الفريضة الغائبة عند ربيعة قـدير

عادل صبري

المسجد بأوروموتشي

السيارات المدمرة خلال أحداث الشغب

مسلمون صينيون يشاركون في صلاة

 

                                     

عندما وقعت أحداث أورومتشي في الخامس من يوليو 2009، قدمت أجهزة الإعلام الغربية ربيعة قدير رئيسة المجلس الويغوري العالمي للمجتمع الدولي، والإٍسلامي بصفة خاصة، على أنها زعيمة مناهضة للوجود الصيني في منطقة يسكنها مسلمون يتعرضون للاضطهاد والعنف. وصورت وسائل الإعلام، التي تملك ميراثا استعماريا تاريخيا في تأليب الرأي العام، الأحداث على أنها حرب صينية على المسلمين في منطقة شينجيانغ. بعض الأقلام لم تكن أوراقها قد جفت بعد من كتابة مقالات ضد الإسلام، ووصف المسلمين بأنهم إرهابيون متعصبون بل تمادت في الإساءة إلى نبي الإسلام محمد ( صلي الله عليه وسلم) بالكلمة والصور الكرتونية والأفلام المرئية. وسط هذه الفوضى وقعت بعض الأقلام العربية والإسلامية في غواية الشرك الذي نصبه الإعلام الغربي، منهم من أخذ نقلا حرفيا عما كتبته الوسائل المغرضة وآخرون تشددوا في وصف الأحداث بأنها مجزرة ترتكب ضد المسلمين. ووقعت بعض الصحف العربية في مطب غريب؛ إذ صورت ربيعة قدير على أنها زعيمة إسلامية تسعى إلى إقامة وطن خاص للمسلمين، وطالبت بأن يتخذ العرب من ربيعة  قدير مثالا يحتذى في مكافحة الاستعمار وحكومات بلادهم التي ترفض منح مواطنيها الحرية واحترام حريات الشعوب. ومن هذه الأقلام من سعى إلى معايرة الحكومات التي تعيش في كنفها بقوة ربيعة قدير بإصرارها على تحدي دولة كبيرة مثل الصين، وتصميمها على تأجيج المجتمع الدولي ضدها بأن قامت بجولة شملت اليابان وأستراليا وأوروبا والعديد من الولايات الأمريكية طلبا لنصرتها ودعم المجتمع الدولي لموقفها!

في ظل التغطية الإعلامية الغربية الموجهة للأحداث، شهد الإعلام العربي ارتباكا في المعالجة المهنية، بينما كان الشارع العربي ينظر للموقف برمته بمزيد من الشكوك في الرؤى والتوجهات التي تحاول بعض أجهزة الإعلام فرضها عليه. فالجمهور المتابع للأحداث شاهد المأساة ولكن هاله أن تكون الدماء التي تنزف من كافة الأطراف، سواء المسلم أو غيره من الصينيين. وعندما ظهرت ربيعة قدير على شاشات التلفاز في نشرات الأخبار العالمية تعجبنا مع المسلمين عندما شاهدنا امرأة مسلمة تقابل الرجال بالأحضان في جولاتها خارج الولايات المتحدة وداخلها. وفي وقت حرصت فيه بعض الفضائيات العربية على عرض فيلم مدته نحو الساعة صنعته أجهزة الإعلام الغربية عن رئيسة المجلس الويغوري العالمي، كدعاية مجانية لهذه الشخصية في خضم الأحداث، فإذ بالرياح تأتي بما لا تشتهي سفنها. فالمرأة المسلمة تظهر في الفيلم وهي تحتضن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، المكروه عربيا وإسلاميا أثناء استقباله لها في البيت الأبيض. ويبين الفيلم أن ربيعة قدير تعاونت مع إدارة الخارجية الأمريكية السابقة، وبالطبع أجهزة المخابرات التي تحرك المتعاملين معها من الخارج، من أجل إحراج الصين قبيل تنظيمها أولمبياد بكين، في الوقت الذي كان العالم الإسلامي والعربي بخاصة يعاني بشدة من إساءة الإدارة الأمريكية للمسلمين، ومحاولتها ربط الإرهاب الدولي بالإسلام. ولم يفطن صناع الفيلم  الدعائي إلى أن ما تنظمه ربيعة قدير من حفلات راقصة يحضرها ممثلو الإدارة الأمريكية الحالية وبعض أنصارها في الخارج من أجل جمع تبرعات تساعدها في تمويل أنشطتها، لا يثير الريبة في قضيتها فقط بل وبالتزامها بالمبادئ الإسلامية التي تحرم هذه الأعمال تماما. فالإسلام دين قائم على الشفافية لا يقر المناورات التي تتم مع أعداء الأمس، خاصة من الذين كانوا أول الطامعين في الاستيلاء على أراضي المسلمين كاليابانيين والأمريكيين وغيرهم، حتى وإن كانت الأسباب المرفوعة تتعلق بتحرير الأوطان، كما تذكر ربيعة قدير. والدين الإسلامي لا يسمح بأن يتعامل أبناؤه بوجهين مع نفس العدو، مرة بمحاربته لأنه يحتل الأراضي الإسلامية كما في العراق وأفغانستان وأخرى بمد يد العون له إذا كان ذلك لإحداث اضطرابات في الصين أو الدول العربية ذاتها من أجل مصالح ضيقة لبعض الأفراد. ومبادئ الإسلام لا تقر بأن تقوم امرأة بتقبيل الرجال الأجانب ولو كان ذلك تحت زعم طلب مناصرة قضيتها، لأن مبادئ الإسلام واحدة وواضحة كالشمس.

لعل هذا التناقض الذي ظهرت به زعيمة المجلس العالمي كان سببا في عدم تفاعل الشارع العربي والإسلامي مع تحركاتها التي واكبت الأحداث. فلم تخرج مظاهرة واحدة في العواصم العربيةـ من التي تنظمها الجماعات الدينية والسياسية عادة في مثل هذه المواقف ـ تؤيد موقفها أو تتعاطف معها بينما خرجت بعض العناصر التركية المرتبطة ببعض القبائل الويغورية إلى الشوارع لمناصرة ربيعة قدير. وبينت الأسابيع الماضية أن المسلمين أكثر فطنة من القائمين على أجهزة الإعلام فلم تشهد المظاهرات ربطا بين مناصرة ربيعة قدير وتعرض المسلمين للمجازر التي ادعت أجهزة الإعلام الغربي وجودها، بل بضرورة مساعدة ربيعة قدير من منظور قومي وهو المنطق الذي ترفضه النظرة الدينية الإسلامية التي ترتكز دعوتها على رفضها للتعصب للقبيلة على حساب الدين والوطن.

مازال العالم الإسلامي يتذكر أن الدعوة إلى القومية التركية كان سببا وراء سقوط الخلافة الإسلامية ووجود الدولة الواحدة في بداية القرن الماضي وظهور الدعوات الانفصالية في العديد من الدول تحت ستار وحدة القوميات والقبائل والطوائف والعصبيات وهي من الآفات الخطيرة التي تهدد العالم العربي والإسلامي حتى وقتنا الحاضر. ولا يفوت عقلاء المسلمين أن العديد من الأيدي الخارجية تؤجج هذه النزعات منذ أن بدأت على يد لورانس العرب، عميل المخابرات الإنجليزية الذي قاد الحرب ضد تركيا باسم العرب أثناء الحرب العالمية الأولى حتى أوقعهم في شرك الاحتلال البريطاني والفرنسي قبيل نهاية الحرب رسميا في اتفاق سايسكو- بيكو الشهير. هذه الأيادي الخبيثة التي تدعم الحروب بين البشر هي نفسها وعلى شاكلتها التي تعمل على إشعال الوقيعة بين الويغور وغيرهم من أبناء شينجيانغ من هوي وهان وغيرهم، فإذا كان الدين أكثر قدرة على إشعال الحرائق رفعوا رايته وإذا كانت العصبية للقبيلة أو الجذور التاريخية أوقدوا مشاعل النيران بها.

لقد نسي هؤلاء أن الدين الإسلامي لم يدخل الصين على أسنة الرماح ولم يعرف التاريخ يوما أن مسلما ظهر في بكين أو كانتون أو تايوان أو التبت وتايوان بعد أن شارك في غزوة أو قتال، بل صنع مجده رجال عاشوا المعنى الحقيقي للإسلام من التجار الصالحين الذي تحولوا إلى دعاة للحق وأدت أمانتهم وإخلاصهم للوطن في إقبال الصينيين عليهم بل، والدخول في هذا الدين العظيم. والقارئ لتاريخ الإسلام في آسيا يعلم أن انتشار الإسلام لم يأت بين الويغور أنفسهم إلا بعد أن تحولوا بإرادتهم من محاربين وغزاة لأراضي المسلمين إلى مؤمنين بمبادئه وشاركوا في الدعوة إليه ونشره بين القبائل حتى استقرت المنطقة في شكل الدول بمعناها الحديث.

إن تأجيج ربيعة قدير للمشاكل بين أبناء شينجيانغ لا يجب أن يغض الطرف عما يحاك بالصين والمسلمين في منطقة خطيرة من العالم يتربص بها البعض لنهب ثرواتها منذ عشرات السنين في وقت تتكالب فيه الدول لوضع أياديها على ثروات العرب من البترول والمعادن النفيسة وتريد أن تلهيهم بحروب شتى ندفع ثمنها من مستقبل بلادنا وقيمة ديننا الحنيف الذي وصموه ظلما بأنه يدعو إلى تصادم الحضارات وتأجيج الحروب بين الشعوب. إن الويغور وغيرهم في حاجة إلى تطبيق رسالة الإسلام التي تدعو  إلى السلام وأن يتحول كل امرئ إلى شعلة عطاء لرفعة شأن وطنه وأهله حتى يصبح قدوة لغيره من غير المسلمين كي يعود المسلم  نموذجا يحتذي به جيرانه و عالمه لعله يسير على نفس النهج الذي مكن أسلافه من نشر الدين على طريق الحرير الذي يمتد أكثر من 7000 كيلو متر. فلا تنخدعوا بربيعة قدير وأمثالها لأن الدين عند أمثالها فريضة غائبة وغايتها تعصب للقوميات يعمي من يقتدي بها عن الحق وصحيح الإسلام.

عادل صبري: عضو نقابة الصحفيين المصرية ونائب رئيس جريدة الوفد المصرية.

 

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn