الصين انطباعات الرحلة الأولى

خديجة عرفة محمد

كاتبة المقال

صينيون يمارسون الرياضة البدنية صباحا

ستخدام أكياس بديلة بعد قرار مدينة بكين حظر الأكياس البلاستيكية المجانية في المتاجر

سائحون صينيون في زيارة إلى ضريح كونفوشيوس بمدينة تشيويفو

 

         مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار- مجلس الوزراء المصري

قرأت كثيرا عن الصين بحكم الدراسة أولا ثم الاهتمام البحثي ثانيا. وقد خلق لدى ما قرأت وسمعت حالة من الانبهار بهذا النموذج التنموي المتميز، والأهم من هذا، خلق لدي رغبة شديدة في زيارة هذا البلد للتعرف عن قرب على هذا النموذج المتميز اقتصاديا وثقافيا وسياسيا. كما رغبت بشدة في التعامل مع الصينيين، هذا الشعب المتميز بمنظومته القيمية المتميزة والمستمدة لجذورها من الثقافة الكونفوشيوسية والتي أرجع إليها الكثيرون الفضل فيما حققته الصين من معجزة تنموية خلال الثلاثين عاما الماضية.

وإذا كان "ليس من رأى كمن سمع"، فأيضا "ليس من زار ورأى وتأمل وتعامل عن قُرب كمن قرأ فحسب". فما رأيته عندما أتيحت لي فرصة زيارة الصين للمشاركة في دورة تدريبية نظمتها وزارة التجارة الصينية خلال الفترة من 24 مايو إلى 13 يونيو 2009، يختلف كثيرا عما قرأت وسمعت.  

ذهبت إلى الصين بانطباعات مسبقة بعضها صحيح وبعضها خاطئ وبعضها الثالث صحيح وخاطئ في الوقت ذاته، وذلك لصعوبة فهمي وتفسيري الدقيق له خارج السياق الصيني، إلا أنني عُدت من الصين بقناعات مختلفة أكدت لي أن هذا النموذج المتميز وهذا الشعب المتميز يستحقان مزيدا من التحليل المتعمق. فزيارتي للصين أكدت لي أن هناك فارقا كبيرا بين ما قرأته عن الصين والواقع الفعلي الذي شاهدته.

الحكمة الأساسية التي خرجت بها من زيارتي للصين هي أن النجاح لا يتحقق مصادفة، وأن النجاح ليس لعبة حظ، بل عملية منظمة تتطلب رؤية سياسية واضحة، وتخطيطا جيدا، وعملا جادا، وإصرارا على تحقيق النجاح. فالصين نجحت في خلق نموذج تنموي متميز يتناسب مع ظروفها. والملمح المهم لتجربة التنمية في الصين هو وجود رؤية سياسية واضحة وكذلك وجود التزام حكومي وشعبي بتحقيق التنمية والإصرار على ذلك. فهناك قدرة كبيرة لدى الحكومة الصينية على تعبئة الشعب وراء سياستها الهادفة لتحقيق التنمية. ليس هذا فحسب بل يتسم الصينيون بقدرة عالية على الاستفادة من أي فرصة وأي تهديد والخروج بمكاسب منها، إضافة إلى قدرة عالية على توليد الدخل من أي مصدر.

أسرار النجاح الصيني عديدة، في مقدمتها التجربة والخطأ. وذلك حتى يتم الوصول إلى البديل الأنسب المتوافق مع خصوصية الأوضاع بالبلاد. كما أنه عند تبنى سياسة معينة يتم انتهاج مبدأ التدرج، وخاصة عند تبنى سياسة جديدة أو التراجع عن سياسة معينة، والدليل على ذلك سياسة الطفل الواحد، فالتعامل في هذا الشأن اتسم بالتدرج. وما إن يتم التوصل لقناعة كاملة بأن سياسة ما هي الأنسب، وتبدأ عملية تطبيق تلك السياسة، تُتبع آليات التقييم المستمر والتصحيح الذاتي في مسار التطبيق لضمان الوصول إلى الأهداف المحددة سلفا. وفى إطار هذا التقييم المستمر، يدور داخل الصين في الوقت الحالي حوار حول كيفية الحفاظ على المعجزة التي تحققت خلال الثلاثين عاما الماضية.

أما فيما يتعلق بثقافة الاستهلاك، فالتركيز في الصين ينصب على الاستثمار وليس الاستهلاك. فثقافة الاستهلاك، رغم كونها سائدة في الصين إلا أنها لم تصل لدرجة التوحش مثل بعض الدول النامية الأخرى، وهناك محاولات لضبطها. والاستثمار في الصين لا يرتكز على الاستثمار في رأس المال المادي فحسب، بل يُشكّل الاستثمار في رأس المال البشرى أحد أهم الأولويات في الصين، فالتعليم يحظى بأولوية ومكانة مهمة ويُشكّل التزاما سياسيا وحكوميا. وهنا فالصين تتبنى ما يمكن أن أطلق عليه "اقتراب للتنمية يقوم على أولوية الفرد" إضافة إلى توجيه مزيد من الانتباه إلى أهمية البحث والتطوير وكذلك أهمية الإبداع والابتكار. 

حكمة قديمة سمعناها ورددناها، ولا أدرى تحديدا ما هو مصدرها، وهى "العقل السليم في الجسم السليم"، لكن الجميل أن هذه الحكمة تُطبق في الصين بصورة فعلية، فالرياضة تحظى باهتمام رسمي وحكومي وليست شأنا فرديا فحسب، فهناك مشروع بالصين خاص بالرياضة للجميع وبموجبه تم وضع أدوات رياضية في الحدائق العامة تسمح للأشخاص بممارسة الرياضة في أوقات الفراغ، فليس مستغربا أن تجد في المساء مجموعة أفراد - خاصة من كبار السن- يجلسون في إحدى الحدائق العامة يمارسون الرياضة في الهواء الطلق.

كان لدى انطباع خاطئ بأن الصين دولة مركزية سرية لا تُناقش مشكلاتها الداخلية مع العالم الخارجي وأن هناك قدرا كبيرا من التعتيم فيما يخص الشئون الداخلية لكن هذا لم أجده. فالمناقشة الصريحة للمشكلات الداخلية من فقر ومشكلات بيئية وغيرها كانت واضحة لي. ففي النهاية الصين دولة نامية تعاني العديد من المشكلات التي تُعانيها الدول النامية، إلا أن المناقشة الصريحة لتلك المشكلات تُشكّل أولى خطوات الحل. كما أن اللامركزية سياسة صينية متبعة.

وإذا كانت تلك مجرد انطباعات عامة فهناك قضيتان كنت حريصة على السؤال بشأنهما، لما تثيراه من جدل بالنسبة لي خاصة في ظل تأثير اعتبارات سياسية ودولية عليهما وهما حقوق الملكية الفكرية والاعتبارات البيئية.

فيما يخص حقوق الملكية الفكرية، هناك اتهامات كثيرة تُوجه للصين في هذا الشأن باعتبارها دولة منتهكة لحقوق الملكية الفكرية، وأنها لا تفي بالتزاماتها كاملة في إطار منظمة التجارة العالمية. على الجانب الآخر، قرأت كثيرا قبل زيارتي الصين عن اهتمام رسمي بضبط ومحاربة انتهاكات حقوق الملكية الفكرية وأن هناك تشريعات وضعت لضمان تحقيق هذا الغرض، وكنت أشاهد على أغلفة المجلات الصينية صورا للسلطات الصينية تقوم بتدمير وسحق الأسطوانات المدمجة المقلدة. لذا كنت حريصة على سؤال الخبراء الصينيين هل الصين جادة في هذا الشأن، وقد تلقيت إجابات صريحة بأن نظام حماية حقوق الملكية الفكرية في الصين ما زال حديثا مقارنة بالعالم الغربي وما زال بحاجة إلى مزيد من التطوير وبذلك فالاتهامات الغربية يجب أن تُراعى هذا الأمر. وفى الوقت الحالي هناك حرص من الحكومة الصينية على وضع وتنفيذ مجموعة كبيرة من التشريعات لحماية حقوق الملكية الفكرية. فالإجابة المؤكدة أن الصين حريصة على حماية حقوق الملكية الفكرية وتسعى جاهدة في هذا الشأن.   

أما فيما يتعلق بحماية البيئة، فقد ذهبت إلى الصين بانطباع سلبي عن السياسات الصينية فيما يخص البيئة كونها تُشكّل مصدراً لتهديد الكوكب بما يصدر عنها من حجم كبير من الانبعاثات الضارة بالبيئة، إلا أنني اكتشفت مدى الحرص الصيني على الحفاظ على البيئة والدلائل كثيرة، فهناك تشريع محلي صدر في بكين منذ أكثر من عام وتحديدا في يونيو 2008 يهدف إلى تقليل استخدام الأكياس المصنوعة من البلاستيك في المحال التجارية لاعتبارات بيئية وذلك بأن يدفع المستهلك ثمن الكيس البلاستيك، مما جعل كثيرين يستغنون عنه  ببدائل أخرى فقل معدل استهلاك الأكياس البلاستيكية في الصين بشكل كبير، كما دفع هذا التشريع بالعديد من أصحاب المصانع المنتجة للأكياس البلاستيكية لتغيير النشاط فقل المعروض من الأكياس فارتفع ثمنها وبذلك قل الإقبال على استخدامها بشكل كبير.

كما أن هناك سياسات صينية متبعة لتحجيم المخلفات والإدارة الجيدة لعملية إعادة التدوير. 

في الواقع الصين بلد له خصوصية ولا يمكن التعامل مع هذا النموذج دون فهم تلك الخصوصية. وقد اتضح لي أن الصين لديها خصوصية سياسية، فالديمقراطية ليست غائبة كما يتصور الكثيرون، لكنها ديمقراطية تعكس خصوصية التجربة الصينية. صحيح أن الصين لديها حزب واحد لكنه يُدار بطريقة مؤسسية وديمقراطية فهي بلد تدار بمؤسسة وليس بفرد وبالتالي فالحديث عن تقييم الديمقراطية لا يجب أن يكون بالمعايير الغربية، وإنما لا بد أن يراعي الخصوصية الصينية. كما أن الصين، وإن كانت معنية أكثر بوحدتها وتكاملها الإقليمي، فهي ليست دولة منغلقة على ذاتها غير حريصة على صورتها أمام العالم الخارجي، بل الصين  حريصة بشكل كبير على تحسين صورتها الخارجية ولا شك أن الصين نجحت في ذلك بشكل كبير.

عند الاحتكاك مع الصينيين تتعلم الكثير من الحِكَم. فأثناء زيارتي للصين زرت عدة أماكن تاريخية وأثرية مهمة. فالمدينة المحرمة لم تعد محرمة اليوم، بل أصبحت مقصدا للكثير من الصينيين والأجانب وقد استمتعت كثيرا بزيارتها وسماع قصتها. وكانت تجربة صعود السور العظيم مثيرة وتستحق المغامرة. أما زيارة تشيويفو، مدينة الفيلسوف الصيني العظيم كونفوشيوس، فكانت تجربة ثرية تشعر من خلالها بأنك تعود بالتاريخ للوراء لاكتساب الحكم والعبر. وربما فسر هذا الإحساس لدي ظاهرة رصدتها أثناء زيارة الأماكن التاريخية والمعابد بالصين وهى أن نسبة السياحة الداخلية لتلك المعابد والمزارات مرتفعة. فنسبة كبيرة من الأفواج السياحية الموجودة كانت من الصينيين أنفسهم، فالصينيون معنيون بالتواصل مع تاريخ الأسلاف ليس لمجرد معرفة هذا التاريخ وإنما الإيمان به والاعتقاد الكامل به والتواصل معه.

وإذا كنا نتحدث عن أن إحدى مشكلات الصعود الصيني تتمثل في افتقادها لعناصر القوة المرنة وخاصة مشكلة اللغة، وأن هناك صعوبة شديدة في التعامل في الصين بسبب حاجز اللغة وكنت مقتنعة تماما بذلك قبل ذهابي إلى الصين، إلا أن التجربة الفعلية غيرت تلك القناعات، فاللغة الإنجليزية منتشرة خاصة بين صغار السن في الصين، فليس غريبا الآن أن تجد بائعة صغيرة السن في محل تجاري تتحدث معك باللغة الإنجليزية. كما أن هناك حرصا على تعلم اللغة الإنجليزية لدى من يجهلونها.    

أما عن منظومة القيم الصينية فكثيرا ما قرأت عن منظومة القيم الكونفوشيوسية التي أرجع إليها الكثيرون الفضل فيما حققته الصين ودول المنطقة من تقدم مهم في المجال الاقتصادي، خاصة في ظل ما تقوم عليه من مبادئ تتمثل في الهيراركية وأولوية الأسرة والجماعة على الفرد، وأهمية الإجماع، والعمل الجاد، وأهمية التعليم. برغم أن فترة إقامتي بالصين كانت قصيرة إلا أنني كنت حريصة خلالها عند التعامل مع الصينيين على اكتشاف إلى أي مدى ما زالت تلك المنظومة القيمية حاكمة لهم، حيث اتضح لي مدى عمق هذا الأمر، فالتعليم والعمل الجاد أولويات مهمة بالنسبة للشعب الصيني، ونرجع مرة أخرى لبائعة في محل تجاري تجدها تمسك بكتاب تقرأه وأخرى تقوم بأشغال ومنسوجات يدوية وبجانب عملها.

قضاء الصينيين لأوقات المساء في الميادين العامة ظاهرة أعجبتني بشدة. في الميادين الواسعة يخرج الصينيون مساءً صغارا وكبارا للسهر والاستمتاع بالوقت حيث تجد شبابا يمارسون بعض أشكال الرياضة ومجموعة ثانية تُمارس بعض أشكال الرقص وفريق ثالث يتجمع حول شركة ما للدعاية. وبشكل عام فهناك قدرة لدى الصينيين على الاستمتاع بالوقت ولكن الأهم هو الفصل بين وقت الفراغ ووقت العمل.

ليس صحيحا أن الصين مصدر لكل ما هو رخيص ومنخفض الجودة، وليس صحيحا أن الصينيين شعب عدواني، فالصين تجربة مختلفة والشعب الصيني يستحق كل التقدير والاحترام ليس فقط على معجزته التي حققها ولكن أيضا على أسلوبه ترحيبه المتميز.

ما رأيته في الصين مثّل خبرة مميزة بالنسبة لي، خاصة أنه يختلف بصورة كبيرة عن معرفتي السابقة. لكن المهم بالنسبة لي أن الصين، رغم القراءة والزيارة، ما زالت بحاجة لمزيد من التعمق والبحث في هذه التجربة المتميزة والتي كلما تعمقت فيها تعلمت منها وزاد تقديري لها ورغبت في معرفة المزيد.

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn