في التجارة تسعة أعشار الرزق!

يانغ هوا

يبلغ عدد مسلمي الصين عشرين مليون نسمة، ينتمون إلى عشر أقليات قومية، وينتشرون في جميع أنحاء البلاد. وهم أصحاب عقيدة راسخة ولهم تقاليد وعادات مميزة ناتجة عن الظروف الطبيعية في المناطق التي يعيشون فيها منذ أكثر من ألف سنة. ولأسباب دينية وطبيعية تفوق المسلمون في الصين على غيرهم في بعض مجالات الحياة الاقتصادية، وهذا يتيح لهم تقديم مساهمات أكبر في دفع النمو السريع للاقتصاد الصيني، وفي ذات الوقت يحققون المزيد من الثراء لأنفسهم.
ويتجلى تفوق المسلمين الصينيين في الستة مجالات التالية:

أولا: ممارسة التجارة

فتيات من قومية ويغور يروجن للاستثمار في مواطنهن

أبناء قومية هوي في أعيادهم

تاجر مسلم

من المعروف أن التجارة تحتل مكانة هامة في الإسلام، ويشتمل القرآن الكريم، في أكثر من موضع، على آيات تتعلق بالفكر والنظم الخاصة بالشؤون الاقتصادية، وهذا له تأثيره العميق على سلوكيات المسلمين في حياتهم الاقتصادية. وفي الصين يتميز أبناء قومية الويغور في شمال غربي البلاد والمسلمين من قومية هوي ببراعتهم في ممارسة التجارة، وهذا واقع يقر به الجميع، داخل الصين وخارجها.

ويرجع تفوق المسلمين الصينيين في ممارسة التجارة إلى ثلاثة أسباب:

الأول، أنهم من نسل التجار العرب والفرس الذين جاءوا إلى الصين للتجارة، ثم استوطنوا فيها، فتوارث الأبناء والأحفاد مهنة الآباء جيلا بعد جيل حتى اليوم. وحتى الذين انتقلوا إلى أعمال أخرى - مثل الزراعة أو غيرها - لأسباب شتى، ظلوا متعلقين بالتجارة ويمارسونها كمهنة ثانوية مدفوعين بموروثهم التجاري.

الثاني، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفاءه الراشدين الأربعة كانت لهم اهتماماتهم التجارية. وأقوالهم وأفعالهم حول أهمية التجارة مسجلة في أمهات الكتب الإسلامية، بل إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفسه مارس التجارة في شبابه. والاقتداء بالرسول الكريم وبخلفائه شجع المسلمين الصينيين على القيام بالتجارة منذ بداية انتشار الإسلام في الصين.

الثالث، أن الأعمال التجارية تأتي دائما بثروات كبيرة، ولهذا حظى التجار المسلمون الناجحون بمكانة اجتماعية مرموقة بفضل ثرواتهم الكبيرة، ويحظون باحترام وتقدير واسعين من مختلف فئات المجتمع، وهذا يشكل قوة تدفع شباب المسلمين إلى نزول نهر التجارة دون تردد.

في ظل الثقافة الإسلامية التقليدية ومع الخبرة التي تكونت عبر ممارسة التجارة لفترة طويلة تنامت مهارة المسلمين التجارية التي توارثوها جيلا بعد جيل. والآن وفي عصر الإصلاح والانفتاح على الخارج تحررت أفكار الصينيين، وتفجرت حماستهم في خلق حياة جديدة لأنفسهم، وبالتالي بزغت موهبة المسلمين في التجارة مرة أخرى على سطح الحياة الاقتصادية المتصاعدة. وبعد أكثر من عشرين عاما من الاجتهاد حقق المسلمون الصينيون منجزات باهرة في مجال الصناعات الغذائية ومعالجة الجلود والفرو وتجارة اللحوم وغيرها.

في منغوليا الداخلية، على سبيل المثال، أسسوا مجموعة إيلي المشهورة لمنتجات الحليب، وفي مدينة تانغشان بمقاطعة خبي أقاموا شركة إيجيا لمنتجات لحوم الغنم والبقر الإسلامية، وفي شانغهاي فتحوا مطعم هونغتشانغشينغ الكبير لشرائح الضأن الخاصة بالقدر المنغولي، وفي بلدة سانغبوه بمقاطعة خنان ومدينة لينشيا بمقاطعة قانسو أقاموا مصانع عديدة لمعالجة الجلود والفرو، ويبيعون منتجاتهم داخل الصين وخارجها.

ومن الملاحظ أن الأعمال التجارية التي يمارسها المسلمون الصينيون تتأثر مباشرة بالثقافة الإسلامية، وتؤثر على حياة المسلمين بشكل عميق، وهي جزء هام من الاقتصاد الإسلامي في الصين. ومن المؤكد أن نشاطات المسلمين في التجارة ستشهد تطورا غير مسبوق مع اكتمال نظام اقتصاد السوق وتعاظمه في الصين.

ثانيا: تربية المواشي

تربية المواشي نشاط اقتصادي شائع وعادي في كل أنحاء الصين، يمارسه أبناء معظم القوميات، ولكن المسلمين تحديدا لهم فيه تفوق منذ زمن بعيد، وذلك له أسباب، أهمها أن الظروف المناخية والجغرافية للمناطق الشمالية الغربية التي يتركز فيها المسلمون مناسبة لتربية المواشي، وهذا يفسر الدور الهام الذي تلعبه تربية المواشي في الحياة الاقتصادية هناك. وفي أرياف الصين نجد أن المزارعين المسلمين يولون اهتماما أكبر لتربية المواشي مقارنة مع المزارعين غير المسلمين، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى التوجيهات الواردة في القرآن الكريم والكتب الدينية الهامة الأخرى التي تؤكد على أهمية تربية المواشي والعناية بها، فتشكلت لديهم تقاليد راسخة في هذا المجال. يضاف إلى هذا، أن المسلمين يختلفون كثيرا عن أبناء القوميات غير المسلمة في عادات حياتهم اليومية،؛ فأبناء قومية هان مثلا يتناولون رئيسيا الأرز والدقيق، واللحوم بالنسبة لهم طعاما ثانويا، على عكس المسلمين الذين يعتبرون لحم الغنم والبقر غذاء رئيسيا لهم، فيستهلكون كميات كبيرة من اللحوم، ومن أجل سد حاجاتهم اليومية لا بد لهم أن يولوا اهتماما أكبر لأعمال تربية المواشي. وفضلا عن ذلك يعتمد الرعاة المسلمون على قطعان الحيوانات كمصدر رزق أساسي لهم.

لقد استفاد المسلمون من تفوقهم في تربية المواشي في السنوات الأخيرة، وأقاموا سلسلة من الصناعات التي تعتمد على الإنتاج الحيواني من الذبح ومعالجة الجلود واللحوم وغيرها من المنتجات الحيوانية الأخرى، ومع نمو الاقتصاد الصيني والتقدم العلمي سيتاح للمسلمين الصينيين فضاء أوسع لتطوير تربية المواشي والصناعات المتعلقة بها.

ثالثا: السياحة

المناطق المأهولة بالمسلمين تمتاز بجمال المناظر الطبيعية

نشاطات تجارية مزدهرة حول المساجد

تتزايد خلال السنوات الأخيرة نسبة الدخل من قطاع السياحة في الدخل العام لمختلف الدول، حتى أضحت السياحة العماد الاقتصادي في بعض الدول. وقد ظهرت أهمية السياحة في الاقتصاد الصيني أيضا، لذلك تولي مختلف الحكومات المحلية اهتماما بالغا لتنشيط السياحة وفقا لمبدأ "إبراز التفوق والخصائص المحلية في تطوير قطاع السياحية". وفي هذا الصدد يملك المسلمون تفوقا وامتيازا في تطوير السياحة المحلية في مواطنهم، وخاصة في المناطق الشمالية الغربية للبلاد حيث يقطنها المسلمون بكثافة واضحة.

والسبب في ذلك يرجع إلى ثلاث نقاط:

الأولى، أن المسلمين ينتمون إلى عشر أقليات قومية، وتعدادهم محدود مقارنة مع أبناء قومية هان الذين يشكل تعدادهم أغلبية سكان الصين (92%)، وعليه فإن كثيرين لديهم فضول معرفي لاستكشاف أسرار الحياة الدينية والثقافة الفريدة للمسلمين، خاصة وأن العديد من أبناء جنوب البلاد يجهلون كثيرا أحوال المسلمين الذين يعيشون بكثرة في شمال الصين وشمالها الغربي.

الثانية، أن فكرة "كل المسلمين أخوة" لها جاذبية قوية لدي المسلمين الصينيين والأجانب، لذلك عندما يأتي إلى الصين المسلمون من مختلف الدول، أيا كان هدف زيارتهم، يتطلعون دائما إلى زيارة أماكن تجمع المسلمين الصينيين ليطمئنوا على أحوالهم، وليعززوا الروابط معهم.

الثالثة، أن الكثير من المناطق المأهولة بالمسلمين تزخر بالآثار الرائعة سواء في مناظرها الطبيعية أو مشاهدها الثقافية الإسلامية، وقد تكون أية قرية أو مدرسة أو مسجد أو مقبرة قديمة أو عمارة حديثة مزارا قيما في نظر السياح.

وحاليا تعمل الحكومات على مختلف المستويات على تنمية السياحة المحلية ذات الخصائص القومية والدينية، وبطبيعة الحال، المسلمون لهم تفوقهم في هذا المجال، ويمكن للسياحة في المناطق الإسلامية أن تساهم في تنمية الاقتصاد المحلي.

رابعا: تطوير الاقتصاد حول المساجد

الاقتصاد القائم على الظروف الدينية حول المساجد هو النمط الاقتصادي النموذجي للاقتصاد الديني للمسلمين، وله مستقبل مشرق، ولهذا ينبغي على المسلمين ومسئولي الجمعيات الإسلامية من مختلف المستويات أن يدركوا مزايا هذا النمط الخاص من الاقتصاد، ويركزوا جهودهم لتطويره وجعله عنصرا هاما لتحسين مستواهم المعيشي في أقصر وقت ممكن.

ولدينا الأسباب التي تدعم هذه النظرية، فأولا، المساجد في مختلف الأماكن لديها العديد من الموارد، مثل الهبات والتبرعات والصدقات من المسلمين والهيئات الإسلامية المختلفة والمساعدات المالية من الحكومة والمنظمات الشعبية وغيرها. وثانيا، أنه من أجل تقديم خدمات متنوعة للمسلمين الذين يأتون إلى المساجد لأداء واجباتهم الدينية ظهرت في محيطها مجموعة من الأكشاك والمتاجر والمطاعم والخانات وغيرها، وهي تشكل مصدرا ماليا هاما لهذه المساجد. وثالثا، أن المساجد تملك عادة عددا لا بأس به من العقارات والأراضي الخاصة بها، فيمكن للمساجد أن تستفيد منها عن طريق تأجيرها أو إدارتها لأهداف تجارية. وجملة القول إن الاقتصاد القائم على وجود المساجد سيكون أكثر الأنواع الاقتصادية استقرارا وأفضلها مستقبلا للمسلمين الصينيين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجالس إدارة المساجد في مختلف الأماكن والجمعيات الإسلامية على جميع المستويات، كُل على ضوء ظروفه الخاصة، دشنت منذ سنوات عديدة حملات متنوعة لتنشيط الأعمال الاقتصادية من أجل تمويل المساجد بالإمكانيات والمصادر الاقتصادية الذاتية، فبعضها قامت بالتشجير حول المساجد أو السفوح القريبة منها، وبعضها خصصت أموالا لإنشاء بنايات على أراضيها الفضاء لمباشرة النشاطات التجارية، وبعضها استخدمت أراضيها لزراعة الحبوب والمحاصيل الاقتصادية، أو أقامت فيها البساتين ومزارع الفواكه، وبعضها قامت بمعالجة المنتجات الزراعية أو المنتجات الزراعية الثانوية. وكل هذه الجهود ضخت حيوية كبيرة في اقتصاد السوق الخاص للمسلمين، وصارت قوة هامة تدفع الاقتصاد المحلي في مناطقهم.

خامسا: تفوق في التجارة الخارجية

وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية يتمتع المسلمون الصينيون بتفوق واضح كذلك، حيث أن الدول الإسلامية لديها ثروات طبيعية هائلة، وخاصة في إنتاج واحتياطي النفط، وفي الوقت ذاته تعتمد على السوق العالمية في الحصول على المنتجات الاستهلاكية، وهذا الوضع يتيح فرصا وإمكانيات عظيمة للمسلمين الصينيين لتطوير العلاقات التجارية مع اخوتهم في تلك الدول.

لقد بدأت منذ زمن بعيد التبادلات التجارية والاقتصادية بين الصين ودول آسيا الوسطى والجزيرة العربية، فقد شق التجار الصينيون والعرب والفرس معا "طريق الحرير" المشهور، وتوافد التجار المسلمون من الدول الإسلامية إلى غربي الصين عن الطريق البري أو إلى جنوبي الصين عن الطريق البحري، فاستوطن بعضهم في الصين، واختلطوا مع المحليين، وهم أسلاف المسلمين الصينيين. لذلك، هناك أواصر قربى وصلة رحم قديمة بين المسلمين الصينيين واخوتهم في الدول الإسلامية، وبالإضافة إلى ذلك، تعزز العقيدة الدينية المشتركة وتقاليد ممارسة التجارة العلاقات التجارية بين الجانبين ، وكل هذه العناصر تعطي مسلمي الصين تميزا في التجارة الخارجية مع الدول الإسلامية.

وبالفعل منذ عهد الإصلاح والانفتاح على الخارج استفاد المسلمون في منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي ومنطقة شينجيانغ الذاتية الحكم لقومية الويغور من روابطهم التقليدية مع التجار في الدول الإسلامية في تنمية التعاون التجاري والاقتصادي، وحققوا نجاحا كبيرا. وقد اهتمت هاتان المنطقتان بإرسال الوفود التجارية إلى الدول الإسلامية لزيادة صادراتهما الصناعية والحيوانية إليها، كما عقدتا ندوات ومعارض متخصصة لجذب رجال الأعمال من هذه الدول إليها. ومن المؤكد أن المسلمين الصينيين سيقدمون مساهمات كبيرة في زيادة التبادلات التجارية والاقتصادية بين الصين والدول الإسلامية مع تعاظم قوتهم الاقتصادية.

سادسا: تنشيط الاقتصاد بالأعمال الخيرية

عمل الخير واجب طبيعي لجميع معتنقي الأديان. وانطلاقا من عقيدتهم الدينية يلتزم المسلمون الصينيون بثلاثة مبادئ في الأعمال الخيرية الإسلامية: الأول، أن التعاطف والتراحم ومساعدة الفقراء تشكل قاعدة أساسية لعمل وحياة كل مسلم، فالإسهام في عمل الخير هو اختيار المسلم متى كان قادرا. الثاني، أن الخصائص المميزة والأهداف الرئيسية للاقتصاد الإسلامي والنشاطات الدينية تتمثل في التعاطف والتراحم ومساعدة الفقراء، لذلك الأعمال الخيرية التي تقوم بها المنظمات الإسلامية المتنوعة تحظى دائما بدعم واسع من قبل المسلمين، فهم يعتبرون هذه المنظمات ممثلة لمصالحهم، ويمكنها أن تؤدي دورا لزيادة قيمة أعمالهم الخيرية. الثالث، أن تعاليم وشروط الأعمال الخيرية في الدين الإسلامي جلية ومحددة، وتحمل صفة إجبارية في توجيه تصرفات المسلمين، وهذا يفيد تطور الاقتصاد الإسلامي.

في الوقت الحاضر تعكف المنظمات الإسلامية في مختلف الأماكن على الاستثمار في إنشاء المؤسسات الاقتصادية بأموال من تبرعات وصدقات المسلمين والمساهمات المالية من الحكومة والأفراد، وبذلك تسعى إلى زيادة قيمتها، حتى تتمكن من توظيفها لخدمة المسلمين على أفضل وجه وأوسع نطاق. في السنوات السابقة كانت أموال الأعمال الخيرية تُنفق في كل جهة تحتاج إلى مساندة مالية، غير أن النتيجة لم تكن مرضية، وتلك حالة تشبه الطبيب الذي يريد إنقاذ مريضه، بشراء الدم لنقله إلى جسمه، فيكون جهده قاصرا على مريض واحد فقط، أما الآن فتستخدم هذه الأموال في إنشاء مؤسسات ومشروعات حيوية يمكنها أن تدر عائدا ماليا جديدا بعد تشغيلها، وتلك الحالة تشبه شراء الطبيب ماكينة لصنع الدم ومن ثم يمكنه إنقاذ حياة عدد أكبر من المرضى.

الواقع الاقتصادي الصيني الحالي هو أن أبناء قومية هان يعيشون حياة ميسورة نسبيا، بينما يعاني أبناء مختلف الأقليات القومية من صعوبات أكثر في حياتهم، والسبب هو أن أبناء هان يعيشون عموما في المناطق الشرقية للبلاد حيث مستوى التطور الاقتصادي أعلى، في حين أن معظم أبناء الأقليات يعيشون في المناطق الغربية أو المناطق النائية، حيث الاقتصاد المتخلف. وعلى الرغم من وجود المسلمين في جميع أنحاء الصين فإن غالبيتهم يقطنون المناطق الغربية، لذلك من واجب المسلمين الصينيين أن يستغلوا استغلالا كاملا تفوقهم في تنمية الاقتصاد، وأن يساهموا في تضييق الفجوة بين شرق الصين وغربها من أجل تحقيق الازدهار المشترك لجميع أبناء قوميات الأمة الصينية.

Address: 24 Baiwanzhuang Road, Beijing 100037 China
Fax: 86-010-68328338
Website: http://www.chinatoday.com.cn
E-mail: chinatoday@chinatoday.com.cn
Copyright (C) China Today, All Rights Reserved.