لغة البيزنس تخلق حوار المصالح بين  العرب والصينيين

 

تحقيق وتصوير : عادل صــبري

 

معرض مصري أقيم على الطريقة الصينية في شارع بالقاهرة

المنتجات الصينية تباع في المعارض الشعبية بمدن وقرى مصر تحت إشراف مصريين وصينيين

بائعة زهور صينية تهدي باقة لزبون مصري

توقيع برتوكول لمنع دخول السلع الصينية غير المطابقة للمواصفات إلى السوق المصرية

البرلماني ورجل الأعمال المصري مجدي البساطي  

بعد الكمبيوتر وماركات الملابس ..الذهب الصيني في مصر

رشيد: الصين ستكون الشريك التجاري الأول لمصر خلال عامين

رجال أعمال يحذرون من تهريب البضائع الصينية  ومحي الدين يرفض الحمائية القاتلة

  

    على طريقة المصريين المعروفين بخفة الظل ونقد الذات، يتداول الناس نكتة تقول إن هناك ثلاثة أشياء إذا وفرتها الصين، سيجلس المصريون في منازلهم مرتاحي البال.. كوب عصير القصب البارد ولحم الجزار الطازج والخبز البلدي الساخن. النكتة المتداولة تعكس إلى أي حد أصبحت المنتجات الصينية منتشرة في المجتمع المصري، والعربي بصفة عامة، من أجهزة الكمبيوتر والهواتف النقالة والملابس ولعب الأطفال وآنية وأطباق المأكولات ومواد البناء والديكور، إلى المصوغات الذهبية التي غزت محلات الذهب مؤخرا.

     لم تعد البضائع الصينية مقتصرة على محلات بعينها، كما كان الأمر قبل سنوات، حيث كانت تتركز في بعض أنواع الملابس ولعب الأطفال والأدوات المدرسية في الأسواق الشعبية مثل الموسكي والعتبة بوسط العاصمة القاهرة، أو أسواق جدة القديمة والمحلات الرخيصة في المغرب والكويت واليمن، وإنما صارت موجودة في أشهر المحلات في المراكز التجارية الكبرى في العواصم العربية. فمن السهل أن تلتقط العين البضائع الصينية على مداخل محلات "سيتي ستارز" الفاخرة شرقي القاهرة، وغيرها من المولات التي تعرض أشهر الماركات العالمية، للملابس والأحذية والإكسسوارات والكمبيوتر والهواتف. وهي نفس البضائع التي يمكن شراؤها في دبي والرياض والكويت ولبنان. فالشباب العربي يرى في هذه المنتجات فرصة لتوفير احتياجاته من الماركات العالمية الشهيرة التي لا يستطيع اقتناءها من الأسواق الأوربية بسهولة، أو بالمبالغ المتاحة له من دخول الأسر العربية المثقلة بالأعباء. وهناك طائفة من الشباب والأسر غير القادرين على شراء ما تبيعه المراكز التجارية الكبرى ويجدون البضاعة بنفس شكلها وسعرها المناسب لقدراتهم الشرائية في الأسواق الشعبية، التي أصبحت ملاذا للبسطاء للحصول على احتياجات منازلهم وتجهيز العرائس وبيوتهم الجديدة بكل ما يلزمهم من مفروشات وملابس وديكور وأدوات منزلية بأرخص الأسعار.

علاقة شائكة

    أفرزت العلاقة بين المواطن العربي والمنتجات الصينية علاقة شائكة بين التجار المتعاملين مع هذه البضائع والغرف التجارية، فيرى المهندس محسن جيلاني، رئيس الشركة القابضة للصناعات النسيجية في مصر، أن دخول البضائع الصينية للدول العربية، ومصر بخاصة، لا يخضع لضوابط قانونية، مشيرا إلى قيام بعض التجار بتهريب البضائع أو خفض قيمة الفواتير لتسهيل دخولها إلى الأسواق مما يضر بالصناعات المحلية، وخاصة الغزل والنسيج التي يعمل بها نحو مليون مصري. ومثله، يؤكد  الحسيني أبو قمر، عضو مجلس الشعب المصري، أن بعض التجار أصبح كل همهم جلب البضائع الصينية مهما كانت رداءتها وعدم نفعها للسوق المحلية لأن عيونهم على المكسب والعائد الشخصي من المتاجرة بهذه البضائع. ويدعو مجدي البساطي، عضو مجلس  الشورى وأحد وكلاء الخطوط الملاحية، إلى ضرورة تنفيذ المناطق الحرة بين الصين والدول العربية، مثل منطقة خليج السويس بمصر، كي تتحول إلى منطقة تصنيع لمنتجات صينية تتوجه إلى الأسواق الأوربية والدول العربية بعد أن يتشارك الطرفان في توفير فرص عمالة لمواطنيهما وجني العائد من التصنيع والتسويق.

آمال جديدة

    رغم الأجواء المتشائمة التي تنتاب حركة الأسواق مع تفاقم الأزمة المالية، فإن طاقة نور بدأت تُفتح في قواعد التبادل التجاري بين مصر والصين الذي يثير حساسية لدى بعض الجهات الصناعية والغرف التجارية المصرية. فقد وقع المهندس رشيد محمد رشيد، وزير الصناعة والتجارة المصري، برتوكولا مع وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصيني، لي يي تشونغ، ووزير التجارة، تشن ده مينغ، نهاية فبراير هذا العام في بكين يقضي  بمنع دخول السلع الصينية غير المطابقة للمواصفات إلى السوق المصرية. وبدأ سريان الاتفاق أول مارس 2009، حيث سيتولى الجانب الصيني فحص السلع قبل تصديرها وإصدار شهادة مطابقة للتأكد من جودتها ومطابقتها للشروط الصحية والأمن والسلامة والبيئة، على أن يتم إصدار شهادة فحص للمصدر الصيني تؤكد مطابقة السلع لهذه المواصفات، وبدونها لا يمكن التصدير إلى مصر. ويذكر المهندس رشيد أن الاتفاق نص على إنشاء نظام إلكتروني لتبادل البيانات والمعلومات المتعلقة بالشحنات المصدرة قبل تصديرها. ويتوقع رشيد أن تصبح الصين الشريك التجاري الأول لمصر خلال العامين المقبلين مع بلوغ حجم التبادل التجاري أكثر من 5 مليارات دولار أمريكي سنة 2008.

وتحاول مصر دعم التعاون بين البلدين حول تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والاتفاق على صناعات محددة يستفيد منها الجانبان، بعد أن تسربت بيانات من الغرف التجارية المصرية تؤكد أن حجم الواردات المهربة إلى داخل الأسواق المحلية تزيد قيمتها عن ملياري دولار أمريكي، في شكل أقمشة ومنسوجات يأتي معظمها من السوق الصينية. ودفع الأمر رجال أعمال وبرلمانيين إلى  المطالبة بفرض إجراءات حمائية، لمواجهة المنافسة التي تشهدها الصناعات المحلية في السوق المصرية. ويؤكد المهندس محمد مجدي عفيفي، وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشورى، وأحد منتجي مكونات صناعة السيارات، أن الإجراءات الحمائية تستهدف وقف تدفق المنتجات الأجنبية بصفة عامة في وقت تعاني فيه المصانع المصرية من ركود وأزمة مالية خانقة. ويشير عفيفي إلى أن تدفق الواردات من الخارج، وخاصة من الصين، يمثل مشكلة للصناعات المصرية المحملة بأعباء اجتماعية وضرائب قد لا تمكنها من الاستمرار في ظل التداعيات السلبية للأزمة المالية على المستويين المحلي والعالمي. على النقيض من ذلك، يرى الدكتور محمود محي الدين، وزير الاستثمار المصري، أن الإجراءات الحمائية ستوجه ضد الصناعات المحلية وشركاء مصر الأجانب الذين يعلمون في السوق المحلية، مبينا أنه إذا فرضت مصر مثل هذه الإجراءات فإنها ستشجع الدول الأخرى على فرض قيود مماثلة على منتجاتها مما يهدر مبدأ حرية التجارة طبقا لاتفاقية منظمة التجارة العالمية ويضر بمصالح مصر والدول النامية. ويقترح محي الدين أن يتوسع رجال الأعمال المصريون في إقامة مشروعات مشتركة مع الجانب الصيني ورفع مستوى جودة بضائعهم لتكون منافسة في السعر والنوعية بما يخدم المستهلك العربي والمصري.

بيزنس الشعوب

   على المستوى الشعبي، تسير الأمور في منحى آخر، فقد دفعت الأزمة المالية العالمية الكثير من تجار الملابس والصناعات الصينية إلى تخفيض أسعار بضائعهم بنسب تصل إلى 75% من الأسعار التي كانت سائدة قبل بداية الأزمة. وبعد أن كان التجار الصينيون الصفار يجوبون المدن المصرية لترويج ما يقدرون على حمله من سلع، نشأت شراكة علنية بين تجار مصريين وأقرانهم من الصين. فأصبح من المعتاد رؤية معرض تجاري في منطقة شعبية مقام على مساحة شاسعة ملئ بشتى البضائع الصينية؛ من الملابس والجلود والمفروشات إلى الزهريات والزهور الاصطناعية، يقوم بالبيع فيه صينيون ومصريون. وتشكلت مجموعات عمل في المدن الكبرى والصغرى، بل وفي بعض القرى في أعماق الريف المصري، لإقامة المعارض وبيع المنتجات دون أن تثير أزمة بين التجار أو حساسية لدى المصريين، وهو الأمر الذي دفع بعض المصانع والمتاجر الأخرى إلى خفض أسعار منتجاتها، لتواكب حركة الأسعار بالسوق التي فرضتها البضائع الصينية المنتشرة في كل مكان. ويقول محمد على، المشرف على معرض للمنتجات الصينية بالهرم: "نحصل على الترخيص بالعمل من الجهات الرسمية ويسعى كل منا إلى جلب شريك صيني من أجل الحصول على منتجات جيدة ورخيصة." مشيرا إلى أن هذه الشراكة تتم بعيدا عن الإجراءات الرسمية ولكن تحكمها قواعد السوق والصدق والأمانة بين الطرفين. ويقول ميلاد، وهو صاحب معرض خاص أقامه على الطراز الصيني، إن البضائع الصينية أصبحت تمثل عنصر جذب للمواطن المصري ذي الدخل البسيط وفوق المتوسط لقدرتها على توفير متطلباته من السلع ذات العلامة التجارية والسعر الرخيص.

ويذكر هشام، وهو صاحب عدة معارض في مولات تجارية بالقاهرة، أنه يسافر إلى الصين كل 3 أشهر للتعرف على أحدث خطوط الموضة ويشتري عينات من كل ما يعجبه، فإذا تمكن من صناعتها بسعر أقل في المصانع المصرية يبيعها على أنها بضاعة غالية ومستوردة، وإذا حال الأمر دون تحقيقه أرباحا كبيرة، يستوردها من الصين ليبيعها بسعر مختلف، طبقا للمكان الذي يعرضها به.

وهكذا أصبحت التجارة بين الصين ومصر تتم عبر مستويين؛ رسمي وشعبي، يؤثر كل منهما في الآخر، بينما من الواضح أن العامل الشعبي يتجه أسرع نحو المزيد من التعاون، فلغة المصالح بين الشعوب أصبحت أقوى وأكثر عمقا، ولهذا لا يغضب المصريون حينما يرون المزيد من البضائع الصينية تباع وسط القرى والمدن، فالنظرة تتوقف عند حدود المصلحة التي يجنيها كل طرف من الآخر، وهو الأمر الذي يستلزم من السياسيين وضع إطار يحقق توازنا بين مصالح الشعوب، حتى لا تظل النار تحت الرماد وتظهر فجأة عند الكوارث والأزمات.

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn