في مئوية العلامة المكين {محمد مكين}

د.محمد الصاوي

خبير اللغة العربية بجامعة بكين للدراسات الدولية

كاتب المقال

ما إن تذكر اللغة العربية في الصين إلا وتذكر معها ثلة من الأولين الذين شيدوا صرحها الشامخ، ووضعوا اللبنات الأولى لسور ثقافي عظيم، لا يقل عظمة - في أعين المسلمين عامة والعرب خاصة والمصريين على وجه أخص – عن سور الصين العظيم الذي أبهر العالم ببنائه.

أولئك الفطاحل الذين تفاخر بهم مصر الأزهر، وأعني بهم محمدا وصحبه، إنه العلامة محمد مكين ورفاقه الذين نهلوا من معين الأزهر العذب واغترفوا من بحره الذاخر، ففهموا الإسلام فهما صحيحا لا غلو فيه ولا تطرف، وتعلموا فيه من علوم اللغة العربية ما جعلهم أئمة ومصابيح هداية لمن جاء بعدهم من الأجيال الصينية العاشقة للغة الضاد.

تلك النخبة، وأقصد بها العلامة محمد مكين وصحبه، كانت أول بعثة، وطأت أرض الكنانة لدراسة لغتنا الجميلة فكانوا بعد أن تخرجوا في الأزهر الشريف العروة الوثقى التي تربط أرض النيل والحضارة ببلاد كنفوشيوس العظيمة.

وبعد مرور مائة عام على ميلاد ذلك الطود العظيم الشامخ العلامة  محمد مكين، وتخليدا لذكراه العطرة، وجب علينا أن نلفت النظر إلى أن الأستاذ مكين كتب لنفسه الخلود، إذ ربط خلود ذكراه بكتاب الله - عز وجل - الذي تكفل سبحانه بحفظه إلى يوم القيامة، فترجم القرآن الكريم إلى الصينية، فكلما قرأ مسلم صيني ترجمة القرآن الكريم ذكره بالخير، وسيدوم هذا الذكر ما دامت السماوات والأرض، أي إلى يوم الدين.

وحري بنا أن نشيد بإنجازاته العظيمة التي شملت أربع مجالات وهي:

1. ترجمة الكتب الدينية من أجل نشر صورة الإسلام الصحيحة:

لعل أعظم عمل أنجزه مكين هو الترجمة الكاملة لمعاني القرآن الكريم، فلقد قضى حياته في دراسة وبحث القرآن الكريم لهدف واحد هو نشر العقيدة الإسلامية، وكان مبلغ غايته هو مساعدة المسلمين الصينيين على تجاوز الحواجز اللغوية حتى يدركوا المعاني الحقيقية للقرآن الكريم، فلما عاد من مصر عام 1939 انكب على ترجمة المصحف الشريف حتى أصدر المجلد الأول الذي يضم النصوص المترجمة من السور وتفاسير الآيات في الأجزاء الثمانية الأولى منه بعد ولادة الصين الشعبية عام 1949، غير أنه لم يستطع أن يواصل عمل التنقيح وإضافة الملاحظات والتفسير بأكمله خلال العشرين عاما التي تلت ذلك لانشغاله بأعمال تطوير تعليم اللغة العربية، ولأسباب أخرى اكتنفت هذه الفترة، التي دامت عشر سنوات، فلم يتيسر له أن يستأنف عمله في ترجمة معاني القرآن الكريم، إلا في أواخر أيام حياته.

إن ترجمة الأستاذ مكين لمعاني القرآن الكريم تتميز بما هو أقرب إلى نصوصه من لغة تجمع بين الإيجاز والسلاسة، وأساليب تفيض عراقة وعذوبة، إضافة إلى الدقة والأمانة في أداء المعنى، وبذلك لقيت إقبالاً كبيراً، وتقديراً عظيماً من قبل المسلمين الصينيين، بصفتها أكبر ترجمة تأثيراً بين سائر الترجمات الشقيقة على وجه الأرض إلى الآن.

وقد أخذ الأستاذ مكين، ابتداء من الثلاثينات في القرن العشرين، يترجم إلى جانب المصحف الشريف ما يمتاز بالقيم الأكاديمية الرفيعة من أمهات الكتب الدينية مثل ((الرسائل المحمدية في حقيقة الديانة الإسلامية)) للشيخ حسين جسر، و((رسالة التوحيد)) و((الإسلام والنصرانية)) للإمام محمد عبده و((العقائد النفسية)) لسعد الدين الخ.

2. سعيه الدؤوب لتعزيز التبادل الثقافي الصيني العربي في العصر الحديث:

بالرغم من أن جميع المسلمين يعلمون بالقول المأثور {اطلبوا العلم ولو في الصين} إلا أن التبادل الثقافي الذي كان يجري بين الصين والبلاد العربية على نطاق واسع توقف قروناً عديدة بعد أن قطعه الاستعمار الغربي في القرن السادس عشر.

إن الأستاذ مكين قد حاول توسيع مجالات دراساته ومضامين ترجمته، فجعلهما من الأنشطة العلمية الثنائية الاتجاه، فقد نقل ((كتاب الحوار)) لكونفوشيوس الحكيم الصيني، و((الأساطير الصينية)) و ((الأمثال والحكم الصينية)) وغيرها من التراث الصيني إلى اللغة العربية، وأصدرها في القاهرة، فزاد بها المكتبات العربية تحفاً نادرة من كنوز الحضارة الصينية.

وفي الوقت نفسه من أجل توسيع معرفة أبناء الشعب الصيني بالثقافة العربية الإسلامية ترجم الأستاذ مكين منذ الثلاثينات كثيراً من المؤلفات الهامة إلى الصينية، وأصدر عدداً كبيراً من المؤلفات والمقالات التي تتعلق بالعلوم العربية من التاريخ والعادات التقليدية والدين واللغة وغيرها، مثل: ((جزيرة العرب))، ((نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها))، ((مكانة اللغة العربية على الصعيد الدولي سياسياً)).. الخ.

و من هذا الجانب نرى أن أهمية ترجمات ودراسات الأستاذ مكين لم تتمثل في أنهما تتناولان المجال الديني فحسب، بل في تعديهما هذا المجال، حتى شكلتا امتداداً واستمراراً للتبادل الثقافي الواسع بين الصين والبلدان العربية على مدى التاريخ.

 3. وضع أسس جديدة لتعليم اللغة العربية المعاصرة في الصين:

سبق للصين أن شهدت بعض المدارس الإسلامية لفترة من التاريخ، ورغم ذلك فقد ظل تعليم اللغة العربية في الصين عامة يرتكز على المساجد منذ مئات السنين، وكان من الصعب تلبية احتياجات الدولة إلى رجال ذوي مستوى رفيع في هذه اللغة، لقدم المنهاج المتبع واتباع طرق عفا عليها الزمن، مما دفع الأستاذ مكين إلى أن يضع خطة عظيمة منذ أيام شبابه من أجل تغيير هذا الوضع، وهي أن يعمل على تطوير تعليم اللغة العربية ونشرها في الصين.

وفي عام 1946 حان الوقت ليحقق خطته، وترى آماله النور، إذ استدعته جامعة بكين وعينته أستاذاً فيها، فشارك بنشاط في تأسيس كلية اللغات الشرقية في الجامعة، وأنشأ فيها قسم اللغة العربية، واقتبس من نظم تعليم اللغة العربية المعاصرة وقواعدها وطبقها في عمليات التدريس وفقاً لأصول اللغة العربية مع مقارنتها بخصائص اللغة الصينية، مما وضع أساساً لتدريس اللغة العربية في الصين، وأدرجها لأول مرة رسمياً في منهج التعليم الصيني العالي.

4. تقديم الخدمات الجليلة في سبيل المصلحة العامة من أجل الوحدة والاستقرار بمشاركته في شؤون الدولة نيابة عن المسلمين:

بعد عام 1949 شهدت الصين تحسناً جذرياً في العلاقات بين القوميات المتعددة، كما دخلت العلاقات بين قوميتي هان وهوي عهداً جيداً غير مسبوق، غير أن الأستاذ مكين باعتباره عالما مسلما ذا تأثير هام، قد بذل مساعي لا غنى عنها من أجل سد الفجوة الذهنية التي كانت تفصل بين القوميات، والمساعدة على تنفيذ هذه السياسة بنجاح.

لم يكن الأستاذ مكين يمارس السياسة، غير أنه نظراً للعلم والمعارف الوافرة التي كان يتمتع بها، وتأثيره الطيب، والمواقف الوطنية التي أبداها منذ أيام شبابه، نال حب أبناء القوميات المختلفة، واعتمد بصفته شخصية دينية بارزة وغير حزبية مندوباً لدى أعلى أجهزة الدولة كمستشار، فتقلد مناصب عديدة في المؤسسات الأكاديمية ابتداء من عام 1949 حتى آخر يوم من حياته، مما أثبت مكانته كعلم من أعلام الثقافة.

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.