عام ضرب الفساد في الصين

حسين إسماعيل

ذات يوم سألني صديق عربي: هل ثمة فساد في الصين؟ قلت نعم، وهو من حيث الحجم المطلق فساد كبير، ومن حيث الحجم النسبي أقل من دول عربية كثيرة، وأتبعت بأنه إذا كان حجم إجمالي الناتج المحلي للصين جبلا يقترب من ثلاثة تريلون دولار أمريكي في السنة فإن المليون فيه يعادل حبة رمل في تل الناتج المحلي لاقتصاد دولة صغيرة.

والحقيقة أن الفساد موجود في كل دول العالم بنسبة أو بأخرى، فالتقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية الصادر الشهر الماضي بعنوان "قائمة تقديرات الفساد لعام ‏2006‏"، أكد استشراء الفساد في‏75%‏ من دول العالم‏، واحتفاظ  دول أفريقيا بصدارة قائمة الدول الأكثر فسادا. وصنف التقرير الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُنصب نفسها حكما وقاضيا ومدافعا عن الشفافية في العالم، في المرتبة العشرين لقائمة الشفافية، مشيرا إلى أن قضية إنرون للطاقة سلطت الضوء علي ظاهرة الفساد في الولايات المتحدة.

ولا شك أيضا أن للفساد والفاسدين بيئة وأجواء تهيئ لهم ما يستمرئونه، فالاضطرابات والعنف وانعدام الأمن وفترات التحول والتغيير كلها شروط  ضرورية للفساد، ولهذا لم يكن غريبا أن يحتل العراق المرتبة الستين بعد المائة في قائمة الشفافية بالعالم، وأن ينافس كل من هايتي وميانمار على  لقب الدول الأكثر فسادا في العالم‏.‏ فهناك علاقة وثيقة بين عدم الاستقرار والفقر والفساد، ولهذا فإن الظروف التي مرت بها الصين خلال فترة ما بعد تبني سياسة الإصلاح والانفتاح والتحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق ساعدت على خلق بيئة للفساد، ‏فالأنظمة القانونية غير مكتملة والثغرات كثيرة، والوعي القانوني والاجتماعي لدى صغار المسئولين وبعض كبارهم ضعيف، والإغراء المادي لمن بيدهم السلطة وليس المال دافع للفساد، والتحول في تركيبة المكانة الاجتماعية بالصين وظهور فئة جديدة من الأثرياء ينتمون إلى قطاع التجارة والأعمال الخاصة حافز نفسي لارتكاب المخالفات والتورط في الفساد.

الأوضاع حاليا في الصين تتغير، فالقوانين تتم مراجعتها وسد ثغراتها والوعي الاجتماعي والقانوني عند المسئولين والمواطنين يرتفع وروح تقبل أن يكون الآخر، أيا كانت وظيفته، أكثر ثراء، تتزايد، ثم والأهم، الإرادة والعزيمة السياسية الممثلة بقيادة الحزب والدولة على مكافحة الفساد بكل صوره وأيا كان من يقف وراءه، كلها عوامل تضع حدودا لتفاقم ظاهرة الفساد وضربه.  

المواطن الصيني العادي لديه حساسية شديدة من الفساد تزكم أنفه وتثير غضبه، وكم من انتفاضات شدتها البلاد كان سببها الفساد والفاسدون. وليس عجيبا أن نقرأ في تاريخ الصين عن الذين قاوموا الفساد فخلدهم الصينيون القدماء ورفعوهم إلى مرتبة الآلهة. والذين يعرفون تاريخ الصين لم تفاجئهم قرارات اجتماعات الدورة السادسة الكاملة للجنة المركزية السادسة عشرة للحزب الشيوعي الصيني التي عقدت في شهر أكتوبر هذا العام، فقد كان أمين عام الحزب، الرئيس هو جين تاو، واضحا صارما في التعبير عن عزيمة التصدي للفساد.

وسوف يسجل تاريخ الصين المعاصر أن عام 2006 هو عام مكافحة الفساد، فلم يعد أحد، أي كان مكانه ومكانته، محصنا إن ارتكب جُرم الفساد. ولعل الإطاحة بأمين لجنة الحزب الشيوعي في شانغهاي، تشن ليانغ يو، وهو أيضا عضو المكتب السياسي للحزب، يوم 25 سبتمبر، بتهمة سوء استخدام أموال صندوق الضمان الاجتماعي بالمدينة، كانت رسالة بالغة الأهمية لكل مسئول في الصين. وشملت قائمة المسئولين الكبار الذين اكتشف تورطهم في قضايا فساد، ومعظمها اختلاسات مالية وتربح، لي دا لون، أمين لجنة الحزب في تشنتشو، المتهم بالحصول على رشاوى بلغت مليون وستمائة وخمسين ألف دولار أمريكي، تسنغ جين تشون، أمين لجنة الانضباط للحزب في تشنتشو، بان جيا شنغ، مدير قسم الدعاية في حكومة تشنتشو، وهو متهم بالحصول على رشاوى قدرها مليون وربع دولار أمريكي، ليه يوان لي، نائب عمدة تشنتشو، المتهم بالحصول على رشاوى واختلاسات قيمتها ثلاثة ملايين ومائتين وخمسين ألف دولار أمريكي. ومن أبرز الأسماء التي تورطت في الفساد نائب عمدة العاصمة بكين ليو تشي هوا، ونائب قائد سلاح البحرية الصينية وانغ شو يه، ومدير مكتب العمل والضمان الاجتماعي في شانغهاي تشو جون يي، ونائب رئيس مقاطعة آنهوي خه مين شو، ومدير حي باوشان في شانغهاي تشين يو، والنائب العام في تيانجين لي باو جين.

القائمة طويلة وتشمل نحو سبعين ألف مسئول تم عقابهم خلال السنوات الثلاث السابقة في قضايا فساد، منهم نحو ثمانية عشر ألف مسئول تمت محاكمتهم في الشهور الثمانية الأولى لعام 2006  وهم مسئولون ينتمون لقطاعات مختلفة، من الحكم المحلي إلى القضاء والجيش والنيابة، ومن بينهم شعراء!

لقد استوقفتني كثيرا قضية الفساد التي كُشف عنها في تشنتشو في شهر أكتوبر هذا العام وكان بطلها أمين لجنة الحزب الشيوعي في المدينة العاصمة لمقاطعة هونان لي دا لون، وضمت ما يقرب من مائة وخمسين آخرين من مسئولي المدينة. خلال التحقيقات التي أجريت في هذه القضية قال أحدهم: أنا لست الأكثر فسادا، فترتيبي في القائمة هو الثاني عشر!      

التحقيقات في قضية الفساد الكبرى في تشنتشو كشفت عن أن السيد لي وزوجته تشن لي هوا يمتلكان ما يعادل نحو أربعة ملايين دولار أمريكي حصلا عليها من الرشاوى وسبل التربح غير المشروعة. هذه القضية دليل آخر على ما قاله الأقدمون من أن السلطة مفسدة وغياب الرقابة الصارمة يغري بالخوض في وحل الفساد، فقد صعد نجم بطل قضية تشنتشو لي دا لون قبل سبع سنوات، من مدير مكتب ريفي بالحكومة المحلية إلى موقع أمين لجنة الحزب بالمدينة. هذا المسئول المعروف بقصائده العاطفية المؤثرة عضو بجمعية الكتاب في هونان ونشر كتابا بمجموعة شعرية له وكتابا آخر لأعمال فن الخط، تم توزيعهما على المواطنين واشترتهما الوحدات الحكومية. وخلال هذه السنوات كان اقتصاد شنتشو ينمو بمعدل عشرين بالمائة سنويا، أي ضعف الرقم الوطني للصين. كان لي دا لون متحمسا للأرقام والترتيب وجعل تشنتشو مدينة حديثة، وبالفعل غير معالمها فأقام البنايات الفخمة، وأبرزها قاعة الشعب الكبرى، على غرار قاعة الشعب في بكين، والأسواق الفاخرة، وكان متحمسا في تشجيع الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص. كان يعلم أن هذا هو السبيل للارتقاء أكثر والصعود أعلى. كان يحصل على الرشاوى رئيسيا من قطاع المناجم والتنمية العقارية. كان ذكيا في إبعاد الصحافة عن القضايا المشبوهة وكان صارما في تهديد من يجرؤ على كشف مخالفاته، ولكنه سقط في النهاية.

نموذج لي دا لون ليس قليلا في الصين، فهناك مسئولون يؤدون عملهم ببراعة ويحققون إنجازات كبيرة بالفعل في مواقع عملهم ويتصورون أن هذه الإنجازات تبيح لهم الحصول على الكسب غير القانوني ولا يرون في ذلك تعارضا مع التزاماتهم الوظيفية وربما يبررون ذلك بضعف دخولهم مقارنة مع حجم العمل الذي ينجزونه. ولكن القيادة الصينية وعت مدى خطورة الفساد على الاستقرار الاجتماعي، خاصة أن الفساد كان وراء الكثير من الاضطرابات الاجتماعية طوال تاريخ الصين القديم والحديث، ولهذا اتخذت قرارا ت وإجراءات حاسمة طالت الكثير من رءوس الفساد.

والصين تتعاون مع المجتمع الدولي في مكافحة الفساد، فقد وافقت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في السابع والعشرين من أكتوبر 2005 على "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد" التي أجازتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 2003. ووقعت النيابة العامة الصينية 83 اتفاقية أو مذكرة تفاهم للتعاون الثنائي مع 75 هيئة قضائية أجنبية. وقد اعترف المجتمع الدولي بجهود الصين في مكافحة الفساد، وتجسيدا لهذا الاعتراف استضافت العاصمة الصينية في نهاية شهر أكتوبر هذا العام المؤتمر السنوي الأول والاجتماع العام للجمعية الدولية لهيئات مكافحة الفساد. وقد أكد الرئيس الصيني هو جين تاو في افتتاح المؤتمر على أن الحكومة الصينية تولى أهمية كبيرة للتعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية المعنية في مكافحة الفساد، وأن تشديد عقاب الفساد والوقاية الإيجابية منه موقف ثابت للحكومة الصينية. واعتبر الرئيس الصيني مكافحة الفساد مسألة هامة وملحة تتعلق بالمصلحة العامة لتنمية البلاد والمصالح الجوهرية للشعب والعدالة الاجتماعية والانسجام والاستقرار الاجتماعي. كما أن الإقرار الدولي بجهود الصين في مكافحة الفساد تجسد أيضا في اختيار النائب العام الصيني جيا تشون وانغ لرئاسة الجمعية الدولية لهيئات مكافحة الفساد.

إن ضرب الفساد مسيرة طويلة ومتواصلة وقد بدأت الصين هذه المسيرة وعازمة على الاستمرار فيها، ولكن سيظل عام 2006 معلما بارزا في حملة ضرب الفساد بالصين.

مرحبا على المقهى الإلكتروني

husseinismail@yahoo.com  

 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.