"القرآن في الصين"

حملة "القرآن الكريم" إلى الصين

نسخة القرآن

عرض نسخة القرآن

تمثال الجمل الأبيض وبجانبه نبع الماء

في محافظة شيونهوا الذاتية الحكم لقومية سالار بمقاطعة تشينغهاى الصينية نسخة نادرة بخط اليد من القرآن الكريم، عمرها أكثر من ألف سنة. كيف دخل القرآن الكريم إلى هذه المحافظة قبل ألف سنة وهي مدة طويلة؟ من الذي أتى بها إلى الصين، وما هي قصتها وشكلها وما هي العلاقة بين أبناء شيونهوا والإسلام؟ الشيوخ في شوينهوا قالوا لنا:" من أراد أن يعرف أصل وفصل هذه النسخة عليه أن يحضر حفل زفاف لواحد من أبناء شيونهوا".

أهل شيونهوا أحد فروع قومية سالار، وهي واحدة من عشر قوميات في الصين تعتنق الإسلام، ويبلغ عدد أبنائها 70 ألف نسمة ليس أكثر. يشبهون في لباسهم وزينتهم أبناء قومية هوي، ولكنهم لا ينتمون إلى هوي. زفافهم يختلف عن القوميات الأخرى، فالقرآن الكريم هو محور حفل الزفاف، والمناسبات الهامة الأخرى عندهم.

في صبيحة يوم الزفاف، يذهب العريس إلى بيت العروس حاملا المهر. وهناك يبدل ملابسه بلباس آخر صنعته له عروسه خصيصا، ويدعو الحاضرون لهما بالخير والسعادة. في مراسم الزفاف، يتلو إمام القرية، وهو المأذون الشرعي أيضا، آيات من القرآن الكريم، فلا يصح الزواج بدونها، ثم يجتمع أقارب وأصدقاء العروسين حول مأدبة الزفاف يتناول أطعمة قومية سالار التقليدية، وعلى هامش المأدبة يتلو بعض الحاضرين القرآن ويقومون بمحاكاة صوتية تجسد قصة نقل أسلافهم القرآن الكريم إلى محافظة شيونهوا.

وثمة حكاية أقرب إلى الأسطورة حول هذه النسخة، فيقال إنه في القرن الثالث عشر للميلاد، كان في سمرقند بوسط آسيا شقيقان، الأكبر يدعي "قارمون" والأصغر "أحمون"، وقد أحبهما الناس، وذاعت شهرتهما ولا سيما بين المسلمين من أبناء قبيلة "سالور"، مما جلب لهما سخط الملك الذي انهمك في تدبير المؤامرات والمكائد للتخلص منهما. لكن جهود الملك أخفقت، وما كان من هذين الشقيقين إلا أن غادرا مسقط رأسهما مع 18 نفرا من أهلهما وأتباعما. كان معهم جمل أبيض يحمل نسخة من القرآن الكريم وماء وترابا وحبوبا من مسقط رأسهم. وتوجه الجميع ناحية المشرق بحثا عن مكان يسوده الأمن والسعادة والاطمئنان، ومضوا في سيرهم نحو جبل تيانشان وممر جيايوقوان وممر خشي والنهر الأصفر، بعد مشقات كثيرة وصلوا مكانا في وسط الصين يُدعى شيونهوا في مقاطعة تشينغهاى على ارتفاع 4500 متر عن سطح البحر، هناك فقدوا الجمل في الليل. في صباح اليوم التالي، وجدوا نبع ماء وبجانبه تمثال حجري لجملهم، وقد قيل إن الجمل الأبيض تحجر وتحول تمثالا في الليل. المهاجرون شربوا ماء النبع وجربوا تراب أرض شيونهوا، فوجدوا أن الماء والتراب هنا يشبهان ما حملوه من بلادهم، فآمنوا بأن هذا المكان هو مقصدهم واستقروا في شيونهوا، وسموا هذا النبع بـ "نبع الجمل الأبيض".

هذه الحكاية شبه الأسطورية لا تخلو من عناصر حقيقية حول مسيرة قومية سالار وانتقال القرآن، وقد وجد الناس سندين واقعيين لهذه الحكاية. أولا، في وسط مدينة محافظة شيونهوا اليوم يقع نبع الجمل الأبيض الذي لا يزال يتدفق بعد مرور ثمانية قرون؛ ثانيا، حسب سجلات محافظة شيونهوا، في فترة أسرة يوان (1206-1368 م) ظهر شخص اسمه قارمون، لعله من أسلاف قومية سالار. لكن السجلات لا تذكر تفاصيل أخرى حول تاريخ قومية سالار. لذا، يواصل السالاريون اليوم البحث عن دلائل أكثر حول تاريخ قوميتهم.

من أجل إحياء ذكرى الجمل الأبيض ومسيرة هذه النسخة من القرآن الكريم وتاريخ مسيرة أسلافهم، يتوارث السالاريون جيلا بعد جيل في الزفاف عادة عرض المحاكاة الشفوية و"رقصة الجمل"، التي يؤديها عادة في الأفراح في الليالي المقمرة، أربعة رجال، اثنان يلبسان الأصواف البيضاء ليمثلا الجمل والثالث يرتدي جلبابا ويلف رأسه بعمامة كبيرة ويحمل بيده الجمل، أما الرابع فيظهر في زي منغولي يؤدي دور أحد المستوطنين المحليين، فيرقصون ويغنون ويسردون – على طريقة الراوي- حكاية قدوم أسلافهم من سمرقند إلى شيونهوا في بلاد الصين، ويتخلل ذلك اللقاء قصائد يطرب لها الناس الذين تظهر عليهم البهجة والسرور والفرح والحبور. يثق السالاريون بصدق قصة انتقال نسخة المصحف الشريف على ظهر الجمل الأبيض ويعتزون بذلك أيما اعتزاز.

وقد أوضح لنا الفنان الشعبي، ابن قومية سالار، هان تشان تشيانغ أن "لقومية سالار لغة خاصة غير مكتوبة تنتمي إلى الأرومة التركية. فكلمة "سالا" في اللغة الصينية، والتي تعني قومية سالار، مصدرها "سالور" من اللغة التركية التي كانت سائدة في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا والوسطى، و"سالور" كلمة صوتية تقلد صوت اصطدام قطعتين من الحجر، وهي تعبير عن القوة والسرعة والمتانة، وتعني أن قومية سالار قومية ممتازة."

كما أشار الفنان هان إلى أن أسلاف قومية سالار كانوا يستوطنون في قبيلة سالور بولاية مالي بآسيا الوسطى قبل ثمانمائة سنة، في فترة تسلط القائد المغولي جينكيز خان على آسيا وأوروبا، ذلك يعني أن السالاريين أحفاد أسرة جينكيز خان.

لكل قرية في محافظة شيونهوا إمام، وما ده تشينغ إمام لإحدى القرى. درس في المملكة السعودية العلوم الإسلامية عدة سنوات، في تخصص "القرآن الكريم". خلال فترة دراسته أدى فريضة الحج عدة مرات. من أجل تقفي أثر أسلافهم، ذهب بنفسه، قبل ثلاث سنوات، إلى منطقة سمرقند في تركمانستان – التي تعتبر وفقا للحكايات والأساطير مسقط رأس أسلاف السالاريين ومنطلق مسيرة الهجرة إلى شيونهوا. وجد ما ده تشينغ أن ملامح أهل سمرقند اليوم تشبه السالاريين، في قصبة الأنف العالية ومحجر العين العميق. وقد حافظ السالاريون خلال كل هذه الفترة على ملامحهم الأصلية، فهم لا يتصاهرون مع القوميات الأخرى.

ويُحتفظ في دار المحفوظات في شيونهوا بمقال نشرته جريدة رنمين (الشعب) اليومية عام 2003 يؤكد أن هذه النسخة هي نسخة القرآن الكريم الحقيقية المخطوطة باليد ويعود تاريخها إلى أكثر من ألف سنة، وأنها الأولى من نوعها في الصين ومن بين ثلاث نسخ مخطوطة نادرة في العالم، أما النسختان الأخريان ففي مصر وباكستان. هذا المقال أحدث عند نشره صدى كبيرا لدى جميع المسلمين والصحفيين من كل العالم، ويتدفق الزوار من كل مكان إلي شيونهوا لمشاهدة نسخة المصحف النادرة. ولكن حفاظا على هذا الكنز الثمين لا يسمح بعرضها إلا في مناسبات نادرة، فقليل من زوار شيونهوا شاهدوها.

في عام 2000، قام سفير تركمانستان بزيارة لمحافظة شيونهوا لمشاهدة هذه النسخة، وعندما استقبله رئيس المحافظة هان شنغ شوه، كان السفير التركمانستاني يفهم لغة السالاريين، بينما أبناء سالار لا يفهمون إلا 40% من اللغة التركمانية، حيث أن 60% من لغة تركمانستان الحالية مأخوذة من اللغة الروسية خلال فترة الاتحاد السوفيتي.

لقد قال السفير التركمانستاني: "اليوم، تأثرت كثيرا بعد مشاهدتي هذه النسخة من القرآن الكريم التي حملها أسلاف السالاريين من سمرقند إلى الصين قبل أكثر من ثمانمائة سنة، كما أدهشني أن أبناء سالار يحفظونها بشكل كامل حتى اليوم."

يحتل القرآن الكريم مكانة هامة في حياة المسلمين السالاريين، وهم قوم يؤدون صلواتهم الخمس كل يوم، ويصلون الجمعة في أكثر من أربعين مسجدا في شيونهوا، أقدمها مسجد منغداي الذي بني قبل أكثر من ستمائة سنة. ويقال إن أسلاف السالاريين بنوا، فور وصولهم إلى شيونهوا، مسجد جيهتسي قبل ثمانمائة سنة، لكنه تخرب وقام السالاريون بإعادة بناء هذا المسجد، ووضع نسخة القرآن الكريم النادرة فيه.

تحفظ نسخة المصحف النادرة في خزانة موضوعة في غرفة لها ثلاثة أبواب متعاقبة، لكل باب قفل ثقيل، الثلاثة مفاتيح في أيدي ثلاثة أشخاص مختلفين، فلا بد من اجتماع الثلاثة عند فتح الغرفة. المفتاح الأول يحمله الشيخ ما هان الذي يسكن في غرفة بين الباب الأول والباب الثاني، وهو يؤدي هذه المهمة منذ خمس سنوات، لم يغادر هذه الغرفة خلالها يوما واحدا، والمفتاحان الآخران يحملهما السيد ما، مدير دار المحفوظات لمحافظة شيونهوا والشيخ يانغ، إمام مسجد جيهتسي الكبير. في يوم عرض نسخة القرآن، يجتمع ما هان والمدير ما والإمام يانغ في مسجد جيهتسي الكبير، ولا يسمح بأن يلمس هذه النسخة إلا قليل من المتخصصين، ويتولى فتحها دائما الشيخ ما هان بعد أن يتوضأ. قال الشيخ ما هان: "هذه النسخة من القرآن تعتبر كنزا مقدسا لأبناء قومية سالار، فقد نقلها أسلافنا منذ مئات السنين، لذا، فإن عرضها يحتاج وجودنا نحن موظفي الحكومة وحضور جميع شيوخ السالاريين في مسجد جيهتسي الكبير."

بعد وصول كل الشيوخ يفتح الشيخ ما هان الغرفة والخزانة، وتُكشف نسخة القرآن أمام الجميع. مئات من الصفحات لونها أصفر، لا تزال الحروف فيها واضحة، وهي خالية من التنقيط والتشكيل، مثلما كانت الكتابة في صدر الإسلام.

إن عرض هذه النسخة يضر بسلامتها بدرجة أو بأخرى، لهذا ومن أجل حمايتها وإتاحة الفرصة لكل مسلم في العالم للإطلاع عليها، رصدت مصلحة الآثار الصينية مخصصات مالية لبناء متحف في الجهة المقابلة لمسجد جيهتسي الكبير لحفظها.

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.