وجه آخر للتجربة الصينية

حسين إسماعيل

عاملان فلاحان في موقع بناء

حشود من العمال الفلاحين أمام محطة قطارات قبل عيد الربيع

داخل "متحف ثقافة وفنون العمالة المهاجرة"

عاملون من الريف في مصنع بمدينة دونغقوان 

حظيت تجربة الصين الاقتصادية خلال السنوات الثلاثين الماضية باهتمام أكاديمي وإعلامي كبير، ولا يكاد المرء يحصي عدد البحوث والمقالات والكتب التي تناولت "التجربة الصينية". ولا غرو أن هذه التجربة فيها إغراء كبير للكتابة عنها وشرح تفاصيلها، والإعجاب والتعلق بها وخاصة من جانب المحبطين من مفكري ومنظري وكُتاب الدول التي توصف بالنامية. الكل، وأنا منهم، تحدث وكتب عن ما وصلت إليه الصين خلال ثلاثين سنة من الإصلاح الاقتصادي والانفتاح على العالم، فهي تجربة ثرية بما يمكن التحدث عنه والإعجاب الذي يصل حد الانبهار. ويعمد البعض من المحللين والكتاب، في الدول النامية ومنها الدول العربية، إلى إشهار سيف "التجربة الصينية" في وجه حكام وقادة دولهم، ومعايرتهم بما وصلت إليه الصين، ودعوتهم إلى التعلم من "التجربة الصينية"، على أساس "اطلبوا العلم ولو في الصين". ولكن يبدو لي أن عددا قليلا للغاية أعطى لنفسه فرصة للتعرف على كافة جوانب "التجربة الصينية"، فغالبية دعاة الاقتداء بالصين قرءوا النتائج ولم ينتبهوا، وفقا لما يقتضيه المنطق القويم، بقصد أو بغير قصد إلى مقدمات ومجريات وتفاصيل ما حدث ومازال يحدث على النحو الذي أفضى إلى النتائج. "التجربة الصينية" لا تعني للمبحلقين في النتائج، أبعد من وصول إجمالي الناتج المحلي للصين إلى 3,5 تريليون دولار أمريكي سنة 2007، وارتقاء الصين إلى ثالث أكبر اقتصاد في العالم، وتجاوز دخل الفرد الصيني ألفين وخمسمائة دولار أمريكي، وبلوغ احتياطي الصين من النقد الأجنبي  تريليوني دولار أمريكي، إلى أخر قائمة الإنجازات الصينية "المدهشة".  تقتصر رؤيتهم لهذه التجربة على المنتجات الصينية التي تصلهم في بيوتهم بأسعار رخيصة و "الغزو" التجاري الصيني للأقطار الأخرى. لكن أحدا لم يفكر في العوامل والتضحيات التي جعلت الصين تصل إلى ما وصلت إليه، كما أن أحدا من دعاة التعلم من التجربة الصينية لم يتعرض لمسألة إمكانية استنساخ التجربة بكل تفاصيلها بما في ذلك آلام مخاضها وولادتها، وما إذا كان ثمة شعب يستطيع تحمل التضحيات التي قدمها ومازال يقدمها الصينيون البسطاء؟

في تقديري، من المهم للغاية لكل من يتعرض للتجربة الصينية أن يلم بكافة جوانبها ولا يركن فقط إلى نتائجها المتألقة، فهذا هو ما يفعله الصينيون أنفسهم الذين خلدوا ذكرى مرور ثلاثين سنة على بدء عملية الإصلاح الاقتصادي، ليس فقط بالصور البراقة والإنجازات العظيمة وإنما باسترجاع المشاهد القاسية والتضحيات المؤلمة التي تحملها أبناء هذا الشعب، وخاصة من يسمونهم في الصين بالعمال الفلاحين، ويقصد بهم أبناء الريف الذين هجروا مواطنهم وسعوا إلى المدن بحثا عن حياة أفضل أو رزق أوسع، ولم تكن الرياح في كل الأحوال تأتي بما تشتهي سفنهم. العمال الفلاحون الذين كان عددهم في بدايات فترة الإصلاح أقل من خمسين مليونا، ووصل هذه السنة، 2008، مائتين وعشرة ملايين، يضمرون في قلوبهم وأكياس أمتعتهم وكفوف أيديهم المتشققة جانبا آخر من التجربة الصينية؛ الجانب الذي يتجلى في أكثر مشاهده تأثيرا أمام محطات القطارات والباصات في المدن الصينية قبيل حلول عيد الربيع، عندما يتكدس أبناء الريف، رجالا ونساء، شبابا وشابات، عائدين إلى ديارهم بعد سنة كاملة من الشقاء والحنين، حاملين على ظهورهم حقائبهم التي تحوي لباسهم وأوعية طعامهم، ولكن الأهم من بين كل هذا "صرة" محكمة الربط مخفية بين جلد ولحم الواحد منهم، فيها حصيلة عرق شهور عديدة. هؤلاء العمال الفلاحون كانوا أول ضحايا الأزمة المالية العالمية في الصين، حيث فقد عشرون مليونا منهم أعمالهم بحلول عيد الربيع في فبراير 2009، وفقا لما أعلنه تشن شي ون، رئيس الفرقة القيادية لمصلحة العمل الريفي المركزي بالصين يوم 2 فبراير. 

ما أكتبه في السطور اللاحقة مأخوذ من مصادر صينية رسمية، ورئيسيا من تقرير لوكالة أنباء شينخوا، أعادت نشره العديد من الصحف الصينية، يلقي الضوء على وجه آخر للتجربة الصينية؛ وجه يعكسه مكان يحمل اسم "متحف ثقافة وفنون العمالة المهاجرة" يقع في قرية اسمها بيتسون (قرية المطاط) بالضاحية الشمالية الشرقية لمدينة بكين، بالقرب من مطار العاصمة الدولي، الواجهة المتألقة لبكين.

يحكي المتحف، وبالأحرى مقتنياته قصة ملايين العمال الفلاحين الذين حملوا جانبا كبيرا من نهضة الصين خلال السنوات الماضية فوق أكتافهم. في ركن من المتحف غرفة صغيرة ليس بها سوى سرير عبارة عن لوح خشب منصوب على بضعة قراميد، وبجواره مقعد. إنه الصورة النموذجية لمأوى العامل الفلاح في المدن. 

بدأت حملة الإصلاح والانفتاح من الريف الصيني بتطبيق نظام تتعهد بموجبه الأسر الريفية، منفردة، بزراعة الأرض المملوكة جماعيا عن طريق المقاولة، مما أدى إلى تحرير نحو مائة مليون ريفي من العمل الزراعي، وبمعنى آخر أصبحوا بلا عمل. ولكن معظم الفلاحين ظلوا أسرى  للريف بسبب نظام كوبونات الدعم (بطاقات التموين) المرتبطة بمحل الإقامة والتي بها يتم الحصول على كل شيء تقريبا، حتى الطعام. وقد استطاع ثلاثة وستون مليونا من هؤلاء المائة مليون الحصول على وظائف في المشروعات الريفية التي تديرها القرى والتي انتشرت في تلك الحقبة. في سنة 1984 تغيرت السياسة، وصار مسموحا للفلاحين بالعمل في المدن، ومع ذلك لم تشهد الصين هجرة هائلة للعمالة الريفية المتعطلة، بيد أن تدفق الاستثمار، بفضل سياسة الإصلاح والانفتاح، أدى إلى خلق أعمال كثيرة في مواقع البناء وفي المناجم والمصانع، وهي أعمال يعتبرها أهل مدن الصين مرهقة وقذرة، فلم يكن من بد غير الاستعانة بأهل الريف. في سنة 1992، كان عدد العمال الفلاحين ستين مليونا، ارتفع إلى مائة وعشرين مليونا سنة 2003، ثم إلى مائتين وعشرة ملايين السنة الماضية، وفقا للأرقام الحكومية التي يبرزها المتحف على لوحة به. حسب الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ساهمت العمالة المهاجرة المتنقلة في الصين بواحد وعشرين في المائة من إجمالي الناتج المحلي للصين خلال الثلاثين سنة الماضية. ومع ذلك، كما يقول تقرير وكالة شينخوا، عدد قليل من العمال الريفيين يشعرون فعليا بالتقدير أو الاحترام، ولا يستمتع كثير منهم بحياة المدن، وبالأحرى لا يعيشها، فالغالبية العظمى منهم يضطرون للعمل أوقاتا إضافية وبعضهم يعمل سبعة أيام في الأسبوع. وحسب دراسة أجرتها سنة 2006 المصلحة الصينية للإحصاء، 40% من العمال الفلاحين لا يمكنهم أن يجدوا الوقت أو المال لزيارة الطبيب عندما يمرضون، ويمضي أكثر من نصفهم وقت فراغهم إما في النوم أو مشاهدة التلفزيون، فكيف يصبحون جزءا من عالم المدن؟

باستثناء لوحات العرض وقصاصات الصحف، معظم مقتنيات "متحف ثقافة وفنون العمالة المهاجرة" أهداها إليه عمال مهاجرون من أنحاء الصين، ومنها رسائل شخصية وبطاقات إقامة وقصاصات لبيانات أجور وشكاوى للمطالبة بالأجور المتأخرة ووثائق تحكي عن حياة بعيدة تماما عن خيال كثير من أهل المدن. في صورة ضوئية لورقة اعتذار كتبها تشاو ون فنغ، وهو عامل مهاجر في شنتشن نقرأ: "المدراء المحترمون، أعتذر لأن النعاس غلبني أثناء العمل، فأنا أعمل في الليل ولكنني اضطررت لزيارة قريب لي أصيب وقت النهار ولهذا لم أنم وقتا كافيا. أنا على علم تام بأن ذلك خرق لقواعد الشركة وأتعهد بأن لا أفعل مثل هذه الأخطاء مرة ثانية، وأن أضع مصلحة الشركة قبل مصلحتي الشخصية". ويبدو أن هذا الاعتذار حفظ للرجل وظيفته. ولكن خطابا آخر بعثت به تشين مي إلى والديها في يوليو 1993، بدا وكأنه كلماتها الأخيرة، فقد لقيت حتفها، مع 86 آخرين عندما التهمت النار الورشة التي كانت تعمل بها بعد أربعة شهور من رسالتها التي جاء فيها: "أمي العزيزة وأبي العزيز، استطعت تدبير 350 يوانا هذا الشهر، وإضافة إلى ما ادخرته الشهر الماضي أرسلت لكما بالبريد 400 يوان. أرجو أن تدفعوا لعمي المائة يوان التي استدناها منه".

ماتت تشين مي وهي ابنة ست عشرة سنة مع 400 آخرين عندما شب حريق في الشركة التي كانت تعمل بها في مدينة شنتشن يوم 19 نوفمبر 1993. وقد وجدت أجهزة الإنقاذ أن أربعة مخارج للبناية مقفلة والممر الوحيد للمخرج المفتوح عرضه 80 سم، وقد مات معظم الضحايا مختنقين قرب المخرج.

حسب تقرير شينخوا، ظل معظم العمال المهاجرين في المدن، حتى سنة 2005، بدون حماية، حيث لا وجود لاتحادات تمثلهم، ومعظمهم يعمل ساعات طويلة دون حماية ملائمة من الأمراض والحوادث الصناعية. في لوحة رسم بقلم رصاص عبرت طفلة اسمها هوانغ يوي شين عن معاناة والديها، فالأب يتصبب عرقا في موقع بناء تحت الشمس الحارقة، والأم مشغولة في تنظيف الأرضية أمام بناية مكاتب فاخرة.

ومع أن العمال الفلاحين يتحملون، راغبين أومكرهين، أي صعوبات في سبيل توفير لقمة العيش، فإن اليأس يتملك حتى الأقوى منهم عندما تُخفض أجورهم ظلما أو يتأخر دفعها، لدرجة تصل ببعضهم إلى ارتكاب جريمة القتل، فقد قام وانغ بين يو، وهو فلاح من مقاطعة قانسو، بطعن أربعة من أقارب رئيس العمال الذي يعمل معه، بعد أن تجاهل الرئيس توسلاته العديدة لدفع أجره عن العمل سنة 2005، وهو خمسة آلاف يوان. كان وانغ في حاجة ماسة إلى المال ليساعد والده الأعرج. قبل تنفيذ حكم إعدامه، قال وانغ: "حتى السجن مكان أفضل من موقع البناء الذي كنت أعمل فيه".

ليس كل العمال الفلاحين يفعلون كما فعل وانغ بين يو، فالنجار لي شينغ يوان، قرر مقاضاة شركة لي فنغ المحدودة للأثاث أمام المحكمة بعد أن أقالته لأنه ترك الشركة ذات صباح بدون تصريح من رئيسه لإنقاذ ابنته من الاختطاف في قطار. لقد اختار لي شينغ يوان، الذي يدرس القانون في مدرسة ليلية، أن لا يبتلع الظلم ويصمت مثل معظم زملائه، فتقدم بشكوى إلى مكتب العمل للحي الذي تقع به الشركة، كإجراء قانوني ضروري قبل رفع قضية أمام المحكمة، لا يعلم إن كان سيكسبها أم يخسرها.

أكبر مشكلة يواجهها العمال الفلاحون قبل العودة إلى مواطنهم في عيد الربيع كل سنة هي الحصول على أجورهم، وقد أطلقت الصين حملة سنة 2003 لضمان أن يحصل العمال الفلاحون على أجورهم كاملة وفي مواعيدها بعد أن ساعد رئيس مجلس الدولة ون جيا باو سيدة في الحصول على أجور زوجها المتأخرة. وقد تأسس أول اتحاد للعمال المهاجرين في مقاطعة لياونينغ سنة 2005. ومع ذلك مازالت مشكلة تأخير دفع أجور العمال الريفيين أو الانتقاص منها تتكرر، وأبناء العمال الفلاحين في المدن لا يقبلون إلا في مدارس مخصصة لهم بمصاريف ورسوم كاملة، وليس في المدارس التي تقبل أبناء المدن بمصاريف ورسوم مخفضة، والسبب أن هؤلاء العمال الفلاحين ليس لديهم ما يسمى بالصينية "هوكو"، أي تصريح الإقامة في المدينة، وقد غيرت الحكومة الصينية هذه السياسة مؤخرا. يمضى العامل الفلاح سنة كاملة بعيدا عن موطنه، وكأنه مسافر إلى دولة أخرى، ليعود في عيد الربيع إلى داره ببعض المال، قد يدخره لبناء بيت جديد أو تدبير رسوم الدراسة لأبنائه أو لعلاج أم مريضة أو سداد دين قديم، إلى آخر قائمة أوجه إنفاق دخل العامل الفلاح الصيني. 

برغم كل هذه المعاناة لم يتجاوز تذمر العمال الريفيين، في أغلب الأحوال، الحدود القانونية ولم يخرجوا على شرعية المجتمع سواء في شكل اعتصامات أو مظاهرات أو أي شكل من أشكال العصيان. والغالبية العظمى من هؤلاء العمال الريفيين يعترفون أنهم يعيشون حياة أفضل حالا من آبائهم وأنهم استفادوا من ثمار التنمية، حتى ولو كانت استفادة ضئيلة.

السؤال الآن لدعاة التعلم من الصين واستنساخ التجربة الصينية: هل ليدكم القدرة على تحمل وقبول مثل هذا الثمن؟ 

 

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.

فرع مجلة ((الصين اليوم)) الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة
رئيس الفرع: حسن وانغ ماو هو
العنوان: 5 شارع الفلاح، المتفرع من شارع شهاب
- المهندسين- الجزيرة- مصر
تليفاكس: 3478081(00202)
  ص.ب208 – الأورمان – الجزيرة – القاهرة – مصر
   الهاتف المحمول: 0105403068(002)
البريد الإلكتروني: kailuofenshe@yaoo.com.cn