العهدة الإمبراطورية لمسلمي الصين بعد زيارة نيوجيه

عبد الله فريح يان يويه

الواجهة الأمامية لمسجد نيوجيه

المرسوم الإمبراطوري الذي أصدره الإمبراطور كانغ شي لمسجد نيوجيه عام 1694

القدر النحاسي الكبير الذي أهداه الإمبراطور كانغ شي لمسجد نيوجيه

      شهدت أسرة تشينغ الإمبراطورية (1644-1911) فترتين مزدهرتين في تاريخها، إحداهما في عهد الإمبراطور كانغ شي الذي بقي على العرش لمدة 61 سنة (1661-1722)، والأخرى في عهد حفيده الإمبراطور تشيان لونغ الذي اعتلى العرش لمدة 60 سنة (1735-1795). كان كانغ شي إمبراطورا حكيما عادلا. ومازال الناس يذكرون قصص انخراطه في أوساط عامة الشعب للتعرف على أحوال الناس وحل مشاكلهم. ومنها قصة اهتمامه بالحياة الدينية للمسلمين في منطقة نيوجيه بعاصمة بكين.

      يقال إنه في مارس عام 1694، أي العام الثالث والثلاثين لعهد الإمبراطور كانغ شي، كان المسلمون الصينيون يحتفلون بشهر رمضان الكريم، ويقومون بنشاطات دينية مختلفة حسب عاداتهم في أنحاء البلاد. لذلك كان المسلمون القاطنون في منطقة نيوجيه ببكين يتوافدون إلى مسجد نيوجيه الكبير في كل ليلة، يؤدون الصلاة أو يستمعون إلى الخطب والمواعظ من الأئمة والعلماء في المسجد. كان المسؤول عن أمن المناطق الجنوبية للعاصمة التي يقع مسجد نيوجيه فيها ضابطا غير متدين وجاهلا بعادات المسلمين. هذا الضابط لاحظ في دورياته خلال تلك الفترة أن عددا كبيرا من المسلمين يدخلون ويغادرون مسجد نيوجيه في ليل كل يوم، فظن أنهم يجتمعون فيه استعدادا لإثارة انتفاضة ضد البلاط، فرفع تقريرا عاجلا إلى الإمبراطور مدعيا بأن المسلمين في منطقة نيوجيه يبيتون لشن حملة معادية ضد البلاط خلال أيام، بدليل أنه لاحظ دخولهم إلى المسجد تحت جنح الظلام في كل ليلة للاجتماع فيه. واقترح الضابط الكبير على الإمبراطور أن يتخذ الإجراءات اللازمة لقمع حركة المسلمين هذه على وجه السرعة.

      بعد أن اطلع الإمبراطور كانغ شي على التقرير، استدعى وزيره المقرب نيو شي والمعلم الكبير وانغ شي لمقابلته في القصر الإمبراطوري، وكلاهما يسكن في مكان قريب من منطقة نيوجيه، ومن ثم فإنهما على دراية بأحوال المسلمين هناك. قال الرجلان، وهما في حضرة الإمبراطور، إنهما لم يشعرا بأية حركة غير عادية من جانب المسلمين في الفترة الأخيرة، وإنما عرفا أن هذا الشهر هو شهر رمضان في التقويم الإسلامي، ومن ثم فإن المسلمين يقومون بنشاطات احتفالية في المسجد. ومن أجل استيضاح الحقيقة قرر الإمبراطور أن يذهب بنفسه إلى منطقة المسلمين، وبرفقته الوزير والمعلم، لكي يروا عن كثب ماذا يفعل المسلمون في المسجد. بدلوا ملابسهم الرسمية بملابس المسلمين، ولبسوا عمائم بيضاء وتوجهوا مباشرة إلى مسجد نيوجيه.

      دخل الإمبراطور ورفيقاه قاعة الصلاة في المسجد فوجدوها مكتظة بالناس. جلسوا بهدوء حول شيخ كبير السن، له لحية بيضاء طويلة ووجه بشوش، وعلى رأسه عمامة بيضاء. بصوت رنان ولهجة حماسية ألقى الشيخ خطبته على الصائمين. سأل الإمبراطور مرافقيه، وهو يشير إلى الشيخ: "من هو؟" أجاب وانغ شي بأنه إمام كبير في هذا المسجد. فجلس الثلاثة في ركن القاعة، واستمعوا لما يقول الشيخ. كانت خطبة الإمام تدور حول تعاليم القرآن وتفسير الأحاديث النبوية، فالإمام يحث المسلمين على الاجتهاد في تلاوة القرآن وأداء الواجبات الدينية، واتخاذ رسول الله قدوة لهم في البر بالوالدين وحسن معاملة الجيران... بعد أن رأى الإمبراطور جميع الحاضرين في المسجد يتصرفون ويتعاملون باتزان ولطف، ولم يظهروا شيئا من السلوكيات الشرسة في أقوالهم وتصرفاتهم، التي تشي بأن فوضى سوف تحدث، شعر بالطمأنينة ولوح بيده نحو زميليه موعزا بالانصراف.

      عندما خرج الثلاثة من المسجد جالوا في الشوارع، وكان الليل قد أسدل أستاره من كل اتجاه، عندئذ شعروا بالجوع فتوجهوا نحو مطعم صغير بجانب الطريق، فخرج صاحب المطعم مسرعا، ودعاهم باحترام وحفاوة إلى الدخول. وقد عرفوا، من عمامته البيضاء، أنه مسلم. قالوا له إنهم قد نسوا أن يحملوا نقودا معهم فهل يمكن أن يطعمهم على أن يدفعوا له في اليوم التالي. صاحب المطعم قال لهم: "لا تكليف بيننا، كلوا ما شئتم فأنتم ضيوفنا!" فسروا وأكلوا حتى شبعوا... وفي طريق العودة أجمع الإمبراطور وزميلاه على أن تقرير ضابط أمن العاصمة كاذب تماما.

      في اليوم التالي أشرف الإمبراطور كانغ شي شخصيا على جلسة صباحية للبلاط داخل قاعة الاجتماعات في القصر الإمبراطوري، فاستدعى ذلك الضابط الكبير، وقام، في حضور الوزير نيو شي والمعلم وانغ شي، باستجوابه حول صحة تقريره. أمام الحقائق الدامغة أضطر الضابط الكبير الغافل أن يعترف بخطئه، فقرر الإمبراطور عقابه بأن نحاه عن منصبه وحوله إلى المحاكمة، وهكذا استطاع الإمبراطور تفادي ارتكاب خطأ بناء على تقرير كاذب. كما أن الإمبراطور لم ينس أن يكلف خادما من البلاط بالذهاب إلى ذلك المطعم الصغير في منطقة نيوجيه لتسديد دينه بمبلغ يعادل أضعاف قيمته لمكافأة صاحب المطعم الأمين.

      وللتعبير عن عنايته بالمسلمين وعزمه على التعامل بنزاهة وعدالة في الفصل في النزاعات بين أبناء الشعب من مختلف القوميات، وأيضا لإنهاء المشكلة الناجمة عن تقدير الضابط الحكومي الخاطئ للنشاطات الدينية للمسلمين أصدر الإمبراطور كانغ شي مرسوما رسميا بشأن مسجد نيوجيه، هذا نصه: "أنا الحاكم المطلق لإمبراطورية تشينغ العظيمة، أعلن لكم أنه بعد استعراض الأحداث الهامة في تاريخ قومية هان وقومية هوي المسلمة وجدت أن أبناء هان وأبناء المسلمين مخلصين للبلاد وملتزمين بعقائدهم السياسية والدينية الصحيحة. ولأسباب عديدة نشأت في مجتمعنا عقائد شريرة تشوش عقول الناس، وتخلق اضطرابات اجتماعية، وإني إذا أعلن هنا أن البلاط قد تخلى عن قراره السابق في محاكمة المسؤولين عن الاضطرابات الماضية، فإنني لن أسمح بارتكاب هذه الجرائم فيما بعد. إن الحكام والضباط من قومية هان يؤدون واجبهم الإداري ويطبقون أوامر الإمبراطور بجدية واجتهاد، ولكنهم يتسلمون الرواتب مقابل عملهم، بينما يؤدي المسلمون واجبهم الديني ويصلون لله خمس مرات يوميا، ولا يحصلون على راتب عن هذا، لكنهم مخلصون ومجتهدون أيضا، لذلك أعتقد أن أبناء المسلمين يَفضلُون أبناء هان في هذا الأمر.. ومن اليوم، إذا قام أي ضابط أو موظف حكومي بتلفيق التهم ضد المسلمين انطلاقا من ضغائن شخصية، يجب على الحاكم المحلي أن يعدمه أولا، ثم يرفع تقريرا بشأنه إلى البلاط. ومن جانب المسلمين عليهم أن يلتزموا بالمذاهب الإسلامية التزاما دقيقا، وألا يخالفوا قوانين الدولة في جميع تصرفاتهم. هذه هي نصيحتي لهم.

      تاريخ الإصدار: الشهر السادس من السنة الثلاثة والثلاثين لعهد الإمبراطور كانغ شي"

      وبعد ذلك أهدى الإمبراطور كانغ شي إلى مسجد نيوجيه عددا من الهدايا النفيسة، منها: نصف طاقم من عربة إمبراطورية؛ وتمويل إنشاء رواق مدخل فاخر للقاعة الرئيسية للمسجد؛ وقدر نحاسي ضخم يستخدم لإعداد حساء الأرز للمسلمين المجتمعين في المسجد في الأعياد الدينية؛ ولوحة كتب عليها الإمبراطور بخط يده: "المسجد المشيد بأمر الإمبراطور"؛ ولوحة كتب عليها الإمبراطور بخط يده "السراط المستقيم إلى السماء". واليوم لا يزال مسجد نيوجيه ببكين يحتفظ بهذه العهدة الإمبراطورية ورواق المدخل والقدر، أما الهدايا الأخرى فضاعت.


 

 

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.