آل وانغ ونقش القرآن على الحجر

إسحاق جيا بنغ

الشيخ هلال الدين تشن قوانغ يوان نسخ القرآن بالريشة بخط يده

القرآن الكريم على الحجر

وانغ فنغ تونغ وابنه

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

ربما كان يوم الجمعة، الرابع من أغسطس 2006 الموافق التاسع من رجب عام ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين للهجرة، يوما عاديا لكثير من المسلمين، ولكنه في مسجد دونغشي بالعاصمة الصينية كان يوما مشهودا. في هذا اليوم تم الاحتفال بإنجاز مهمة جليلة، ألا وهي نسخ القرآن الكريم على ألواح حجرية. حضر هذا الاحتفال، الذي أقامته الجمعية الإسلامية الصينية والجمعية الإسلامية ببكين ومكتب إدارة مسجد دونغسي، مسئولون من الحكومة المركزية ومن حكومة بلدية بكين ومن مقاطعة خبي وبعض رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى بكين. بعد الحفل حفظت هذه النسخة الحجرية من القرآن في المتحف الإسلامي بمسجد دونغسي، وحقا (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

إن نقش صفحة واحدة من المصحف الشريف عمل جد ضخم في تاريخ الإسلام بالصين، فما بالك بنقش ثلاثين جزءا من القرآن العظيم على 528 لوحا حجريا طول كل منها متر وعرضها نصف متر وسمكها ثلاث سنتيمترات. وهذا يعني أنها إذا وضعت بجوار بعضها تغطي مساحة 264 مترا مربعا، ويصل وزنها الإجمالي 26 طنا. لقد استلزم نقل الألواح الحجرية سيارات لوري بمقطورة، امتد طولها الإجمالي نصف كيلومتر.

إن هذا العمل الفني الديني الفريد ليس إبداعا عظيما في تاريخ الإسلام بالصين فحسب وإنما كنز جديد يضاف إلى الفنون الإسلامية ومساهمة جبارة للوجود الإسلامي في الصين، بما له من قيمة كبيرة ومغزى حضاري وتاريخي في تطوير الثقافة الإسلامية بالصين وتشجيع المسلمين الصينيين على فهم المعاني والدلالات الحقيقية للقرآن الكريم، وعلى رأسها السلام والأمان والانسجام. كما أن هذا العمل له دور فعال في بناء المجتمع المتناغم في الصين وتطوير الحوار بين الحضارات المختلفة.

المدهش أن الذي أنجز هذا العمل الضخم ليس فريق عمل بل أسرة مسلمة عادية من أربعة أفراد تقطن محافظة ويشيآن بمقاطعة خبي. الشيخ وانغ فنغ تونغ، عميد هذه الأسرة، من مواليد مقاطعة خبي عام 1922. درس في دار للمعلمين وبدأ حياته العملية عام 1952 في مكتب التوفير لمحافظته، وفي عام 1984 خرج إلى التقاعد وهو بدرجة مدير. كان منذ طفولته مولعا بالخط والرسم، وقد اشبع هوايته بالتدرب عليهما، حتى أصبح عضوا بالجمعية الصينية لبحوث فن الرسم والخط وأسس مكتب مويوان بيلين لفن الخط والرسم. رجل مخلص لدينه، فأمنيته التي تسكن قلبه منذ زمان هي أن ينقش القرآن الكريم كاملا على الحجر. بدأ الاستعداد لهذه المهمة الجليلة عام 1992، ولكن سير العمل كان بطيئا للافتقار إلى التمويل؛ فإذا كان العالم المسلم المشهور ما ليان يوان أنجز عمله العظيم بحفر المصحف على الخشب عام 1895، بعد أن جمع تبرعات قدرها 425 كيلوجراما من الفضة، فإن إنجاز هذا العمل يحتاج مالا كثيرا. العائق الآخر كان صعوبة جمع نسخ القرآن والحصول على الألواح الحجرية، ثم توفير مكان يتسع لإنجاز هذا العمل. في عيد الفطر عام 2002، حصل وانغ فنغ تونغ على نسخ من آيات القرآن الكريم بخط يد الحاج تشن قوانغ يوان – رئيس الجمعية الإسلامية الصينية الحالي، فكان كمن وجد كنزا، وهنا زادت عزيمته على إنجاز المهمة الجليلة التي أتمها في شهر أبريل عام 2006، بعد 56 شهرا من العمل الجاد والشاق، ساعده فيه زوجته السيدة شي شيو شان وابنه وانغ تشاو يانغ وحفيدته وانغ ون تسونغ..

من أجل توفير أفضل نوع من الأحجار قامت أسرة وانغ بمقارنة دقيقة بين اليشم الحجري في جبل سونغشان والرخام الأبيض بمدينة تسوييانغ، وأخيرا وقع الاختيار على صخور من قاعدة جبل تايشان، لأنها ناعمة ملساء لا تتشقق وتقاوم على الأحماض والصودا والتسوس وتصلح للنقش. وللتغلب على مشكلة ارتفاع أسعار هذا النوع من الصخور اشترتها أسرة وانغ غير مصنعة وقاموا بمعالجتها وشحذها وتشذيبها وطلائها بأنفسهم. وقد حرص كل فرد في الأسرة على الارتقاء بمهارته من أجل هذا العمل، فالشيخ وانغ فنغ تونغ لديه أساس جيد وخبرة ثرية اكتسبها في السنوات الماضية من خلال أعمال النقش لمدة طويلة وإدارة مكتبه الفني؛ أما ولده وانغ تشو يانغ فقد واصل التعلم من الأساتذة ومن الأصدقاء المتخصصين، فارتقت مهارته بسرعة حتى وصلت إلى مستوي المتخصصين، كما أن وانغ ون تسونغ، حفيدة الشيخ وانغ البالغة من العمر واحدا وعشرين ربيعا، وهي خريجة المدرسة الثانوية قبل ثلاث سنوات فشاركت أسرتها في عملية النقش بذكائها وبراعتها. قبل بداية المشروع قال لها جدها: "كلنا نجيد النقش منذ ولادتنا، ومن ثم لا حاجة لاستئجار من يساعدنا، وهذا لا يوفر النفقات فحسب، بل يمكننا من السيطرة على مدة الإنجاز. إن هذا يتطلب منك أن تؤجلي التحاقك بالجامعة بضع سنوات من أجل القرآن الكريم!" وافقت الحفيدة وأوقفت دراستها وشاركت في المشروع الذي أنجز خلال ثلاث سنوات من العمل، زاد خلالها اهتمام الفتاة المسلمة وشغفها بالقرآن الكريم فأقبلت على دراسته وتدبر معانيه.

أسرة وانغ فنغ تونغ، المحبة للقرآن، واصلت العمل طول السنة حتى في شهر رمضان، لكل منهم مهمة محددة، السيدة شي شيو شان مسئولة عن لصق خط نُسخ القرآن الورقية على ألواح الحجر؛ والشيخ وانغ فنغ تونغ ينقشها على الألواح الحجرية بقلم أحمر؛ وبعد ذلك ينقشها ولده وفقا للخط الأحمر على الحجر، بينما الحفيدة مسئولة عن مطابقة النسخة الحجرية مع النسخة الورقية أثناء عملية النقش. وكلما انتهوا من نقش لوح حجري يغطونه بالقماش. خلال مدة إنجاز هذا العمل تفرغوا له تماما، فرفضوا بأدب الزيارات واعتذروا عن عدم إجراء المقابلات الإعلامية.

النسخة التي اعتمدتها أسرة وانغ في نقش القرآن الكريم على الحجر كتبها الإمام الشيخ هلال الدين تشن قوانغ يوان، إمام مسجد دونغسي ببكين ورئيس الجمعية الإسلامية الصينية، بخط يده باستخدام الريشة. الكتابة نفسها عمل كبير كلف الشيخ أكثر من أربع سنوات، بدأ في عام 2001 كتابة أول آية من القرآن وأتم كتابة الآية الأخيرة في عام 2006. بعد إنجاز العمل، قال الشيخ هلال الدين متأثرا: "سيكون هذا العمل مشروعا آخر يجسد إخلاص مسلمي الصين، برغم أنني تجاوزت السبعين من العمر وبرغم المشاغل الكثيرة عقدت العزم على إنجاز هذا المشروع."

استرعت هذه النسخة الحجرية للقرآن الحجرية اهتماما كبيرا داخل الصين وخارجها، فهي الأولى من نوعها منذ دخول الدين الحنيف إلى الصين قبل أكثر من ألف سنة، وقد أدرج هذا المشروع ضمن الأحداث الهامة للقرآن في الصين. وبمساعدة الجمعية الإسلامية الصينية والجهات المعنية، قدمت أسرة وانغ طلبا لتسجيل هذا المشروع في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كونه الأول من نوعه في العالم أيضا.

لقد نجح المسلمون الصينيون في نقش القرآن على الخشب قديما، لكنها كانت أعمال باهظة التكاليف. في عام 1862، قام المسلم دو ون شيو، الذي تزعم سلطة مناوئة للبلاط الإمبراطوري، بمشروع نقش القرآن على الخشب، فأنفقت حكومة مدينة دالي عليه كثيرا من المال والجهد. كانت المرة الثانية لنقش القرآن على الخشب في عام 1895، وقام بهذا المشروع العالم المسلم ما ليان يوان، واستغرق سنتين واستأجر له أكثر من ثلاثين عاملا، وبعد متاعب ومصاعب كثيرة أنجز العمل. إن أسرة وانغ فنغ تونغ، مقارنة معهما، أسرة عادية لم تطلب مساعدة أو تبرعا وأنجزوا المهمة اعتمادا على أنفسهم. إنها روح نادرة تستحق التقدير حقا.

عندما بدأ العمل في هذا المشروع عام 2001، كان الشيخ وانغ فنغ تونغ تجاوز الثمانين من العمر، في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة إنجاز المشروع، قدم له الكوادر من مكتب التوفير لمحافظة ويشيآن الذي كان يعمل به، لوحة مكتوب عليها كلمة للاحتفال بالعمر المديد ولتقدير جهودهم. لقد تجاوزت زوجة الشيخ وانغ الخامسة والسبعين من العمر، ومضى على زواجها نصف قرن. كلاهما مخلص لدينه. قال وانغ فنغ تونغ لنا: "اليوم، عمري خمس وثمانون عاما وعمر زوجتي ست وسبعون عاما، أنفقنا خمس سنوات في نقش القرآن الكريم، وهي طويلة بالنسبة لنا نحن الشيوخ مدة طويلة، فيها تغلبنا على مصاعب ومتاعب جمة ولكننا واصلنا العمل حتى النهاية. اليوم، نحن مفعمون بمشاعر شتى!" بعد الاحتفال بإنجاز المشروع، لا تزال أمام أسرة وانغ أعمال كثيرة، قد لا تقل عن المشروع نفسه، مثل الطباعة وإصدار نسخ القرآن الكريم المحفور والتحضير لمشروع نقش معاني القرآن باللغة الصينية على الأحجار الخ، رغم كبر سنه لم تفتر همته، قال الشيخ وانغ فنغ تونغ: "نؤمن بالإسلام بكل إخلاص، سنجتهد في حب الله حتى الرمق الأخير!"

 

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.