لوحات الزهور والطيور

وو بينغ

((زهور جبل ياندانغ)) للرسام بان تيان شو

((حصاد الخريف)) للرسام قوه وي تشيوي

((غفوة)) للرسام بان تيان شو

((السحلب)) للرسام تشنغ سي شياو

((طيور نادرة))

((خيزران مكسو بالثلج))

جزء من ((مشهد ربيعي)) لرسام قوه يي تسونغ

 

 

في ربيع السنة الرابعة والتسعين بعد المائة التاسعة عشر للميلاد ازدانت قاعة الاستقبال الرئيسية في مجمع قصور تشونغنانهاي، مقر الحكومة الصينية، في بكين بلوحة رسم ضخمة. إذا رأيت اللوحة من بعيد يبدو لك أن الرسام استخدم في لوحته ما تتميز به المدرسة الانطباعية من ضربات فرشاة أكثر وضوحا وتباينات، ولكن مع الاقتراب منها وتفحصها بإمعان تكتشف أنها أُبدعت بأساليب الرسم الصيني، ففيها شجر وعشب أخضر كثيف وزهور بديعة وينبوع ماء رائق يتدفق بين الزهر والحجر. تشعر بأن صوتا رنانا يصدر منها.

اللوحة التي تحمل عنوان ((مشهد ربيعي))، أبدعها الفنان قوه يي تسونغ، وهو رسام صيني معاصر اشتهر برسم لوحات الزهور والطيور. استوعب الفنان قوه يي تسنغ تقاليد رسم الزهور والطيور الذي يعكس الفنان من خلاله مشاعره. وتعمق في دراسة رسم الزهور والطيور لمدة نصف قرن تقريبا حتى أبدع نوعا جديدا من لوحات الزهور والطيور تناسب أذواق المعاصرين.

ظهرت لوحات الرسم التي تكون النباتات والحيوانات موضوعها في الصين منذ القرن السابع الميلادي. وشهد القرن العاشر الميلادي بزوغ مدرستي رسم رسميتين مميزتين ومختلفتين، هما مدرسة هوانغ تشيوان ومدرسة شيوي شي. يشابه أسلوب هوانغ تشيوان في الرسم أسلوب الرسم الزيتي الكلاسيكي للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي في عصر النهضة الأوربية. أما شيوي شي، فكان أسلوبه قريبا من الرسم المباشر لمذهب الانطباعية، أو أسلوب الرسم التخطيطي البريطاني بالألوان المائية. تجسد ضربات فرشاة هوانغ تشيوان العزة والأناقة، بينما تتميز ضربات فرشاة شيوي شي بالحيوية والحرية.

وقد تطور رسم الطيور والزهور، فقد أقيمت العديد من دور الرسم في فترات مختلفة من تاريخ الصين. وقد حظي الرسامون بمكانة عالية، فتبوأ كثير منهم مناصب رفيعة وحصلوا على رواتب عالية، كما أحب بعض الأباطرة الرسم وأبدعوا لوحات عديدة وتركوا الكثير من الأعمال الرائعة.

 

منعطف تاريخي

ذات يوم في خريف سنة 1955، عقد اجتماع للعاملين في فرع شرقي الصين للمعهد المركزي للفنون الجميلة، في مدينة هانغتشو، لبحث موضوع محدد هو إلغاء مقرر رسم الزهور والطيور.

بعد تأسيس الصين الجديدة، أكدت الحكومة على وظيفة الفن في تعليم المجتمع، وكانت الرسوم الجدارية على حوائط المشروعات الإنشائية أكثر أعمال الرسم انتشارا في ذلك الوقت. كان معظم موضوعاتها مشاهد العمل التي تعبر عن الحياة الحقيقية، بهدف تجسيد صورة العامل النموذجي والبطل المقاتل. وقد نادى بعض الرسامين، في ذلك الوقت، بالإبقاء فقط على رسم البورتريه (الأشخاص) في اللوحات الصينية لأنه يعكس موضوعات مهمة وعظيمة، أما الأنواع الأخرى من الرسم، فلا حاجة لها. ورأى دعاة هذا الرأي أن رسم الزهور والطيور نوع فرعي من الرسم الصيني كان يبدعه الأدباء القدماء للتسلية والراحة ليس أكثر، وهو لا يعكس الحياة الواقعية ولا يحفز حماسة الشعب في العمل، ويتسم بالنمطية ولا وجه لمقارنته بالرسم الزيتي المتميز بقوة التعبير وإمكانية إنجاز لوحات ضخمة، في حين يتسم رسم الطيور والزهور بمحدودية المنظور. ومن ثم يجب إلغاؤه من مقررات معاهد الفنون الجميلة.

وسط هذه الموجة العاتية، وقف الفنان بان تيان شو، مبدع لوحات الزهور والطيور، والذي كان رئيسا لمعهد تشجيانغ للفنون الجميلة آنذاك، وقال بصوت عال إن رسم الزهور والطيور درة من درر الثقافة الصينية ولا ينبغي أن نتخلى عنه. كان بان تيان شو مؤمنا بأن رسم الزهور والطيور يمكن أن يعبر عن موضوعات واقعية وأنه من الممكن إنجاز لوحات ضخمة بهذا الأسلوب الذي يستطيع أن يخدم الواقعية بطريقته الخاصة.

لم يكن رد بان تيان شو على دعوة إلغاء رسم الزهور والطيور كلاما وحسب، وإنما بطريقة عملية. مارس بان تيان شو في شبابه إبداع لوحات الزهور والطيور التقليدية، وقد أجاد الرسم الصيني التقليدي كما أجاد الرسم الغربي. وكان هذا الفنان المبدع من المعترضين على الجمع بين الأسلوبين الصيني والغربي في الرسم، وقد قال إن ما يسمى بالجمع بين الأسلوبين الصيني والغربي يجعل كل منهما يحجب جمال الآخر. دعا إلى أن يظل الرسم الصيني والرسم الغربي متباعدين. وبعد مقارنة الرسم الصيني بالرسم الغربي، قال إن الرسم الصيني يتميز بالقدرة العالية على التعبير عن الشعور من خلال تصوير النبات والحيوان.

كان بان تيان شو يبدأ لوحته برسم أحجار ضخمة كثيرة أولا، ثم تخرج من فتحاتها وتصدعاتها أعشاب وزهور ضئيلة، بما يعبر عن روحها المصرة على الحياة، ويصور الزهور والأعشاب البرية بكثافتها وحيويتها تقديرا منه لقدرتها على الحياة التي لا يمكن حرمانها منها. نرى في لوحاته دائما ضفدعة بين قطعتي حجر كبيرتين، تصعدان من القطعة الصغيرة إلى القطعة الأكبر مستخدمة كل ما أوتيت من قوة، وبحركة تنبض بالحياة، في مشهد يجعل اللوحة مفعمة بالقوة والمتعة.

برع بان تيان شو في رسم النسر، وأبدع أعمالا كثيرة النسر موضوعها، فنرى في لوحاته نسرا واقفا على حافة جرف جبلي ناظرا إلى بعيد، في مشهد يعكس الطموح العالي للإنسان. وقد حظيت سلسلة أعماله ((زهور على جبل ياندانغ)) التي عرضت في بكين سنة 1962، بإقبال جماهيري واسع النطاق. تأثر رسام الزهور والطيور الصيني قوه وي تشيوى بأعمال بان تيان شو. وقد كتب هذا الرسام الذي كان في ذلك الوقت مدير هيئة تدريس وبحوث رسم الزهور والطيور بالمعهد المركزي للفنون الجميلة، بحثين حول أعمال السيد بان فأثنى عليه بأنه رسام مبدع تتميز أعماله بالروح العصرية وتحفز على النضال والتقدم، ولم تعد لوحات الزهور والطيور بفضله تعكس الشعور بالعزلة والملل، كما كانت قديما.

الحقيقة أن قوه وي تشيوي كان معجبا بالسيد بان تيان شو وأعماله لأنه وجد فيه رفيقا في وحشة الدفاع عن بقاء رسم الزهور والطيور؛ المهمة التي نذر لها كل حياته. كان هذا الفنان العظيم يقود طلابه في المعهد المركزي للفنون الجميلة إلى الريف، حيث يعايشون الفلاحين ويختلطون بهم في حقولهم ويصادقونهم للتعرف على طباع ومزاج ومشاعر عامة الشعب. ولا عجب أن قوه وي تشيوي أبدع عددا كبيرا من لوحات الزهور والطيور التي ترى فيها الأدوات والمنتجات الزراعية، تقديرا منه لعمل الفلاح وتمجيدا للحصاد. كان قوه وي تشيوي من دعاة التقارب بين مدارس الرسم المختلفة، إذ ينبغي أن تستفيد من بعضها البعض، وقد استخدم في أعماله أسلوبا يجمع بين رسم الجبال والأنهار ورسم الزهور والطيور، وبين الرسم التخطيطي الحر والرسم التفصيلي، وأبدع بهذا الأسلوب المبتكر عددا جما من لوحات الزهور والطيور الممتازة والمعاصرة التي تجمع بين الأشكال الكلاسيكية والمعاصرة على خير وجه.

مرحلة جديدة

تطور رسم الزهور والطيور في الصين المعاصرة بفضل جهود بان تيان شو وقوه وي تشيوي وغيرهما من الرسامين.

 بعد انتهاج سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر ثمانينات القرن الماضي، واكبت سياسات الأعمال الأدبية والفنية خطوات المرحلة الجديدة. دعا قوه يي تسونغ إلى أهمية أن يتقدم رسم الزهور والطيور ويساير العصر. لقد نشأ هذا النمط من الرسم في المجتمع الزراعي الذي يتسم ببطء إيقاع الحياة وتوفر الوقت والرغبة للتمتع بالفن على مهل وبدقة، ولكن إيقاع الحياة يتسارع يوما بعد يوم وليس لدى الناس الوقت الذي يتيح لهم تذوق جمال خطوط اللوحة ببطء، وصار ما يحتاجه إنسان العصر الحديث هو نظرة خاطفة، مع الاهتمام بتغيرات المجتمع. لهذه الأسباب عقد الفنان قوه يي تسونغ العزم على إصلاح وتطوير رسم الزهور والطيور من مختلفة الجوانب، وبدأ بالألوان.

 التقاليد الصينية تمجد الاقتصاد والتقشف، اعتقادا بأن الألوان المتعددة والزاهية تبهر الناس وتؤجج رغباتهم فيقنطوا من الفقر. على هذه الخلفية لم يسع بان تيان شو إلى تغيير التقليد السائد في ألوان رسوم الزهور والطيور الكلاسيكية، والتي تكون غالبا باللونين الأبيض والأسود. بيد أن قوه يي تسونغ خرج على المألوف وامتلك الجرأة على استخدام الألوان البراقة والمتعددة للوحات رائد المدرسة الانطباعية، الرسام الفرنسي كلود مونيه Claude Monet (1840- 1926) ودرس بعمق لفترة طويلة تكنيك استخدام الألوان البسيطة في رسوم السنة الصينية الجديدة بمسقط رأسه في مقاطعة شاندونغ. فضلا عن ذلك، قصد إلى كهوف دونهوانغ في مقاطعة قانسو، حيث درس عن قرب ومباشرة أسلوب استخدام الألوان في الرسوم البوذية الجدارية. خلال هذه المسيرة، من مسقط رأسه إلى دونهوانغ، اكتشف الفنان المتميز أن رسوم السنة الجديدة الشعبية والرسوم البوذية الجدارية ينتميان إلى الفن الشعبي السوقي الذي كان محتقرا من الأدباء القدامى ولكنه كان محبوبا من عامة الشعب.

لاغرو أن إصلاح أسلوب استخدام الألوان يضيف ميزة معاصرة إلى رسم الزهور والطيور. سعى بان تيان شو إلى إبداع لوحات ضخمة بطريقة رسم الزهور والطيور والتعبير عن موضوعات متنوعة مهمة وعظيمة. الحقيقة أن هذا الجنس الفني من الرسم لا يقتصر على تصوير الزهور والطيور، وإنما يصور أيضا الكائنات البحرية، فترى في اللوحة الطحالب والجمبري (القريدس) والسمك سابحا في الماء، وترى الصخور والشجر، والأسود والنمور والجدجد والبعوض والذباب، وبعبارة أخرى، تعبر لوحة الزهور والطيور عن أي موضوع باستثناء الإنسان.

كان رسامو الزهور والطيور القدامى يستخدمون المجاز في التعبير عم مشاعرهم من خلال وصف حياة النبات والحيوان. ومن نافلة القول إن الثقافة الصينية عامرة بأمثلة عديدة للاستخدام المجازي للحيوانات والنباتات وتشبيهها بالإنسان. ونذكر هنا أن نبات الخيزران يحظى بمكانة خاصة لدى الأدباء الصينيين، فيشيرون إلى قلبه الخالي كناية عن التواضع. والزهور البرقوق أيضا الذي تتفتح زهوره في الشتاء غير آبهة بقسوة البرد يستخدمه الأدباء لتقدير أخلاق الرجال المتمثلة في عدم الخوف من البطش والأمانة وضبط النفس. إن رسم براعم الأقحوان على خلفية من الزهور المتألقة يعكس عدم المبالاة بالشهرة والثروة والروح المخلصة. فالرسام يستخدم زهور الأقحوان التي تتفتح في الخريف، بينما تتفتح الزهور الأخرى في الربيع والصيف، كناية عن الروح التي تعطي في صمت، الزاهدة في حطام الدنيا. زهرة السحلبية الذي ينمو ممشوقا في الجبال والأودية، متحديا الريح العاتية والمطر الغزير، وتفوح منه رائحة عطرية، فيستخدمه الصينيون للتعبير عن العزلة والاعتزاز بالنفس والإخلاص والشخصية النبيلة. هذه كلها درر من الثقافة الصينية التقليدية لا ريب، وقد دعا قوه يي تسونغ إلى عدم تقليد الأنماط التي أبدعها القدماء معتبرا ذلك لا يفيد تطور رسم الزهور والطيور، مؤكدا على أن لوحة الزهور والطيور قد تكون صغيرة غير أنها تعبر عن مشاعر عظيمة. لا ينبغي للرسام أن يصف وينسخ شكل النباتات فحسب، وإنما أيضا عليه أن يعبر عن خصائص وشيم الثقافة الصينية التقليدية وأن يتابع التحولات الاجتماعية وتغيرات بيئة حياة الإنسان، وأن يتحلى بوعي عظيم لرسم الزهور والطيور.

في سنة 1997، عندما عادت هونغ كونغ إلى أحضان الوطن الأم، أبدع قوه يي تسونغ لوحة ضخمة بعنوان ((نهر شيانغجيانغ تحت الشمس – احتفالا بعودة هونغ كونغ)). يصور في هذه اللوحة عددا كبيرا من زهرة خف الجمل (البوهينيا)، الخاصة لمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، يانعة مزدهرة. بفضل استخدامه لهذه الزهور المألوفة لدى أبناء هونغ كونغ لقيت لوحته ترحابا وإشادة وتقديرا من الناس. كما أن قوه يي تسونغ، المحب للطبيعة والمهموم بالمشاكل البيئية، أبدع لوحة موضوعها زهور الصبار اختار لها عنوان ((الشمس فوق خط الاستواء – بياني في نيروبي))، بث فيها رؤيته الإيجابية كرسام بشأن مشكلة حماية البيئة والحفاظ على التوازن الإيكولوجي.

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn