الإنجازات، أبرزها تبني ((اتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغيرات المناخ))، يشار إليها لاحقا بـ ((الاتفاقية)) و((بروتوكول كيوتو))، يشار إليه لاحقا بـ ((البروتوكول))، إضافة إلى ما يسمى بـ ((خطة عمل  بالي))، نسبة إلى مدينة بالي الإندونيسية.

يجري المجتمع الدولي حاليا مفاوضات حول تنفيذ ((خطة عمل  بالي))، وتعزيز التطبيق الشامل والفعال والمستمر لـ ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)). والصين، كعضو مسئول بالأسرة الدولية، مستعدة لأداء دورها الإيجابي والبنّاء في عملية التفاوض.

التفاوض الدولي بشأن تغير المناخ في 2010

عقدت في كوبنهاغن في ديسمبر الماضي مفاوضات دولية حول تغير المناخ، ونتج عن تلك المفاوضات تطورات إيجابية في مجالات الأهداف الطويلة المدى ورأس المال ونقل التقنيات وغيرها، وصدرت "اتفاقية كوبنهاغن" التي خلت من أي تعهدات ملزمة للدول، ولم يتم التطرق الجاد حتى لعملية التفاوض حول خطة عمل  بالي أو الترتيبات النهائية للمعايير الدولية لانبعاث غازات الاحتباس الحراري بعد سنة 2012. لذلك قرر المجتمع الدولي عقد الدورة السادسة عشرة من مؤتمر أطراف "الاتفاقية" والدورة السادسة من مؤتمر أطراف "البروتوكول" في مدينة كانكون المكسيكية في نوفمبر 2010. وقد حرصت الأطراف المعنية بمؤتمر كانكون على زيادة عدد ووقت جلسات التفاوض، لتزيد من قوة وفاعلية اجتماعات التفاوض التحضيرية لمؤتمر كانكون، بهدف التوصل إلى نتائج إيجابية.

وقد عقد اجتماع تفاوضي في مدينة تيانجين الصينية في الفترة ما بين الرابع والتاسع من أكتوبر 2010، وهو إسهام هام قدمته الصين لدفع التفاوض الدولي في المجرى الرئيسي الذي حددته "الاتفاقية" و"البروتوكول"، ودعم مؤتمر كانكون لتحقيق نتائج مرضية. كان اجتماع تيانجين آخر محطة للمفاوضات قبل مؤتمر كانكون، من أجل توفير الصيغة الأمثل للأعمال التمهيدية للمؤتمر.

ولكن، على الرغم من أن المفاوضات الدولية شهدت بعض التطورات التي تبعث على التفاؤل بفضل الجهود المبذولة من كافة الأطراف، مازالت هناك خلافات شديدة صعبة في المفاوضات بين الدول المتقدمة والدول النامية حول تغير المناخ. وتتركز الخلافات أساسا حول ما إذا كان المضي قدما في تحقيق كل من ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)) يمثل التطبيق لخطة عمل  بالي، وما إذا كان الجميع يعمل وفقا لمبدأ "المسئوليات المشتركة لكن المتباينة" ومبدأ العدالة، وما إذا كان على الدول المتقدمة أن تكون المبادرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة والعمل المتواصل لتخفيض انبعاثات غازات الدفيئة. هذا إضافة إلى عدة أمور أخرى مثل توزيع المسئولية في تخفيض الانبعاثات وتقديم رؤوس الأموال ونقل التقنيات والتي تعتبر جوهر الخلاف بين الجانبين.

تركز الدول المتقدمة على لقاءات مجموعات صغيرة من الدول ومحاولة تهميش، بل وتجاوز، قنوات التفاوض التي أنشأها إطار الاتفاقية والبروتوكول. أما الدول النامية، فوجهة نظرها أن غازات الاحتباس الحراري التي انبعثت بدون قيود خلال فترة التصنيع في الدول المتقدمة، هي السبب الرئيسي لتغير المناخ. إن المسؤولية تقع على عاتق العالم المتقدم، الذي يبلغ متوسط نصيب الفرد المتراكم فيه من الانبعاثات أضعاف، بل عشرات المرات، نظيره في الدول النامية، ولا يزال المستوى الحالي عاليا. يجب على الدول المتقدمة أن تتحمل المسئولية الرئيسية في مواجهة تبعات تغير المناخ. وتدعو الدول النامية أيضا إلى التمسك بمبدأ "المسئوليات المشتركة لكن المتباينة" واتخاذ "الاتفاقية" قناة رئيسية للتفاوض، وما نصت عليه خطة عمل  بالي لتحقيق التطبيق الشامل والفعال والدائم لـ ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)) وفي أسرع وقت ممكن. على الدول المتقدمة أن تواصل سعيها وجهودها من أجل تخفيض الانبعاثات بمقدار كبير وتفي بوعودها وتعهداتها في تقديم الأموال ونقل التقنيات وتنمية القدرات للدول النامية، التي يتعين عليها أيضا أن تتخذ سياسات وإجراءات مطابقة لظروفها الخاصة، بما يضمن التصدي لتغير المناخ، ضمن إطار التنمية المستدامة وفي ظل المساعدة المالية والتقنية المقدَّمة من الدول المتقدمة.

موقف الصين في مفاوضات تغير المناخ

تولي الحكومة الصينية على الدوام اهتماما بالغا لقضية تغير المناخ، وتدعو إلى مواجهتها عن طريق التعاون الدولي العملي والفعال، وتتحمل مسئولية عالية أمام الشعب الصيني وشعوب العالم. وبالنسبة للمفاوضات الدولية الحالية، يعتبر الالتزام التام واتباع كل ما ورد بخطة عمل  بالي هو المهمة الأكثر محورية وإلحاحا من أجل تعزيز تطبيق ((الاتفاقية)) و((البروتوكول))، ولتنسيق أعمال نقل التقنيات والإعانات المالية. ويمكن تلخيص موقف الصين في النقاط الأربع التالية:

1- التمسك بالإطار الأساسي المكون من((الاتفاقية)) و((البروتوكول)) والاتباع التام  لمبادئ خطة عمل  بالي.

إن ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)) هما الإطار الأساسي والقاعدة القانونية للتعاون الدولي لمواجهة تغير المناخ، ويشكلان الأسس والدلائل المرشدة لتطبيق خطة عمل  بالي، وبلورة الآراء المشتركة للمجتمع الدولي. تساهم خطة عمل  بالي في وضع الترتيبات المعنية في تخفيف حدة التغيرات المناخية والتأقلم معها، وتشاطر التقنيات وتوفير الدعم المالي، وتحدد الكمية المقررة للدول المتقدمة في خفض الانبعاثات في المرحلة الثانية لـ ((البروتوكول)).

2- التمسك بمبدأ "المسئوليات المشتركة لكن المتباينة"

لا بد أن تتحمل الدول المتقدمة المسئولية عن الانبعاثات التي سببتها خلال فترة طويلة من الزمن، وعن النسبة العالية لمتوسط نصيب الفرد فيها من الانبعاثات، وعليها أن تتخذ إجراءات مناسبة، مثل تغيير أنماط الحياة غير المستدامة، وتخفيض الانبعاثات بحجم كبير، وتقديم رأس المال والتقنيات للدول النامية. وعلى الدول النامية أن تتخذ إجراءات إيجابية لتخفيف حدة التغيرات المناخية والتأقلم معها أثناء تنميتها الاقتصادية وجهودها للقضاء على الفقر فيها.

3- التمسك بمبدأ التنمية المستدامة

التنمية المستدامة هدف ووسيلة مفيدان لمواجهة تغير المناخ. وعلى المجتمع الدولي أن يضع بشكل كامل وفي إطار التنمية المستدامة كلا من التنمية الاقتصادية وجهود تخفيف الفقر وحماية المناخ، من أجل تحقيق الفوز المزدوج المتمثل في التنمية وحماية المناخ في آن واحد، وبما يضمن صيانة حقوق الدول النامية في التنمية والتطور.

4- الدعوة إلى الاهتمام المتساوي لتخفيف آثار تغيرات المناخ، والتأقلم معها ونقل التقنيات والدعم المالي.

طالما أن تخفيف آثار التغير المناخي والتأقلم معها جزءان عضويان ينجمان عن جهود مواجهة تغيرات المناخ، يجب أن يحظى كل منهما بالاهتمام على قدم المساواة. إن تخفيف حدة تغيرات المناخ مهمة شاقة وطويلة المدى نسبيا، والتأقلم معها مهمة أكثر واقعية وإلحاحا وأهم بالنسبة إلى الدول النامية. أما رأس المال والتقنيات فهي وسائل ضرورية لتحقيق تخفيف التغيرات المناخية والتأقلم معها. وعلى ضوء كل هذه الحقائق، أضحى وفاء الدول المتقدمة بوعودها وتعهداتها في تقديم رأس المال ونقل التقنيات وتطوير إمكانيات الدول النامية، ضمانا أساسيا لكي تحقق الدول النامية هدف تخفيفَ حدة التغيرات المناخية والتأقلم معها.

إن الصين على أتم الاستعداد لتحمل مسئولية دولية تتلاءم مع مرحلة التنمية التي تمر بها وقدراتها الواقعية على أساس ((الاتفاقية)) و((البروتوكول))، وتسير على هدي متطلبات خطة عمل  بالي انطلاقا من ظروفها وواقعها، وهي مستعدة كذلك لتطبيق السياسات والإجراءات والحملات القوية وبذل الإسهامات المعقولة لحماية مناخ العالم.

تطلعات الصين لنتائج مؤتمر كانكون

تأمل الصين، بصفتها دولة ذات مشاركة نشيطة وبنّاءة في المفاوضات الدولية بشأن تغير المناخ، أن يتم بحث تطبيق خطة عمل  بالي، والتوصل إلى نتائج ملزمة داخل نطاق آلية التفاوض الرسمية لمجموعة عمل ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)) على أساس القوانين الدولية الموجودة. وأن يتم إنجاز الهدفين التاليين:

1- تحديد حصص الدول المتقدمة في خفض الانبعاثات في المرحلة الثانية لـ ((البروتوكول)) عبر تفاوض مجموعة عمل ((الاتفاقية)) و((البروتوكول)).

ستنتهي المرحلة الأولى لـ ((البروتوكول)) في نهاية سنة 2012، ومن الضروري أن تُتم مجموعة العمل التفاوضَ في أسرع وقت ممكن لضمان عدم وجود فراغ زمني بين المرحلتين الأولى والثانية. وفي نفس الوقت، يعتبر إكمال التفاوض من قبل مجموعة العمل، شرطا هاما للحصول على نتائج بناءة ومثمرة. نأمل أن يتحقق تطور حقيقي في التفاوض حول حصص الدول المتقدمة في خفض الانبعاثات في المرحلة الثانية لـ ((البروتوكول)) وتأكيد الوعي المشترك الذي خرجت به جميع الأطراف خلال اجتماعات التفاوض، حتى يتم وضع أساس راسخ للمفاوضات المستقبلية.

2- تسوية مشكلة تخفيف حدة آثار التغيرات المناخية والتأقلم معها، وتقديم الأموال ونقل التقنيات عبر تفاوض مجموعة عمل ((الاتفاقية)).

تجري مجموعة العمل المفاوضات وفقا لخطة عمل بالي، بهدف تحديد الحصص المعقولة للدول الأطراف المتقدمة غير الموقعة علـى ((البروتوكول)) (والمقصود هنا أساسا الولايات المتحدة الأمريكية) في خفض الانبعاثات، ووفاء الدول المتقدمة بتعهداتها في تقديم رأس المال ونقل التقنيات وبناء قدرات الدول النامية في هذا المجال. وتتخذ الدول النامية، بعد تلقيها المساعدات والإعانات، إجراءات معنية مناسبة حسب ظروفها الذاتية وضمن إطار التنمية المستدامة.

مما لا شك فيه أن الأهداف المذكورة أعلاه دونها خرط القتاد، ومازالت هناك مصاعب ومتاعب عديدة، خاصة الكمية المحددة التي أصدرتها الدول المتقدمة في خفض الانبعاثات والتي لا تتطابق بأي شكل من الأشكال مع مسئوليتها التاريخية ومطالب الدول النامية؛ كذلك فإن ردود الدول المتقدمة ونصائحها للدول النامية حول رأس المال ونقل التقنيات ليست مُقنِعة؛ ودعوتها لإلغاء ((بروتوكول كيوتو)) تتناقض تماما مع موقف الدول النامية.

رغم التحديات والصعوبات، الصين مستعدة لأداء دورها الإيجابي البنّاء مع كافة الأطراف، حتى يتكلل مؤتمر كانكون بالنجاح ويحقق نتائج شاملة متوازنة ذات قوة ملزمة.

 

* سو وي: مدير إدارة تغير المناخ باللجنة الوطنية الصينية للإصلاح والتنمية، شارك في المفاوضات الدولية حول تغير المناخ ممثلا للصين منذ سنة 1989. نائب رئيس، وكبير مفاوضي، وفد الحكومة الصينية في مؤتمر كوبنهاغن 2009.

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn