حدث في شينجيانغ وخارجها

حسين إسماعيل

السيد نور بكري، رئيس منطقة شينجيانغ

                                                           

مرة أخرى تعود شينجيانغ إلى واجهة الأحدث ولكن بصورة لم يسبق لها مثيل في الأربع والخمسين سنة الماضية، منذ تأسيس منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم. على مدى أسبوع كامل تصدرت أخبار شينجيانغ نشرات أخبار التلفزة العالمية وصدر صفحات الجرائد، واكتظت مواقع الإنترنت بأخبار وصور من شينجيانغ. صور بشعة لدم يسيل وجثث ملقاة في الشوارع ودخان يتصاعد من سيارات ومتاجر تحترق في قلب أورومتشي، عاصمة المنطقة.

في الساعة الثامنة مساء الأحد، الخامس من يوليو سنة 2009، بدأ عدد من أبناء قومية الويغور يتجمعون في واحدة من أكبر ساحات المدينة، فيما بدا أنها مظاهرات واحتجاجات. أتت قوات الأمن وبدأ الصدام الدامي لتلك الأحداث المؤسفة التي راح ضحيتها، وفقا للأرقام الصينية الرسمية، 197 قتيلا وأكثر من ألف جريح من أعراق شتى، منهم من ينتمي إلى قومية هان، التي ينتمي إليها غالبية الصينيين، ومنهم من ينتمي إلى أقليات الويغور وهوي وطاجيك وغيرهم من أبناء 17 قومية يسكنون مدينة أورومتشي. لم يستوعب أحد، في البداية، كيف اندلعت الأحداث وما الذي أدى إلى تطورها إلى مواجهات عنيفة شملت إشعال النار في سيارات ومتاجر وأعمال نهب وقتل بقسوة.

نور بكري، رئيس منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم، وهو من أبناء الويغور، قال في حديث تلفزيوني في اليوم التالي لوقوع الأحداث، إن أعمال الشغب جاءت على خلفية شجار وقع بين عمال ويغوريين ومواطنين محليين في مصنع لعب أطفال بمقاطعة قوانغدونغ يوم 26 يونيو، وأسفر عن مقتل اثنين من أبناء الويغور. وفقا للسيد بكري وقع شجار مصنع لعب الأطفال بعد انتشار شائعة بأن شبابا من الويغور العاملين بالمصنع تحرشوا بعاملات من قومية هان. وحسب افتتاحية صحيفة "تشينا ديلي" الحكومية الصينية يوم 7 يوليو، روج لهذه الشائعة شخص من قومية هان تقدم بطلب للعمل بالمصنع ولكن طلبه لم يُقبل، فنشر أخبارا كاذبة على الإنترنت تفيد بقيام رجال من الويغور باغتصاب نساء من هان في المصنع، مما أثار أبناء قومية هان واندلع الشجار، وقد ألقت الشرطة القبض على مروج الشائعة. وحسب المصادر الصينية الرسمية، استغلت العناصر الويغورية الانفصالية الحادثة لتحريض أبناء الويغور في شينجيانغ على القيام بأعمال العنف والتخريب.

ولكن، وحسب تقرير لوكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) في 6 يوليو، أعرب العديد من عمال مصنع لعب الأطفال الذي شهد الخلاف عن عدم رضاهم لإقحام شجار المصنع  في أحداث الشغب في أورومتشى، فقد قالت عاملة بالمصنع اسمها جين لينغ: "إننا نبعد كثيرا عن شينجيانغ، ولا أعرف السبب الذي يجعلهم يتخذون من المصنع كبش فداء". وتعتقد زميلتها ليو شان أن الاتهام "غير مفهوم" وقالت: "إن المشكلة في مصنعنا أننا لا نفهم لغة بعضنا البعض، المشكلة تكمن في التواصل".

على الجانب الآخر، زعمت المنظمات الويغورية خارج الصين أن الويغوريين في أورومتشي خرجوا في مظاهرة سلمية وأن الأمن الصيني هو الذي واجههم بالرصاص الحي وأطلق النار عليهم. وهذا ما نفته الحكومة الصينية، حيث أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية تشين قانغ يوم 7 يوليو، "أن أحداث العنف التي وقعت في شينجيانغ ليست احتجاجا سلميا، ولكنها عمليات آثمة من القتل والحرق والسلب والنهب. وأي فرد يصف العنف بأنه احتجاج سلمى يحول الأسود إلى أبيض في محاولة لتضليل الجماهير".

واتهمت الصين سيدة ويغورية تُدعى ربيعة قدير، تتزعم ما يسمى بمجلس الويغور العالمي بأنها وراء هذه الفتنة، فحسب تقرير لوكالة شينخوا يوم 7 يوليو، أكدت شرطة شينجيانغ أن لديها أدلة تثبت أن ربيعة قدير هي العقل المدبر لأحداث الشغب. وحسب الوكالة فإن  قدير، وهي سيدة أعمال كانت تمارس نشاطاتها في شينجيانغ، تم اعتقالها سنة 1999 بتهمة الإضرار بالأمن القومي وأطلق سراحها بكفالة يوم 17 مارس من عام 2005 لتلقى العلاج الطبي في الولايات المتحدة.

حدث ذلك داخل الصين، أما خارجها فهاجم نحو 150 فردا من الويغوريين المنتمين لحركة "تركستان الشرقية" في السادس من يوليو السفارة الصينية في هولندا، في حين ألقى شابان مجهولان قنابل حارقة على القنصلية  الصينية في ميونيخ بألمانيا، كما كانت  هناك مظاهرات محدودة في بعض العواصم الغربية.  وباستثناء تركيا لم تشهد دول إسلامية أو عربية مظاهرات معارضة للصين.

وقد كشف تناول أجهزة الإعلام العالمية، والعربية على وجه الخصوص عن جهل بالمشكلة في بدايتها، وتقريبا كل ما جاء في أجهزة الإعلام العربية، من تلفزيون وإذاعة وصحف ومواقع إنترنت نُقل حرفيا وتُرجم من مصادر غربية، أو تبنى رؤية الحركات الويغورية الانفصالية في الخارج. بل حاولت بعض أجهزة الإعلام العربية إضافة بهارات للخبر، فكاد يتحول إلى مادة مسمومة، ومن ذلك الخبر الذي نشرته جريدة "الجمهورية" المصرية في صفحتها الأولى يوم 6 يوليو.. "مذبحة للمسلمين في الصين".

على مدى أربعة أيام من المداخلات الهاتفية كل ساعة تقريبا، أثناء اشتعال الأحداث، مع محطات تلفزة وإذاعات ناطقة بالعربية لاحظتُ حالة من الضبابية وعدم الفهم لما يحدث، البعض كان يسألني قبل البث على الهواء عن اسم المكان وموقعه واسم القومية المعنية. وتعددت الاجتهادات في تقدير عدد القتلى والجرحى، برغم أن السلطات الصينية كانت تعلن الأرقام أولا بأول. وكان البعض يصر على إقحام "الإسلام" في الموضوع. وعندما قلت في مداخلة مع مذيعة الفضائية المصرية لنشرة الساعة الخامسة مساء (توقيت القاهرة) يوم 7 يوليو، إنه لا ينبغي إقحام "الإسلام" في هذا الموضوع، سألتني: أليس الذين قُتلوا مسلمين؟

الآن، وقد هدأت الأمور، ثمة عدد من الملاحظات الضرورية التي ينبغي أن نشير إليها:

أولا، من الواضح أن الأحداث باغتت السلطات في شينجيانغ، فبرغم وقوع حوادث متفرقة من فترة إلى أخرى في شينجيانغ، لا أظن أن أحدا كان يتوقع أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة، وقد اعترف بذلك رئيس المنطقة، نور بكري، في مؤتمر صحفي يوم 18 يوليو بقوله: "لم نكن نتخيل إطلاقا أن يكون الغوغاء بمثل هذه  الوحشية والهمجية". وربما لذلك بدا بعض الاضطراب في تصريحات مسئولي المقاطعة في اليوم الأول، كما يتضح في ربط رئيس المنطقة للأحداث بمشاجرات مصنع قوانغدونغ، ونفي العاملين بالمصنع ذلك.

ثانيا، أن الحكومة الصينية لا تنتهج سياسة تمييز منهجي ضد أي من مواطنيها على أساس العرق أو الدين أو أي أساس آخر. ربما تقع تجاوزات فردية هنا أو هناك، ولكنها تظل أفعالا شخصية لا تعبر عن سياسة الدولة. ولم يكن تصدي قوات الأمن الصينية لأي أعمال تخريب وشغب في أي مكان بالصين سيختلف كثيرا عن تصديها  للمتظاهرين في أورومتشي، بغض النظر عن من يقوم بتلك الأعمال. وليس صحيحا أن الحكومة الصينية قامت بعلميات تهجير لسكان من قومية هان إلى شينجيانغ لتغيير التركيبة السكانية، والذين يتحدثون عن ذلك يجهلون أن شينجيانغ ليس شارعا أو مدينة وإنما منطقة شاسعة مساحتها  6649ر1 مليون كم مربع ، تحتل سُدس مساحة الصين، تجاور ثماني دول بحدود تمتد 5600 كم، يعيش فيها واحد وعشرون مليون نسمة ينتمون إلى 47 قومية، منهم أبناء الويغور. وما يحدث في شينجيانغ هو تنقل طبيعي للسكان، ومثلما يذهب أبناء هان للعمل والبحث عن فرص الرزق في شينجيانغ، ينتقل أبناء الويغور في أرجاء الصين يمارسون نشاطاتهم بحرية تامة. ويمكن الرجوع إلى مقالتنا "موسم الهجرة إلى شينجيانغ" في "الصين اليوم"، عدد أكتوبر 2005.

ثالثا، أن الحكومة الصين تعي جيدا أهمية الأقليات القومية وتولي اهتماما بالغا لقضية التضامن القومي، ولعل أبرز تعبير عن هذا الوعي وذلك الاهتمام قرار الرئيس الصيني هو جين تاو العودة إلى بلاده يوم 8 يوليو بعد انتهاء زيارته لإيطاليا، وإلغاء مشاركته في قمة مجموعة الثمانية، فوحدة الأراضي الصينية أولوية تعلو ما سواها لدى القيادة الصينية. الوحدة الوطنية بالنسبة للصين خط أحمر.

رابعا، أن ما حدث يتناقض تماما مع دعوة الرئيس هو جين تاو إلى "مجتمع متناغم"،  أي مجتمع يقوم على الانسجام بين كافة عناصره.

خامسا، أن إقحام الإسلام في ما حدث بمدينة أورومتشي لا مبرر له، ومحاولة وصف من قاموا بتلك الأعمال بالمسلمين لا معنى له، فقوات الأمن عندما تصدت لمثيري الشغب تصدت لهم لأنهم يرتكبون أعمالا تخريبية وليس لأنهم ينتمون إلى عقيدة معينة. ونحن نعتقد أن دعوات الانفصال التي يروج لها بعض أبناء الويغور ليست في مصلحة أبناء الويغور أنفسهم، وهذه الرؤية سبق أن طرحتها في تعليق لي على مقال للكاتب الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي بجريدة "الشرق الأوسط" السعودية بعنوان "الأقليات المسلمة بين الاتصال والانفصال" في 12 مارس سنة 2008 ، وقد كان من بين ما قلت: "نرى أن القاعدة التي يجب أن تحكم الالتحام والانضواء تحت راية الدولة الأم أو الانفصال عنها لا ينبغي أن تكون العقيدة الدينية. ونحن نميل إلى رؤية أن البقاء في إطار دولة قوية خير من الاستقلال في دولة ضعيفة. ونحسب أن ثمة مزيجا من العوامل المتداخلة هي التي تحكم التوحد أو الانفصال، وعلى رأسها ما إذا كانت الأقلية، العرقية أو الدينية، تنال حقوقها المتكافئة والمتساوية مع غيرها من الأعراق والعقائد الأخرى التي تنتمي إلى ذات الكيان السياسي".

سادسا: أن اتهام الصين بإقصاء أبناء الويغور وحرمانهم من الفرص، كما سألني مذيع قناة بي بي سي العربية، لا يجد له سندا في الواقع، فهناك من أبناء الويغور من يتبوءون مناصب رفيعة في الدولة، ونذكر منهم مثلا إسماعيل أحمد وإسماعيل تليوالدي، وعبد الأحد عبد الرشيد، نائب رئيس اللجنة الوطنية للمؤتمر السياسي الاستشاري الصيني، وتيمور داواماتي، رئيس جمعية الصداقة الصينية- العربية. وهناك فنانون ورجال أعمال مشاهير من أبناء الويغور، والسيدة قدير ذاتها خير مثال على ذلك. ولكن الحقيقة أيضا أن ثمة عوامل موضوعية تقلل من فرص أبناء شينجيانغ في منافسات سوق العمل، ومنها ضعف المستوى التعليمي وعدم إجادة اللغة الصينية وعدم القدرة على الانسجام مع المجموعات الأخرى، وهنا أعود إلى ما قالته جين لينغ، عاملة مصنع قوانغدونغ: "إن المشكلة في مصنعنا أننا لا نفهم لغة بعضنا البعض، المشكلة تكمن في التواصل".

سابعا، أن الحكومة الصينية تسعى إلى تنمية منطقة شينجيانغ اقتصاديا، وقد رأيت بنفسي خلال زيارتي للمنطقة سنة 2005 العديد من المشروعات التي تقوم بها الحكومة. والحقيقة أن الاقتراب الاجتماعي والتعليمي هما الأنجع لإدماج أبناء شينجيانغ في التيار العام للمجتمع والثقافة الصينية، فالفقر والجهل والبطالة أفضل بيئة لنمو التطرف والعنف، وإذا كانت المعالجة الأمنية مطلوبة لبعض الوقت، فإن الأكثر أهمية هو خلق المزيد من فرص التطور للمواطنين وتوفير التعليم لهم بما يؤهلهم لدخول سوق العمل والمنافسة بندية مع غيرهم.

ثامنا، أن الحديث عن فصل شينجيانغ عن الصين وإقامة "تركستان الشرقية" ضرب من الوهم، وهنا أعيد ما كتبته في مقالة بعنوان "تركستان الشرقية.. الحقيقة والوهم" نشرتها "الصين اليوم": في عدد سنة 2007. قلت: " شينجيانغ ركن أساسي في الدولة الصينية، فهي سُدس مساحة الصين، وبها نحو ثلث احتياطي النفط وثلث احتياطي الغاز الطبيعي وأكثر من ثلث احتياطي الفحم في الصين وهي بوابة الصين الشمالية الغربية، فكيف يمكن أن تسمح الصين لأحد أن يغتصب هذا الجزء منها. إن تركستان الشرقية ليست أكثر من سراب ووهم، والذين يسعون إلى فصل شينجيانغ عن الصين إنما يحرثون في الماء ولا يعون حقائق العصر، وإن شئت اليقين فلتذهب إلى شينجيانغ".         

 

 

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn